في أول أيام الاستفتاء، بثت قناة الجزيرة تقريراً يصور ردود الأفعال في الشارع السوداني، وكان لافتاً للانتباه التناقض الحادُّ في المواقف؛ فقد ظهر أتباع بعض الأحزاب وهم «يرقصون» و «يهتفون» فرحاً بالخلاص من «الصداع الجنوبي»، بينما ظهر فريق آخر وهم يلفُّون منزل إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء السوداني الأسبق بالقماش الأسود حِداداً على انفصال الجنوب.

إنها مشكلة خطيرة؛ فما بين «التعزية» و «التهنئة» بون شاسع؛ فكيف استطاع السودانيون تجاوز هذه المسافة الهائلة ليظهر هذا التناقض الصارخ في مواقفهم تجاه أزمة قومية كبرى؟

إن بناء وتكوين ردود الأفعال وتصورات المعالجة في الأزمات الكبرى، يكون مرتكزاً أساسياً على توحُّد الرؤى حول ماهية الأزمة وطبيعتها. أما أن يصل الخلاف إلى درجة التباين في تشخيص الحدث فيَعدُّه بعضهم شفاءً وبعضهم سقماً، فهذا يعني أنه لدينا أزمة ربما تكون أخطر من انفصال الجنوب؛ هذه الأزمة هي: هل توجد لدى السوادنيين مصلحة قومية واحدة؟

لنا أن نتخيل – استطراداً مع هذه الظاهرة - أن تخرج تظاهرات في الخرطوم تعبِّر عن فرحها بالخلاص من «صداع» اسمه «دارفور»، أو أن يتظاهر مصريون ترحيباً بتأسيس دولة للأقباط خلاصاً من مشكلاتهم، أو أن يُعرِب سكان الجزائر العاصمة عن بهجتهم بانفصال الأمازيغ في دولة خاصة بهم...

إن الانقسام يحدث في النفوس قبل أن يظهر في الواقع، ولعل في ذلك تفسيراً للتساؤلات التي تستنكر ضعف الجهد المبذول على الجانب السوداني منذ عام 2005م  للحيلولة دون بلوغ مشكلة الجنوب إلى هذه المرحلة. ليست هناك مصلحة قومية واحدة يتمسك بها كل السودانيين؛ لـذلـك نجـد بعـض الكيـانات والأحـزاب تنظر إلى الحدث على أنه فرصة ذهبية للقفز على النظام وإسقاطه بثورة شعبية بغضِّ النظر عما سيكون بعد ذلك، وعمَّن سيحكم السودان بعد الثورة، وهكذا انسحبت أحزاب المعارضة في دارفور من مباحثات الدوحة وأعلن الشيخ حسن الترابي دعوتَه إلى الثورة الشعبية.

إن أوضاع السودان قد تتجه نحو الاحتمالات الأسوأ دون أن تبدو هناك بارقة أمـل - سـواء على المسـتوى العربي أو المحلي - إذا لم يُستدرَك ذلك. وهذه الاحتمالات مثل: الفوضى السياسية، الحرب الأهلية (الأفغنة) اختفاء البشير لأي سبب خارجي أو داخلي، انهيار الدولة (الصوملة)، تفكُّك المناطق بعيداً عن المركز وتراجع سيطرة الحكومة (العرقنة)... إلخ.

أزمة الوعي العربي:

يبدو الوعي العربي دوماً متأخراً عن الحدث بخطوة أو خطوتين، ويمكن فهم ذلك من خلال تأمُّل الكتابات والتصورات التي طُرِحت حول الأزمة السودانية؛ إذ إن أغلبها يعالج قضايا لم يعد بالإمكان تداركها، ويطرح حلولاً تتطلب تغيراً جذرياً في حالة الأنظمة العربية، أو أن يتحول الرؤساء العرب إلى «مجددين» لهذه الأمة.

