مقدمة:

يتميز السودان بموقعه الجغرافي متوسطاً القارة الإفريقية، ويمثل بذلك مَعْبَراً للحضارات والثقافات شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً. وساعد السودان بهويته العربية الإفريقية الإسلامية على أن يكون جسراً للثقافة الإسلامية - تحديداً - إلى قلب القارة الإفريقية ومشرقها وغربها، وحقق رباطاً من التواصل الاجتماعي والثقافي بين إفريقيا والدول العربية شمالاً وشرقاً، وقد انتبهت دول الاستعمار قديماً لهذا الموقع الفريد؛ فقامت الإدارة البريطانية بقفل مناطق جنوب السودان عن شماله بما عرف بـ (قانون المناطق المقفلة)، وحرَّمت حركة مواطني الشمال إلى الجنوب، ومواطني الجنوب إلى الشمال؛ لتضع حاجزاً للتواصل الثقافي الاجتماعي بينهما بذلك القانون، ثم أوقفت إنشاء الطرق بين جنوب أوغندا وشمالها الذي وصلته رسالة الإسلام واعتنقها جزء من مواطنيه؛ لتحقيق منع انتقال هذه الحضارة جنوباً. ولم يغبْ هذا الهدف عن إستراتيجية محاربة الإسلام في إفريقيا؛ فوضعت السياسات والخطط لتحقيقه مستقبلاً؛ فما شهدناه من أحداث عدم الاستقرار في السودان منذ استقلاله توِّج بانفصال جنوب السودان عن شماله في الاستفتاء الذي عقد في التاسع من يناير 2011م.

ومما لا شك فيه أن هذه الإستراتيجية لن تنتهي بانفصال جنوب السودان عن شماله، بل ستستمر تحقيقاً لكل أهداف الإستراتيجية التي سنتعرض لها في ما بعد؛ وذلك لوضع نهاية للثقافة الإسلامية كما يتصورون في إفريقيا وغيرها من بلاد الإسلام؛ إذ إن كل التحديات التي تواجه السودان لا بد أنها مؤثرة في محيطه الإقليمي والعربي والإسلامي.

وقد أثبتت الدراسات وما تنشره وسائل الإعلام الغربية والصهيونية ارتباط أهداف تلك الإستراتيجية بغاية واضحة، هي: إنهاء الوجود والمظهر الإسلامي في إفريقيا ممثلاً في السودان: إمَّا بتغيير هويته العربية الإسلامية إلى (الأفريقانية المسيحية)، أو بتقسيم هذا البلد إلى عدة دويلات وخلق حالة من عدم الاستقرار تمنعه من بناء دولة قوية تستطيع نشر ثقافتها وحضارتها إلى ما حولها من دول، ويدخل هذا في ظل مخططات ومشاريع تقسيم وتجزئة الدول الإسلامية في ما يُعرَف بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.

محاولات انفصال جنوب السودان عبر التاريخ:

بدأ تاريخ السودان بإنشاء ممالك متفرقة لم تأخذ شكل الدولة القطرية إلا بدخول الاستعمار التركي المصري، الذي تلته الثورة المهدية لتوحِّد السودان وتضم إليه أجزاء من جنوب السودان الحالي، ثم جاء الاستعمار الإنجليزي المصري عام 1898م حتى نال السودان استقلاله في يناير 1956م بحدوده الحالية.

اندلع النزاع بين شمال السودان وجنوبه في أغسطس من عام 1955م؛ أي قبل نيل السودان لاستقلاله الرسمي من المستعمر، واستمر حتى عام 1973م؛ حيث تم توقيع اتفاقية سلام في أديس أبابا بين حكومة الرئيس جعفر النميري وحركة متمردي جنوب السودان بقيادة (جوزيف لاقو)، ونَعُمت المنطقة بهدوء الأحوال ووقف الاقتتال حتى اندلع التمرد مرة أخرى في عام 1983م، واستمر حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بكينيا بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان بقيادة (جون قرنق).

الأهمية الإستراتيجية:

يحتل السودان موقعه على الخريطة السياسية للقارة الإفريقية بين خطي العرض ( 4 و 22 درجة) شمالاً، وخطي الطول (22 و 25 درجة) شرقاً، بمساحة قدرها مليون ميل مربع؛ ممثِّلاً بذلك أكبر دولة في إفريقيا، والدولة العاشرة من حيث المساحةُ في العالم، وله حدود مع تسع دول إفريقية وشاطئ على ساحل البحر الأحمر الغربي بطول أكثر من 700 كم، والسودان بموقعه هذا يمثل رابطاً بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها، ويصل غربها بشرقها، وانتشرت على أرضه الحضارات الإفريقية والعربية والأديان السماوية.

