إن لله - سبحانه وتعالى - في أيام دهرنا لنفحات من تعرض لها واجتهد فيها نال السعادة والنعيم الأبديين. ومِن المنح الربانية التي تتكرر كلَّ عام منحة شهر رمضان، التي تعد مكافأة كبرى لأمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  حيث مغفرةُ الذنوب ورفعُ الدرجات والتلذذ بالطاعات وتذوق طعم الإيمان والعيش في جنة الله في أرضه (جنة الطاعات) قبل العيش في جنة عرضها الأرض والسماوات... وإذا حُرِم العبد هذه المنح الإلهية فقد خاب وخسر كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم : «... ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفَر له»[1].

ولكي يفوز المسلم بنفحات رمضان ويكون بمنأى عن الخسران لا بد أن يهيئ نفسه وأسرته للإقبال على الله في هذا الشهر الكريم؛ لأن من كان يرجو الله واليوم الآخر لا بد أن يجتهد ويعمل، ويُعِد العدة، وها هي الفرصة سانحة في شهر شعبان كي تتهيأ الأسر فيه لهذا الشهر العظيم.

إنَّ تفقُّد أحوال الأسرة وتعهدها مادياً ومعنوياً أمر مطلوب في كل وقت وهو أشد طلباً في مواسم الخير، وقت العطايا والنفحات، وهذا منهج نبوي شريف فقد رأينا كيف كان صلى الله عليه وسلم  يطرق باب علي وفاطمة رضي الله عنهما ليلاً وقت نزول الرب في الثلث الأخير من الليل؛ فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  طرقه وفاطمة ليلاً، فقال: «ألا تصليان؟»[2]. وفي حديث آخر يدعو صلى الله عليه وسلم  للأسرة التي تُقبِل على الله خاصة وقت العطايا والمنح وينعتها بأنها من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رحم الله رجلاً قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»[3]، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا (أو صلى) ركعتين جميعاً، كُتبا في الذاكرين والذاكرات»[4].

لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم  شهر شعبان عناية كبيرة؛ لأن كثيراً من الناس يغفلون عنه مع أن الأعمال ترفع فيه، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله! لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»[5].

إن هذا الاهتمام النبوي بشهر شعبان ليس فقط من أجل غفلة الناس عنه، ولا من أجل رفع الأعمال فيه كذلك؛ بل لأنه يعد مرحلة تمهيدية لرمضان، وهو بمثابة النافلة للفريضة، وفيه يتعود المسلم على الصيام حتى لا يدخل على صوم رمضان وهو في تعب ومشقة؛ بل يستقبله وهو في نشاط وقوة، وهو كالمقدمة لرمضان، فيُشرَع فيه ما يُشرَع في رمضان من العبادات؛ كالصيام وقيام الليل وقراءة القرآن والدعاء والصدقات... ليحصل الاستعداد لاستقبال رمضان، وتتعود النفس على طاعة الله تعالى.

من وسائل تهيئة الأسرة في شعبان:

تغيير المناخ الأسري: وهذه نقطة غاية في الأهميـة، فالزرع لا ينبت، والشجرة لا تؤتي ثمارها إلا في مناخ مناسب، وكذلك الأسرة لا ينصلح حالها ولا تعود بالنفع على المجتمع إلا إذا وفَّرنا لها مناخاً مناسباً، وذلك لأن المنـاخ المحيط بالأسر الآن مملوء بالدَّخن واللغم، وهو ما يؤثر عليها تربويّاً وإيمانياً وأخلاقياً، وهذا يتطلب جهداً كبيراً من الآباء في تعـديل وتغيير المناخ الأسري، وذلك بتوفير بيئـة صالحة طائعة لربها، مملوءة بالحب والرحمة والمودة والسكينة.