أهم علامات «تأخر الوعي» أن يلتصق بـ «لحظة انفجار الحدث»، حيث تُعالَج قضايا الأمة الحيوية وكأنَّ عقلاءها يديرون قناة فضائية لا تهتم إلا بالساخن من الأحداث، ولا تُعالج إلا المتفجر من الأزمات؛ بينما الوعي الحقيقي يختلف عن «الوعي الإعلامي»؛ حيث تنبغي المبادرة إلى معالجة الأزمات في مرحلة مبكرة قبل أن تتحول إلى عناوين رئيسة في وسائل الإعلام.

من العوارض السلبية أيضاً، تلك الإسقاطات التي يُصِرُّ  كثيرون على استخدامها لمعالجة قضايا الأمة غافلين عن تأثيراتها السلبية على الرأي العام، مثل قصة «الثيران الملونة» التي تظهر في الأزمات الكبرى مثل انقسامات الدول واحتلالها، وهي قصة تدور حول ثلاثة ثيران «أبيض، أحمر، أسود» على خلاف في تحديد الألوان وترتيبها، يتحالف الثلاثة مع أسد منهَك القوى لكنه واسع الحيلة، يستميل أحدَهم إلى صفه مستعيناً به في التآمر على رفيقيه حتى ينتهي منهما ثم يستدير إليه، فيصيح الثور الأخير صيحته الشهيرة: «أُكلْت يوم أُكِل الثور الأبيض».

وهكذا يتبدد الوعي بهذا الإسقاط المأساوي والتحليل الساذج للأحداث؛ فلم نرَ حاكماً يُمسي حكيماً فيصيح وهو في لحظات الإفاقة الأخيرة ملخِّصاً تجربته للآخرين، ولا تكمن المعضلة أساساً في جهالة الحاكم أو المحكوم بأبعاد المؤامرة، ولا القوى الكبرى تتقاعس قوَّتها عن الفتك بثلاثة ثيران في وقت واحد.

بعيداً عن «قصة الثيران الملونة»؛ فإن تصوُّر إستراتيجية صائبة للتعامل مع الأزمة السودانية ربما يكمن في معرفة الإمكانات والقدرات المتاحِ استخدامُها في معالجة هذه الأزمة، ولا أعتقد أن حال الأمة يخرج عن هذه الثلاثية:

في المرحلة الحالية قد لا نمتلك قدرة على إحداث تغيير.

في المرحلة التالية نمتلك قدرة ضعيفة على التغيير.

في المرحلة الثالثة يمكن أن نمتلك قدرة كبيرة على التغيير.

ينبثق عن هذه الرؤية عدة تطبيقات عملية مهمة، منها: أن الحلول الكبيرة التي يجري طرحها وتستغرق وقتاً في تبلورها وبلوغها حالة التأثير في الأحداث - مثل تأسيس كيانات سياسية جديدة - ينبغي أن تستهدف التعامل مع تطورات المستقبل وليس معطيات الحاضر؛ فهي عندما تبلغ مستوى العنفوان سيكون الحاضر قد تحول إلى ماضٍ وأصبح المستقبل واقعاً، ولا يصلح أن تعالج الأزمات الحالية بمعطيات تجاوزتها الأحداث.

ومنها أن الجهود والطاقات يجب أن تتركز على تجنُّب مواطن الخسارة المستقبلية والبدء المبكر في إعداد إستراتيجيات لتجاوزها أو على الأقل التقليل من تداعياتها؛ فالمعالجات الآنية غالباً ما تعجز عن احتواء الأزمات المتفجرة، وفي الحالة السودانية تواجه الدولة منعطفات خطيرة في السنوات المقبلة تتمثل في الاحتمالات الأسوأ التي أشرتُ إليها، وربما يتوجب على القوى السياسية المخلصة في السودان أن تبدأ التفكير من الآن في مرحلة ما بعد البشير أو ما بعد حكم الجبهة الإسلامية.

