تمر الجزائر حالياً بواحدة من هبات الشعب التواق لإكمال طريق الاستقلال الذي لم يكتمل، فما زالت فرنسا تمسك بتلابيب الجزائر وتتحكم بها، وكما قيل في المثل خرجت من الباب ودخلت من النافذة، فبعد سنوات من الحرب الضروس التي بذل فيها الشعب الكثير حتى أطلق عليه بلد المليون شهيد تيقنت الطبقة الحاكمة الفرنسية استحالة السيطرة المباشرة على الجزائر، وبالتالي تبنت خطة انسحاب الجيش الفرنسي مع ضمان مصالح فرنسا ونفوذها، وكانت البداية التفاوض مع جيش الحدود الجزائري المرابط في المغرب، وإدخاله وتسليمه السلطة على حساب ثوار الداخل الذين وقعوا في مصيدة الخيار الصعب بين الخضوع للقادمين الجدد أو الدخول في صراع دامٍ داخلي، وتحت غبار كثيف من شعارات التحرر والاستقلال تمت اتفاقية إيفيان التي تضمنت بنوداً سرية لا تزال طي الكتمان حتى الآن بسبب حساسيتها، ولكن المهم أن زخم الاستقلال والتحرر وما صاحبه من عودة للهوية العربية الإسلامية رافقه عودة تدريجية للتيار الفرانكفوني في الجيش والسلطة العليا، وكان الشاذلي بن جديد آخر القادة المنتمين لجيش التحرير الشعبي، وبرز بدلاً منه خالد نزار وكوكبة من الضباط المخلصين لفرنسا، وأصبحت الجزائر تدار من وراء الستار عن طريق مجموعة فرانكفونية تاريخها أيام الاستعمار لا يؤهلها للحكم المباشر، فدائماً يبحثون عن واجهات لها تاريخ مقبول مثل بوضياف الذي استقدم واغتيل بعد أن أراد أن يحكم على الحقيقة، وبعد فترة العشرية السوداء والدخول في مرحلة المصالحة استقدم بوتفليقة من المنفى وتسلم السلطة الظاهرية التي أجاد استخدامها، وكون طبقة طفيلية خاصة به استخدمها أيام قوته ولكنها استغلته في ضعفه وعجزه، وهنا وقعت البلد في براثن مراكز قوى متعددة تتصارع فيما بينها في صراع غير محسوم أجبر الجميع على التمسك برمزية بوتفليقة الذي انتخب للمرة الرابعة وهو عاجز، فتقزمت الجزائر وتحولت من قوة فتية صاعدة إلى كيان خادم للقوى الكبرى والصغرى، وفي خضم الصراع المحتدم الذي يطفو على السطح بمراسيم عزل وإبعاد لشخصيات قيادية واستبدالهم بآخرين كان بوتفليقة هو الحاضر الغائب، فلم يره أحد من الناس مباشرة أو يسمعوا صوته ومع ذلك يدار البلد باسمه، بل ويطرح  للترشح للمرة الخامسة، في مشهد هزلي يدل على أن الطبقة الحاكمة المتشاكسة انشغلت بنفسها وترتيب أوضاعها وضمان مصالحها وانقطعت عن الناس فلم تعد تحس بهمومهم وآمالهم وآدميتهم، والشيء الوحيد الذي بنو عليه تصرفاتهم هو قناعتهم أن ما عاشه الناس في العشرية السوداء كاف ليسكن الخوف قلوبهم وأنهم عاجزون عن التصرف والدليل عدم وجود ردة فعل على التمادي في نهب المال العام وتدمير البنية الصناعية التي كانت مزدهرة، بل وصل بهم الأمر إلى تسليم وزارة التعليم لفرانكفونية متطرفة عملت سابقاً في عدة مناصب أممية تطرح ظلالاً من الشك حول انتمائها، وهو ما يتضح من قراراتها التعسفية الاستفزازية، فمثلاً أصدرت قراراً بمنع الصلاة في المدارس، ولجس النبض تم فصل طالبة لمدة أسبوع لمخالفتها القرار، وأما القرار الثاني فكان توجيهها بمنع وجود البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) في الطبعات الجديدة للمقررات الدراسية. مما سبق يتضح أن إصرار الطبقة الحاكمة على الحكم من خلف بوتفليقة لخمس سنوات قادمة كان القشة التي قصمت ظهر البعير، فما كان الناس ليخرجوا بهذا العدد الهائل وبصورة منظمة في كل أنحاء البلاد إلا بسبب مشاعر غضب متراكم لم يهتم به المتسلطون بل تصرفوا بكل عنجهية، فحبالهم مقطوعة مع الناس مربوطة بالقوى الخارجية التي لا تراهن على الخاسرين، ولذا فهم ذهبوا يمنة ويسرة بحثاً عن الدعم الخارجي فجاءهم الفرج من ماكرون، ولكنه سرعان ما تراجع عن التدخل المباشر المكشوف، ومثله الروس الذين تراجعوا عن الدعم العلني، ولذا نلاحظ تداعي أطراف كثيرة في النظام لتأييد الحراك الشعبي لمحاولة أخيرة لركوب الثورة السلمية والتحكم بها على أمل تكرار نجاحاتهم بعد الاستقلال، وهي مهمة شبه مستحيلة فشعرة معاوية مع الناس التي هي أساس لاستقرار أي نظام لم تكن موجودة ليبنى عليها.

ومع ذلك فإنه برغم انتشار مناخ عدم الثقة بأطراف الحكم والمعارضة المدجنة التي تتسابق لتجد لها مكاناً في القارب الجديد من أجل قيادته أو إغراقه فإن تردد القوى الفاعلة في الحراك في إظهار نفسها حالياً خوفاً من التصفية أو الاحتواء يجعل المستقبل غير واضح، ولكن المؤكد هو أن حقبة بوتفليقة قد ولت إلى غير رجعة، وإلا تعرض هيكل النظام التابع لفرنسا للتصدع، فهل نحن أمام الأمل بالتحرر الحقيقي وبروز الجزائر من جديد؟ أم أمام الخوف من تحول الجزائر إلى ساحة صراع دولي على النفوذ بين أمريكا وروسيا للحلول محل فرنسا المكروهة والمثقلة بالمشاكل الداخلية؟