تحتوي أرض السودان على كثير من الموارد الطبيعية المتنوعة والمساحات الزراعية الواسعة (أكثر من 200 مليون فدان)، إضافة إلى توفُّر المياه (أنهار، أمطار، مياه الجوفية)، وأكثر من 120 مليون رأس من الماشية.

ويمثل موقع السودان أهمية إستراتيجية باعتباره عمقاً إستراتيجياً للأمة العربية الإسلامية عامة، ولجمهورية مصر بصفة خاصة، وهو - كما ذكرنا - الجزء الذي تعبر عليه الثقافات والحضارات بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، كما أن هذا الوضع يمثل أهمية قصوى للدول الكبرى خاصة أمريكا وأوروبا التي تسعى لإيجاد موطئ قدم لها للوصول إلى الموارد الإفريقية الطبيعية والبشرية، وللتأثير على الأوضاع السياسية في الإقليم، وللحدِّ من نشر الثقافة الإسلامية في القارة الإفريقية أو أي أفكار إيديولوجية أخرى لا تتماشى مع فكرها، كما أن ساحل البحر الأحمر يجعله محط أنظار القوات البحرية الدولية؛ لتجنيده أو السيطرة عليه للسيطرة على الممرات البحرية والقرن الإفريقي وضمان حرية البوارج البحرية.

هذا الموقع الإستراتيجي أوقع السودان في دائرة اهتمام الدول العظمى وإسرائيل أو الصهيونية العالمية منذ قديم الزمان؛ باعتبار أن القارة الإفريقية ككل محط لأنظارهم. غير أن للسودان وضعه الخاص في دائرة الاهتمام؛ فقد استهدفت إسرائيل إفريقيا منذ نشأة الكيان الصهيوني موقعاً بديلاً للوطن المزمع إنشاؤه في حالة تهديد المقترح الأول (فلسطين)، فكانت البدائل الإفريقية هي إثيوبيا وشمال أوغندا والسودان مقتَرحاً أوَّلياً، ثم نيجيريا بديلاً ثانياً، وجنوب إفريقيا بديلاً ثالثاً، ليشكل هذا المثلث قاعدة لاحتواء وإيقاف المد الإسلامي تمهيداً للقضاء عليه.

ركزت الدراسات التي شملت الأهداف الإسرائيلية في إفريقيا على وجود بيئة محيطة ببيئة الكيان الصهيوني لتضـمن هـذا الــوجـود وتدعمــه، بالإضـافة لكـونه مَعِينـاً لا ينضب؛ لما تميزت به القارة الإفريقية من موقع إستراتيجي وثروات غير محدودة. وبالفعل أتاحت البيئة الإفريقية لإسرائيل كسر حاجز العزلة العربية والطوق الذي فُرِض عليها سياسياً واقتصادياً، فنفذت إلى إفريقيا للحصول على تأييد دولي أكبر، إضافة إلى تهديد مصادر المياه العربية في إفريقيا للتأثير على الأمن المائي العربي؛ خاصة مياه النيل، وكذلك السيطرة على الملاحة في البحر الأحمر.

ودخلت قضية السيطرة على اقتصاديات الدول العربية عبر هذا الهدف لعرقلة نموِّها، إضافة لخلق تيارات مناهضة للعرب ومؤيدة لإسرائيل في إفريقيا؛ إذ شكَّلت إفريقيا سوقاً لصادرات إسرائيل الصناعية، ومورداً هاماً للخامات المعدنية وتصدير الطاقات الصناعية الفائضة لديها، ولتحقيق ذلك كان لا بد من كسب الكيان الغربي في أوروبا وأمريكا لضمان الدعم والتمويل ومواجهة التكتل الشيوعي في إفريقيا مما ساعد على ذلك قِصَر النظر العربي في الأهداف الإسرائيلية؛ إذ تركز المعتقَد في اهتمام إسرائيل بمنطقة الشرق الأوسط فقط؛ فقصَّر الاهتمام العربي الإسلامي بإفريقيا؛ وهو ما أتاح لإسرائيل فرصة التمدد فيها وتطويق الأمن العربي والتأثير على العلاقات الإفريقية العربية وعرقلة المد الإسلامي.

أشارت دراسات كثير إلى أن ما يقارب 15 - 17 % من سكان إسرائيل قدموا من إفريقيا في فترة ما بين عامي 1948م – 1967م، وأن الاستعمار الغربي لإفريقيا قد مهد لإسرائيل ومكَّنها من التغلغل إلى تلك المستعمرات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن التبشير بمشروعها والسيطرة على مقدرات تلك البلاد بعد نيلها الاستقلال.