الدور الإسلامي... تقدم الخطاب وتأخر الفعل:

على الرغم من خطورة الحدث وعِظَم الخطب فإن الحضور الإسلامي في الأزمة السودانية يبدو خافتاً للغاية؛ فباستثناء بعض البيانات وردود الفعل الكلامية فإن قضية تقسيم السودان لا تحتل مكانها اللائق في الأجندة الإسلامية العربية.

قد يفسر بعضهم ذلك بأن «الجدول» مزدحم ولا يكاد يوجد مكان شاغر لأزمات جديدة، وبالكاد تُعطَى كل أزمة قليلاً من الاهتمام بحسب الأولويات؛ فلا مجال للبحث عن معالجات مكتملة أو اهتمامات طويلة الأمد، كما أن الانكفاء الإسلامي على الذات المحلية أصبح سمة لازمة لأغلب التيارات الإسلامية في العقد الأخير، وتراجعت المساحة المتاحة لـ «الآخر الإسلامي» إلى حدِّها الأدنى الذي يقتصر أحياناً على واجب التعزية أو التهنئة في المناسبات.

لكن السبب الأهم في تأخُّر الفعل الإسلامي هو افتقاد الإسلاميين لآليات التحريك السياسي التي تمكِّنهم من معالجة القضايا الطارئة بأسلوب مؤثِّر وفعال، وأهم هذه الآليات:

أولاً: الزعامات الجماهيرية: يفتقد الإسلاميون في العقود الأخيرة إلى رموز علمية أو سياسية أو فكرية تحظى بقَبول جماهيري يمكِّنها من توجيه الرأي العام بمجرد الإفتاء أو إبداء الرأي، وأغلب الزعامات ينحصر تأثيرها في نطاق المناصرين والمريدين من التيار نفسه؛ فلا يتعدى إلى غيرهم من التيارات الإسلامية فضلاً عن تمدُّده إلى الدائرة الشعبية الواسعة.

ثانياً: وسائل الإعلام المؤثرة: لا توجد حتى الآن وسيلة إعلام إسلامية – انتماءً وليس تخصصاً - لديها القدرة على صياغة الرأي العام العربي إلى مستوى التحريك السياسي للنخبة أو للجماهير، وحتى بعض الوسائل التي بلغت مستوى مقبولاً من الشعبية ليست لديها الإرداة أو القدرة على ممارسة هذا التحريك إلا في القضايا قليلة الأهمية.

ثالثاً: المبادرات: في بعض الأحيان يمكن للإسلاميين ممارسة دور فعال – على الأقل جماهيرياً - عن طريق القيام بمبادرات سياسية في اتجاه الأزمات وأطرافها الأساسيين، مثل: تشكيل لجان للوساطة أو المتابعة، أو إقامة المؤتمرات، أو حتى عرائض المطالبات التي يُدعى الجمهور للتوقيع عليها، مثل هذه الأساليب تُحدث حَراكاً سياسياً، ولكن المشكلة أن حالة «الاستغراق المحلية» تُعرقل أي جهود مؤثرة في هذا السياق.

والحال هكذا فإن أزمة مثل «انفصال الجنوب السوداني» لا تجد تجاوباً إسلامياً مناسباً؛ لأن الإسلاميين يفتقدون إلى آليات التحريك السياسي التي يمكنها التأثير في الحدث، وعوضاً عن ذلك يتمدد الخطاب الإسلامي محاولاً تعويض تراجع الفعل، وحتى في هذا المجال تتفوق جهات أخرى على الإسلاميين في تغطية الحدث ومتابعته، ويكون على الجماهير العربية أن تُلقي بزمامها إلى وسائل إعلام مؤثرة لها توجهاتها الخاصة التي تنطلق منها.