تعديل بوصلة الاهتمام لدى أفراد الأسرة: فبعض الأسر - إن لم يكن أغلبها - جُلُّ همها: ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟ وماذا نلبس؟... فهل يعقل أن أسرة بهذه الحال يمكن أن تستفيد من رمضان أو مِن روحانيته وعطاءاته؟ وتعديل بوصلة الاهتمام تكون بمعرفة الهدف الأسمى من الوجود، والسعي في تحقيق هذا الهدف وهو عبادة الله وتعمير الأرض والصلاح والإصلاح، وأن من تأخر أو تكاسل أو تغافل عن تحقيق هذا الهدف فإن الأجَل لا يمهله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

الإكثار في شهر شعبان من الأعمال الصالحة: خاصة الصيام والقيام، والذكر والدعاء، والإحسان إلى البشر قولاً وفعلاً، ومع رب البشر بتجويد الطاعة؛ فالله يريد منا أحسن العمل وليس مجرد العمل.

 تجنُّب المعاصي: وتحصين الأسرة من شياطين الإنس والجن وقطع حبائل الشيطان؛ وذلك بالاستعانة بالله وإظهار الافتقار إليه، والخروج من حولك إلى حوله سبحانه؛ فليس لنا حول ولا قوة إلا بالله؛ لذا كانت لا حول ولا قوة إلا بالله كنزاً من كنوز الجنة.

التعـريف بفضل شعبان وفضل الطاعة فيه: فدائماً الإنسان لا يُقْبِل على الشيء إلا إذا عرف المردود الإيجابي من هذا العمل، وهذا هو منهج الإسلام؛ فقبل أن تفعل الطاعة يبين لك أجرها {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧، ٨]،

وأعرض لكم موقفاً عملياً واقعياً من خلاله يتبين لنا أن معرفة أجر العمل تحفز الإنسان على القيام به ولو بذل نفسه؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم  يوم أحد: أرأيت إن قُتلتُ فأين أنا؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل»[6].

لفت أنظار الأسرة إلى أهمية رمضان: وأنه ضيف كريم يفيض على زائره بالخير والحسنات بغير حدود، وبالمغفرة والعتق من النيران، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وهو يعد الميلاد الحقيقي للأمة الإسلامية؛ فكل الرسالات نزلت في شهر رمضان.

 الصعود بالأسرة تدريجياً في سلم: «سددوا وقاربوا»: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبـه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»[7]. وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا». ومعنى الحديث: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون وتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل إلى المقصود بغير تعب[8].

تعليم الأسرة فقه الصيام وأحكامه وآدابه: حتى يتم الصيام على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه.

وضع خطة محكمة للأسرة تتناسب مع قدرات الإنسان وشرف الزمان: ويتم ذلك بالآتي:

وضع أهداف واضحة محددة لكل الأعمال، والسعي في تحقيقها.

عمل جدول للأعمال وأوقاتها والقدر المطلوب إنجازه، وهل تم في وقته أم لا؟

تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ والراحة والعمل، والاستفادة من أي وقت ولو دقيقة واحدة؛ فقد يحصل الإنسان على أكثر من خمسمئة حسنة في هذه الدقيقة، وذلك بقراءة سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن

تحديد الأولويات، وما الأعمال التي ينبغي أن تقدَّم والأعمال التي يمكن أن تؤخَّر، وإياك والتسويف، فإنه من جند إبليس، فقد يحال بينك وبين إنجاز العمل، وقد قيل لعمر بن عبد العزيز وقد أعياه الإرهاق من كثرة العمل: أخِّر هذا العمل، فقال: أعياني عمل يوم واحد؛ فكيف إذا اجتمع عليَّ عمل يومين؟

وأخيراً: لكي تتحقق الأهداف السابقة فلا بد من نية صادقة، وعزيمة قـوية، واعتماد على الله، وبذل المستطاع من الجهد ابتغاء وجه الله.

 


 


[1] صحيح ابن حبان، والحديث إسناده صحيح على شرط مسلم.

[2] متفق عليه.

[3] رواه أبو داود بإسناد صحيح.

[4] رواه أبو داود بإسناد صحيح.

[5] أخرجه النسائي.

[6] متفق عليه.

[7] أخرجه البخاري رقم: 39.

[8] رياض الصالحين، تحقق د. ماهر ياسين الفحل: 1/117.