فالاهتمام الإسرائيلي بإفريقيا كانت له خلفيات كثيرة وقديمة، أهمها ما ارتبط بالأمن القومي الإسرائيلي والهيمنة عليها؛ حيث أشار (ناحوم غولدمان) في كتابه (إسرائيل إلى أين؟) إلى أن اهتمام المفكرين الإسرائيليين والمؤسسين لتلك الدولة لم يقتصر على إنشاء وطن يضم اليهود فقط، بل استخدام هذه الرقعة من الأرض لتطبيق الأفكار الأساسية في التاريخ اليهودي، وذكر أن دولة إسرائيل لا يمكن أن تبقى إلا إذا شكلت ظاهرة (فريدة) لا مثيل لها في الوجود.

ويؤكد الدكتور علي مزروعي «أن مؤسس الصهيونية واصل التفكير في إفريقيا على أنها امتداد لإسرائيل أكثر من كونها وطناً لليهود، ولما كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معاً في مناطق يستطيعون فلاحتها بأنفسهم ويسمونها وطناً مشتركاً فقد اعتبرت فلسطين مكاناً غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معاً بهذه الطريقة، ولذلك فإن (هرتزل) رأى أن شرق إفريقيا يعتبر مكاناً مناسباً للموجة الثانية من الاسـتعمار اليهـودي لا الموجة الأولى»، هكذا تظهر فكرة اهتمام إسرائيل بإفريقيا والوجود المكثف فيها.

أسباب اهتمام اليهود بإفريقيا:

أولاً: الموقع الإستراتيجي: حيث إن إفريقيا تطل على البحر الأحمر والأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبها تقع أهم ثلاثة مضايق تؤثر على حركة التجارة العالمية، وقد ظهرت بالنسبة لها أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بعد السيطرة البحرية المصرية واليمنية عليه في حرب عام 1973م.

ثانياً: الحد من الوجود العربي والإسلامي في إفريقيا ومحاصرة المصالح المشتركة بين الدول العربية جنوب الصحراء وشمالها والوصول إلى منابع النيل.

ثالثاً: وجود جاليات كبيرة من اليهود في عدد من الدول الإفريقية، مثل: جنوب إفريقيا، وإثيوبيا، وزيمبابوي، وكينيا والكنغو الديمقراطية. وقد قالت (غولدا مائير) عن أهمية وجود الجاليات اليهودية: «إن على إسرائيل في مواجهتها للدول العربية داخل حدودها وعلى المسرح الدولي أن تبذل جهوداً فائقة لاكتشاف مسالك جديدة تمكِّنها من اختراق الحصار المفروض عليها وأن تذكر أن لها حليفاً مخلصاً وأخوياً في يهود العالم».

رابعاً: ربط الوجود اليهودي في إفريقيا بأرض المعياد عبر الزيارات والتبرعات المالية مقدمة لمجيئهم إلى إسرائيل: وقد عبَّر (ليفي شكوك) عن زيارة اليهود للدولة العبرية قائلاً: «نعمل معهم ليعود كل واحد منهم حاملاً معه شيئاً من روح إسرائيل وصدى منجزاتها وبهجة كلامها».

من خلال الأهداف الإسرائيلية في إفريقيا وَضَحَت ضرورة دعم الدول الغربية في أوروبا وأمريكا للنشاط اليهودي لتحقيق تلك الأهداف، ومن المعلوم أن السيطرة اليهودية على أوروبا نفسها نبعت في الفكر اليهودي أصلاً لتحقيق الأحلام والأهداف اليهودية في إيجاد الوطن والتمدد عبر العالم؛ لإحكام السيطرة، وتحقيق أهداف الأمن القومي الإسرائيلي؛ لذلك شكلت مساهمات مختلف الدول الغربية دعماً للوجود الإسرائيلي في إفريقيا؛ حيث شجعت الدول التي استعمرت إفريقيا - مثل فرنسا وبريطانيا والبرتغال - هذا الوجود، وهيأت القارة لقبول إسرائيل والسماح لها بفتح قنصليات في مدن إفريقية قبل الاستقلال، وتمكينها من حرية الحركة من تلك الدول وإليها، إضافة إلى تسهيلات مُنحَت لإسرائيل لخدمة مصالحها. واستغلت الدولة الإسرائيلية نفوذ الدول الاستعمارية القديم والحديث لدعم علاقتها مع دول إفريقيا، وهو ما يؤكده قرار السوق الأوروبية المشتركة بأن تكون إسرائيل مقراً لتدريب المبعوثين القادمين من الدول الإفريقية، وسعت الولايات المتحدة لإدخالها في إفريقيا عبر وكالات الأمم المتحدة المتخصصة.