السودان... قراءة جديدة:

يحتاج السودان إلى إعادة قراءته من جديد على كافة الأصعدة (السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية)، وهذه مهمة مراكز الأبحاث والدراسات الإسلامية والعربية، يجب تكوين مجموعات وفِرَق بحثية تضطلع بهذه المهمة لتقدم السودان في صياغة جديدة:

من حيث إمكاناتُه الاقتصادية، وما تحمله من فرص مغرية للمستثمرين يجري عرضها وتوفير قواعد بيانات يستطيع هؤلاء أن يتعرفوا من خلالها على مجالات الاستثمار الواعدة؛ فإن تهيئة المناخ للاستثمار وجذب رؤوس الأموال من شأنه أن يُحدث نوعاً من التوازن الداخلي حفاظاً على المنافع الاقتصادية.

ومن حيث واقعُه الديني: فإن ما يُجهَل من حال المسلمين في السودان أكثر مما يُعلَم. وأبسط وسائل تحفيز الرأي العام على الاهتمام بقضية مَّا، هو إيجاد القواسم المشتركة مع هذه القضية وتعميقها. والإطلاع على الواقع الديني في السودان بجوانبه الإيجابية والسلبية من شأنه أن يُحدث تطوراً في التعاطف العربي مع قضايا الشعب السوداني وأزماته ويفسح المجال أمام المنظمات الدعوية والخيرية للمارسة دور أكبر في هذا المجتمع.

ومن حيث واقعُه السياسي: من خلال كشف الجانب التآمري على السودان من قوى دولية تمتلك قدرات استخباراتية على اختراق هذا البلد والتلاعب بمكوناته السياسية والاجتماعية، من خلال أبحاث معمقة وتوثيق دقيق ينطلق من أرض الواقع وليس نقلاً عن الصحف الأجنبية والأبحاث المترجمة.

إن نظرية «الفوضى الخلاَّقة» وتفكيك العالم العربي لم تَمُت بذهاب إدارة جورج بوش؛ فلا يزال مشروع «الشرق الأوسط الجديد» مقبولاً من إدارة باراك أوباما، وتوجد شواهد كثيرة على أن المشروع قيد التنفيذ منذ وقت طويل، منها إصرار الصهاينة على إقرار «يهودية» دولتهم في سياق تفكيك دول المنطقة إلى مكوناتها الدينية والعرقية.

 يذكر الباحث مايكل شوسودفيسكي في موقع غلوبال ريسرش أن «خريطة الشرق الأوسط الجديد - على الرغم من أنها ليست رسمية -  قد جرى استخدامها من قِبَل أكاديمية الحرب الأمريكية، وطُبِعت في مجلة القوات المسلحة الأمريكية ( يونيو 2006م)، في هذه الخريطة جرى تمزيق الدول القومية الحالية وإعادة رسم حدودها الدولية بشكل عرقي أو مذهبي... واستُخدِمت هذه الخريطة في برنامج تدريب كبار الضباط في كلية الدفاع في حلف شمال الأطلسي»[1].

لا مبالغة في قولنا: إن انفصال الجنوب السوداني أخطر في دلالاته وتداعياته من الحرب الصهيونية على غزة عام 2009م، ولكن شتان بين تغطية وسائل الإعلام العربية في الحالتين؛ فقد جاءت تغطية الانفصال بحيادية تعرض الأحداث وكأنها صراع بين طرفين يقع كليهمـا خارج نطـاق التحيُّز العربي، بينمـا الانفصال - حقيقة - خطوة كارثية ستنشأ في إثرها مضاعفات خطيرة، لعل أقربَها تكوُّن حزام من الدول التي يحكمها النصارى شرق وجنوب وغرب السودان لتَحُول بينها وبين الامتداد الإسلامي في وسط القارة، وهي دول: إريتريا (أغلبية مسلمة تخضع لحكم نصراني)، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وإفريقيا الوسطى.

فهل يتدارك العرب خسارتهم في السودان، أم يكتفون بمرثية الثيران الملونة؟

 


 

[1] مايكل شوسودوفيسكي، تقرير: تصوير المسلمين كشياطين والمعركة من أجل النفط، موقع غلوبال ريسرش: 7/1/2007م.