أيضاً برز الارتباط الأيديولوجي بين الصهيونية وحركة الجماعة الإفريقية والزنجية من خلال التعامل بخصوصية مع جماعات إفريقية بعينها؛ تدعيماً لاستمرارها في السلطة إن كانت حاكمة، أو توسيعاً لدورها في نشر حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض دول إفريقيا، كما في حالة السودان. ويرى الباحثون أن هذه الخصوصية تنطلق من عدة أوجه، منها زعم تعرُّض كلٍّ من اليهود والأفارقة لاضطهاد مشترك؛ فكلاهما ضحايا للاضطهاد والتميز العنصري، وأن الشعب الإفريقي عانى من المآسي مثل ما عانى اليهود، وأن الشعبين اعتُبِرا من الأجناس المنحطة عبر تاريخ المدنية الغربية.

لقد توحَّدت الروابط الإفريقية الإسرائيلية وقويت بشكل أعمق في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وهو ما يفسر تعزيز المخطط الإسرائيلي في إفريقيا على حساب السلامة الإقليمية لبعض الدول الإفريقية مثل السودان ونيجيريا من جهة. كما عملت على تكريس التفرقة العنصرية ضد بعض الشعوب الإفريقية من جهة أخرى.

وتخدم العلاقات أو الوجـود الإسرائيلي في إفريقيا المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية، بل الإستراتيجية الغربية كلها؛ حيث إن أصل وجود دولة إسرائيل بُنِي على أساس حماية المصالح الغربية والدفاع عنها؛ لذا شكَّل الدعم الغربي أساساً في النشاط الإسرائيلي؛ تحقيقاً لتلك المصالح المتقاطعة والمشتركة، فأصبح من الطبيعي توجه إسرائيل إلى إفريقيا لتحل محل الاستعمار الغربي.

كما أن موقع السودان الفريد في القارة الإفريقية لا بد أن يجعله موضع اهتمام الفكر الإسرائيلي الصهيوني الغربي، وأن تشمَله تلك المخططات التي تهدف إلى تمزيقه أو تحويله إلى دولة إفريقية زنجية، وتنهي ارتباطه بالدول العربية ،وتقضي على الإسلام فيه، وتمنع عبورَه إلى الدول الإفريقية المجاورة كما حدث في السابق؛ حيث خوطب (اللورد كرومر) حاكـم عام السـودان في العهـد البريطاني من قِبَل (هرتزل) و (حاييم وايزمان) لإقامة وطن قومي لليهود في السودان في عام 1903م، وهو ما يعد مؤشراً لهذا الاهتمام منذ القِدَم به وبإفريقيا. ومن هنا ظهر اهتمام إسرائيل بالجاليات اليهودية ودورها في قيام الوطن القومي واليهود الإشكناز في شمال إفريقيا وشرقها، واليهود السفارديم في الشمال الإفريقي، ونجد أن اليهود الفلاشا قد جرى ترحيلهم من إثيوبيا عبر السودان، وقد لعبت الجاليات اليهودية دوراً كبيراً في تنفيذ الأهداف الإسرائيلية من حيث الدعمُ المادي منذ قيام المؤتمر الأول في (بازل) عام 1897م، ومثلت مركزاً للإمداد بالمعلومات عن القارة الإفريقية التي تعتبر بعض مناطقها مناطق اهتمام يهودي: كمنابع النيل في منطقة البحيرات والهضبة الإثيوبية ومجرى نهر النيل.

اتخذت إسرائيل عدة آليات للتدخل في إفريقيا منها المدخل الأيديولوجي؛ باعتبار مرور الشعبين بظروف الاضطهاد العنصري نفسها، فأوهمت الأفارقة بأنها تقوم بحماية كل الشعوب التي مرت بمثل تلك الظروف، ثم مدخل المجتمع المدني والتنمية؛ فأشاعت أنها تقوم بدعم المجتمع المدني والديمقراطية في إفريقيا، واتخذته مدخلاً للنفاذ داخل نسيج المجتمعات المدنية الإفريقية، بالإضافة لتحرُّكها في مكافحة الأمراض الوبائية المستوطِنة في القارة عبر إقامة مراكز طبية في بعض البلدان الإفريقية.

أيضاً تدخَّلت إسرائيل في إفريقيا عبر اكتساب مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية في مجال التعاون العسكري، أو ما يُعرَف بالمدخل الأمني؛ خاصة في مجال الاستخبارات والتدريب العسكري، تمثَّل ذلك في شكل شركات أمنية تتبنَّى تدريب عناصر ومليشيات غالبها قَبَلي لإشعال الصراع داخل الأقطار الإفريقية؛ لإسقاط بعض الأنظمة أو لدعم بعضها، ولإحكام السيطرة السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، كما تقوم بتوسيع دور حركات المعارضة في الدول غير الموالية لإسرائيل؛ لنشر حالة من عدم الاستقرار السياسي، والتعامل مع الأشخاص أو ذوي النفوذ الذين يُتوقَّع لهم مستقبل سياسي في بلدانهم.

وضعت إسرائيل إستراتيجية مُحْكَمة لمواجهة الدول العربية والإسلامية والحد من المد الإسلامي في إفريقيا التي يشكل المسلمون نصف سكانها عن طريق الدعاية والإعلام، بتصويرهم غزاة في أذهان الأفارقة وتجَّاراً للرقيق، وأقامت تحالفاً مع اليمين المسيحي لمواجهتهم بالتعاون مع المنظمات الكنسية والوكالات اليهودية، وظهر أثر هذا في السودان في شكل ضغوط عالمية بشأن قضيتَي دارفور والجنوب سابقاً.

كما ساعدت اتفاقية (كامب ديفيد) وإقامة مصر وبعض الدول العربية علاقات مع إسرائيل وتطبيعها وتبادل السفراء معها، ساعد ذلك إسرائيل وشجعها على أن تقدم نفسها لإفريقيا، وعلى أن تقيم علاقات مع الأفارقة الذين ساعدوا العرب سابقاً ودعموهم في حربهم ضدها بقطع العلاقات معها بعد احتلال سيناء، باعتبار أنه ليس هناك مبرر لقطع العلاقات معها بعد اتفاقية (كامب ديفيد).

وبذلك تمكَّنت إسرائيل من بناء علاقات مع دول الجوار السوداني. فتمثلت علاقتها مع إثيوبيا - مثلاً - بمدِّها بخبراء ومستشارين في المجال العسكري والأمني والزراعي، ومساعدتها في بناء السدود على النيل الأزرق. ثم الوجود الإسرائيلي في جيبوتي في القاعدة الفرنسية منذ سبعينيات القرن الماضي، والقاعدة الأمريكية التي أنشئت مؤخراً لمراقبة الدول العربية المطلة على البحر الأحمر. أما في منطقة البحيرات فقد كثفت إسرائيل وجودها في أوغندا؛ حيث أصبحت العلاقة بينهما علاقة إستراتيجية في كل المجالات. كما بَنَت إسرائيل علاقات مع النخب الحاكمة في كينيا ونَفَذَت من خلالهم إلى مواقع صنع القرار. ولإسرائيل وجود مكثف في الكنغو الديمقراطية عبر الوجود الفرنسي.

وبذلك أصبحت إسرائيل تحاصر السودان عبر دول الجوار أو المحيط الإقليمي لجنوب السودان، ثم توَّجت هذا بالدخول إلى الجنوب السوداني قبل الاستفتاء من خلال التجارة والمستشارين، وهو الذي سيزداد في حالة الانفصال عن الشمال ليصبح مهدِّداً للأمن القومي السوداني، وأمن مصر المائي ثم أمنها القومي، ويظهر تهديد الأمن القومي السـوداني حاليـاً في تأليب هذه الدول ضد السودان، وهو ما أدى ببعض هذه الدول لقطع علاقاتها مع السودان.

وسابقاً قامت إثيوبيا وإرتريا بدعم جماعات المعارضة السودانية (التجمع الوطني) عام 1995م، وقامت أوغندا بالدعم اللوجستي والعسكري للحركة الشعبية ضد حكومة السودان. وتشكَّل محور (إرتريا، إثيوبيا، أوغندا) ضد السودان بدعم (أمريكي - إسرائيلي) من أجل تنفيذ سياسة الاحتواء الأمريكية لإسقاط حكومة الإنقاذ في السودان، وتوترت العلاقات السودانية التشادية بتأليب (أمريكي - إسرائيلي) وقامـت بدعم المعارضة السودانية ممثَّلة في الحركات المسلحة بدارفور.

بقيام التمرد في عام 1983م بقيادة (جون قرنق) وفَّرت إسرائيل الخبراء في مجال التدريب العسكري للحركة الشعبية وأمدَّتهم بالسلاح عبر دول الجوار، إضافة للمِنَح الجامعية للعناصر الشعبية، واستمر ذلك حتى توقيع اتفاقية نيفاشا في عام 2005م.

من خلال ما ظهر من الدور الإسرائيلي في القارة الإفريقية عامة وفي السودان خاصة في السابق، فإن قيام الدولة الجديدة في جنوب السودان بعد الاستفتاء سيؤدي إلى استمرار الدور الإسرائيلي؛ تنفيذاً للأهداف الصهيونية والأمريكية، وستقوم بتنفيذ سياسة شد الأطراف لإنهاك المركز ثم القضاء عليه، وهو ما يؤدي إلى تقسيم السودان إلى دويلات كما هو مخطط أمريكياً بعد فشل تحويل السودان إلى دولة إفريقية زنجية مسيحية بقيادة جنوبية بموت (جون قرنق)، وفشل مخطط السودان الجديد، وبذلك تضمن أمريكا الصهيونية تحقيق أهدافها في إيقاف المد الإسلامي إفريقياً، والقضاء على الحكومة الإسلامية في الخرطوم، واستمرار حالة عدم الاستقرار في السودان، والمحافظة على الموارد الطبيعية؛ وخاصة البترول والمعادن دون استغلال حتى يحين قطافها أمريكياً.

مآلات الانفصال على شمال السودان:

سينتج عن الانفصال دولة ضعيفة واهية إدارياً، لا تتفق قاعدتها ولا قيادتها على أهداف ومصالح عامة، وستعاني هذه الدولة من ضعف الموقف الاقتصادي على الرغم من وجود المورد الوحيد - وهو البترول - الذي: إما أن يعبر خطوط أنابيب الشمال كما هو حادث الآن إلى موانئه ثم الأسواق العالمية، وستدفع مقابل ذلك جلَّ عائدها لحكومة الشمال، وإما أن تضطر إلى إنشاء أنابيب لها عبر كينيا إلى الأسواق العالمية، وتشير الدراسات إلى أن التكلفة ستكون عالية جداً تستهلك جزءاً كبيراً من عائد البترول مقارنة بالتصدير لو جرى عبر موانئ السودان الشمالي، إضافة إلى أن عمر الفترة المتبقية لبترول الجنوب قد لا تتعدى عشرة أعوام كما تتناول ذلك الأجهزة الإعلامية.

ولا شك أن هذه المعلومات لا تغيب عن أذهان قادة المنطقة الجنوبية الذين ينادون بالانفصال، والواقع يقول: إن جُلَّ الجنوبيين لا يرغبون في حرب جديدة بعد الحصول على كلِّ ما أرادوه من إعلان تمرُّدهم على حكومة الشمال، وقد آن أوان قطف الثمار؛ فلا ضرورة ولا رغبة في الدخول في حرب جديدة تمزق الممزَّق وتذهب بكل نتائج النضال السابقة، ولكن تبقى السياسة العالمية وتحكُّمها في مصير من يكون في معيَّتها؛ فعليهم دفع فاتورة باهظة الثمن مقابل ما نالوه من دعم في السابق، وسيضطرون إلى دخول حرب مفروضة عليهم استجابة للرغبة الأمريكية الصهيونية التي لن تدعم بأكثر مما هو مطلوب من تنفيذ حرب لا تحسم الصراع، ومن تحقيق الانفصال لإقامة القواعد الأمريكية في الجنوب. وهذا حال الأمريكي في معظم المواقع التي تشهد قيام القواعد العسكرية؛ حيث لا تنمية، ولا نهضة، ولا اهتمام بأهل البلد، بل سيطرة وتحقيق للمآرب الأمريكية والصهيونية.

أما بالنسبة للشمال الذي لا يرغب في دخول حرب جديدة بعد التنازل الكبير في اتفاقية السلام (نيفاشا) ثمناً لإيقاف الحرب، فليس الحال هنا بأحسن منه في الجنوب؛ حيث سيضطر إلى الدفاع عن نفسه بعد تحرش جيش الحركة الشعبية في بؤر الصراع التي تولدت عن (نيفاشا)، متمثلة في عدم ترسيم الحدود أو الاتفاق عليه، والصراع على مناطق (أبيي)، وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق من خلال المشورة الشعبية التي جاءت في الاتفاقية، ولم يتم الاتفاق أو وضع التفاصيل التي تزيل غموض مفهومها إلى غير ذلك من نقاط الخلاف والنزاع؛ وبناءً عليه ستضطر حكومة الشمال إلى الدفاع عن سيادتها ومقدَّراتها ضد العدوان الجديد، ولكن في ظروف اقتصادية متردية؛ لعدم وجود تهيئة لحرب جديدة منذ إيقاف إطلاق النار عام 2003م.

وبذلك ستنشب الحرب كما هو مخطط لها؛ لا لتحسم الصراع أو تحقق أهداف أيٍّ من الطرفين المتنازعين، ولكن لإيجاد (فوضى خلاَّقة)، وخلق حالة عدم الاستقرار وإيقاف التنمية، وتحقيق الهدف الأمريكي المعلن أمريكياً المخفي صهيونياً، وتكتمل بذلك الدائرة المحُرِقة ليبدأ عندها دعم الحركات المسلحة في دارفور، وتزداد حدة الصراع، لتستنزف مزيداً من موارد الشمال، وتزداد حدَّة الجذب والشد من الأطراف. وقد تتفاقم حدة الصراع في مناطق جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق كما هو مخطط لها لاكتمال الدائرة الجهنمية. وستبقى مشكلة دارفور تراوح مكانها لتأجيج الصراع بدعم الحركات المسلحة كما تشير الأخبار حالياً، ويؤدي كل ذلك إلى عدم الاستقرار وتوقف التنمية، وعدم القدرة على التصدي للعدوان؛ وذلك على خلفية عدم إنشاء قوات مسلحة برؤية جديدة وأهداف مقنِعة وعقيدة قتالية بنَّاءة؛ بسبب ضعف المورد المادي الاقتصادي، وبسبب طول المواجهة المطلوب حمايتها؛ إذ ستمثل حدود الدولة الجديد أطول حدود مع أيٍّ من الجارات القديمات، كما ستطول خطوط الإمداد وستزداد المعارضة الداخلية شططاً على شططها مما يصعِّب الوحدة والتماسك الداخلي، وهو مطلوب جداً في هذه الحالة.

مآلات الانفصال على الوضع الإقليمي وتأثيره على السودان:

ستسعى الدولة الجديدة بدعم (أوروبي - أمريكي - صهيوني) لكسب ودِّ البلاد والأقطار الإفريقية المجاورة للسودان للتأثير على الوضع في السودان، وذلك كالتالي:

أولاً: توثيق العلاقات مع تشاد وإفريقيا الوسطى من خلال فرنسا وبدعم منها؛ لزيادة عزلة السودان واستمرار دعم الحركات المسلحة في دارفور التي تأثَّر نشاطها كثيراً بتحسين العلاقات مع تشاد وإفريقيا الوسطى، وإعادة العلاقات إلى مربع الصدام الذي توقف في الآونة الأخيرة مع تشاد.

ثانياً: تجميع حركات دارفور في تشاد وأراضي الدولة الجديدة لتوسيع جبهة القتال بالنسبة للقوات المسلحة السودانية، وخلق منطقة عازلة في جنوب دارفور مما يحقق لهم السيطرة على المناطق المتنازَع عليها في حفرة النحاس وغيرها، ومناطق المعادن الهامة كـ (اليورانيوم)، والبترول في دارفور.

ثالثاً: تقوية العلاقات الأزلية مع أوغندا وكينيا والكنغو الديمقراطية لتأمين الحدود الجنوبية وإيجاد عمق دفاعي، وفتح الاختناق وإيجاد منفذ إلى البحر عبر كينيا للاستغناء عن خط أنابيب البترول عبر شمال السودان، والتخلص من بطاقة الضغوط السودانية عبر الحاجة لميناء بورتسودان.

رابعاً: التأثير على العلاقات مع إثيوبيا على خلفية العلاقات القديمة بينها وبين الحركة الشعبية؛ خاصة عند توقُّف ضخ البترول وانتفاء المصالح الاقتصادية بين شمال السودان وإثيوبيا التي يمثل البترول عصبها وتشير الأخبار إلى بدء إنشاء خط حديدي بين إثيوبيا وجنوب السودان، وقد يجدد ذلك أطماع الإثيوبيين في الأراضي الزراعية السودانية المجاورة لها (مناطق الفشقة) التي تبخر أملها فيها لقوة العلاقات بينهما مؤخراً.

خامساً: العلاقات (الإرترية - الإسرائيلية) قديمة جداً ويمكن تجديدها؛ وخاصة أن العلاقات بين إرتريا وحكومة الشمال متذبذبة وغير ثابتة على ضوء عداء القيادة الإرترية للمد الإسلامي وتوجُّه الحكومة في السودان، وهو ما سيصُب في خانة دعم الدولة الجديدة في الجنوب ويزيد الخناق والضغط والعزلة الدولية على الشمال.

سادساً: من المعلوم تاريخياً دعم حكومة القذافي لمتمردي الجنوب منذ القِدَم، وكان لذلك أثره في نشاطها بفاعلية. إضافة إلى توجُّه العقيد القذافي بالانتماء إفريقياً والبعد عن المنطقة العربية التي فشل في زعامتها، وتنازُلِ القذافي في الآونة الأخيرة واستجابتِه للضغط الأمريكي بعد أن كان يتزعم قِطاع المواجهة للسياسات الأمريكية، كل ذلك قد يدعم الدولة الجديدة في ظل دعم القذافي للحركات المسلحة في دارفور كسباً للعنصر الحاكم في تشاد ومحاربة للعناصر المناوئة للسياسات الليبية في تشاد وطمعه في إقليم أوزو التشادي.

سابعاً: من المعلوم والمؤسف إستراتيجياً أن السياسات المصرية تُبْنى على المصلحة الآنية (بعد اتفاقية كامب ديفيد)، ويتمثل ذلك في الدعم الأمريكي لمصر وخضوعها للرؤية الأمريكية الخاضعة بدورها للمصالح الإسرائيلية، إضافة إلى تهديد مصر والتلويح لها بتعديل اتفاقية مياه النيل الذي يمثل عصب حياتها، وإضافة إلى توجُّسها الإيديولوجي من توجُّه النظام في الخرطوم. كل ذلك قد يصب في مصلحة الدولة الجديدة في ظل العلاقات المصرية المتنامية مع أوغندا وخَطْبِ ودِّ الجنوبيين بتجاوز الشمال.

ثامناً: بقية دول الإقليم في المنطقة الإفريقية: من المؤكد أنها ستتفق مع الدولة الجديدة لاشتراك الرؤى واستجابة للإعلام الغربي والصهيوني الذي أظهر السودان بمظهر الدولة الأصولية المتطرفة التي تسعى لغرض هيمنتها على الأفارقة والقضاء عليهم ونشر الإسلام الذي يرفضونه.

تاسعاً: أما الدول العربية والإسلامية في المنطقة: فقد تستمر في سياسات المهادنة للرغبات الأمريكية في المنطقة (عدا بعضها)، وقد تُمكِّن من تمرير كل السياسات الغربية عبر المنظمات الدولية، ويتحقق بذلك سحق السودان في نهاية الصراع بعد تدويله وتقطيعه أشلاءً وتمزيقه شر ممزق، لا قدَّر الله.

المخرَج من الأزمة:

أخيراً: في مواجهة ذلك لا بد من إيجاد الحلول لتفادي كل النتائج القاتمة الناتجة عن خلق دولة في جنوب السودان، ويظهر من القراءة الأولية للأمر أن الحل الناجح لمشاكل السودان الأزلية كالتالي:

1 - قبل كل شيء لا بد لأهل الشمال السوداني المسلم من العودة إلى الله عودة حقيقة، وإعداد ما استطاعوا من قوة والتوكل على الله؛ لإيجاد المخرج من هذا الموقف المعقَّد القاتم، مصداقاً لقوله - تعالى -: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ٢  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٢ - ٣].

2 - توحيد الجبهة الداخلية وتفعيلها، وتغيير الواقع السوداني الحزبي في السودان، وظهور قيادات حزبية تؤمن بالمصلحة العامة للوطن قبل الحزب والجبهة.

3 - البناء الداخلي للإنسان السوداني وتفعيل برامج التربية الوطنية في مسعى لإيجاد قيادات حقيقية تؤمن بوطنها ومصالحه، ثم تعمل على تأمينه وتنميته وتطويره.

4 - الاهتمام بالبِنية التحتية للدولة وتطويرها، والتوزيع العادل للثروة والسلطة وتنمية أقاليم السودان المختلفة وَفْق المصلحة العامة.

5 - إيجاد سياسة خارجية متوازنة وتحرُّك فاعل في الارتباط بالدول ذات المصالح المشتركة في المجال الاقتصادي أو ذات الأهداف الإستراتيجية المتفق عليها.

 6-التفكير الجاد في عدم مواجهة التخطيط الغربي الصهيوني بردود أفعال آنية؛ بل الانتقال إلى مرحلة إستراتيجيات مسبقة، أو تغير إستراتيجيات الصراع في المنطقة، والاستفادة من المعطيات الواقعية لحال الإقليم وأحوال الدولة الجديدة ومكوناتها وتركيبتها السكانية وعلاقتها الداخلية والخارجية وقدراتها على بناء وتسيير دفة الحكم، أو إدارة الصراع المسلح في ظل عدم قناعة الدولة الجديدة بذلك الصـراع الذي تحـرِّكه عناصر أجنبية وقلة لا تستشعر مصالحة المواطن الجنوبي، وضرورة العمل على كسب ودِّ المواطن الجنوبي العادي أو القيادي الذي يؤمن بمصالح الجنوب ومُواطِنه قبل مصلحته أو مصلحة القوى الدولية التي تحرِّك الصراع وتحدد اتجاهات السياسة في العالم. وهؤلاء يمثِّلون أكثر من ثلثَي مواطني الإقليم الجنوبي، ولهم من الاستعدادات المادية والمعنوية ما يمكنهم من قيادة المنطقة وتوجيه دفة الصراع فيها، وهذا يتطلب الجرأة والثقة بالنفس، والخروج من التقليدية في إدارة الصراع، ولكن ليس على طريقة (نيفاشا).