إن للعمل والإنتاج في الإسلام مكانة عالية رفيعة، بهما يوفر الإنسان حاجاته، ويفرغ طاقته، وتعمر بهما الديار، وتزدهر الأوطان، وبهما ينال العبد الأجر والثواب من الله تعالى، إذ هما امتثال لأمر الله عز وجل في إعمار الأرض وكفاية المؤمن نفسه ومن يعول، فقد أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالسعي والعمل فقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

والعمل هو سنة أنبياء الله جميعاً عليهم الصلاة والسلام، فلم يرض أحد منهم أن يكون عالة يأكل من سعي غيره، بل من كدهم وعملهم يقتاتون، قال صلى الله عليه وسلم : «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ، خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (أخرجه البخاري)، فكان أول الأنبياء آدم يعمل مزارعاً، وكان نوح نجاراً، وإدريس كان خياطاً، ونبي الله موسى كان راعياً للغنم، وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم  كان راعياً للغنم ثم تاجراً بعد ذلك، ولم يستنكف أحد منهم أو يرضى بالبطالة، والعمل يرفع قدر صاحبه، فقدر الناس ما يحسنون، يقول علي رضي الله عنه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّاسَ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ، وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ» (جامع بيان العلم وفضله). وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ فَيُعْجِبُنِي، فَأَقُولُ: هَلْ لَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا لا سَقَطَ مِنْ عَيْنِي» (المجالسة وجواهر العلم).

إن أوطاننا في مرحلة دقيقة من تاريخها تقتضي منا جميعاً أن نعمل مجدين مخلصين للدين والدنيا معاً، نتقرب لربنا ونبني ونعمر بلداننا، كل في ما يحسن، فليجتهد الطبيب والمهندس والفلاح، كما يجتهد العالم والمفسر والفقيه، فالجميع بعملهم الجاد المتقن في طاعة لله عز وجل، ولا ينهض الوطن إلا بالجميع، كيف لا! وقد نزلت أول آيات القرآن موجهة إلى علم الأجنة وأطوار خلق الإنسان، في لفتة دقيقة إلى أن الدين لا يقوم إلا بدنيا، قال تعالى: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4 عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: ١ - ٥]، فإن المسلمين إذا ملكوا الدنيا وعمروها كانوا أقدر على عبادة الله وإنفاذ مراده، قال صلى الله عليه وسلم : «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» (متفق عليه)، أما التخلف والفقر والحاجة فمن صوارف القلب عن الله عز وجل، ولقد حذر صلى الله عليه وسلم  من أمور تشغل عن طاعة الله فعد منها الفقر فقال: «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ وَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» (مستدرك الحاكم)، فالدنيا لم تذم لذاتها ولكن إذا أوثرت على الأخرة قال تعالي: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْـحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [إبراهيم: ٣].

وقد اعتَبَر الإسلام العمل الذي يخلص فيه صاحبه لله ليكفي به نفسه ومن يعول مما يتقرب به إلى الله عز وجل، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ فَعَجِبُوا مِنْ خَلْقِهِ فَقَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم  إنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِبْيَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعُفَّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (سنن البيهقي)، فكأنهم قالوا: لو كان هذا النشاط والجد في مقارعة الكافرين ومنازلة المشركين لكان أفضل من نشاطه لأجل الدنيا والسعي فيها، فأجابهم صلى الله عليه وسلم  بأن سبيل الله ليس قاصراً على القتال وحده، بل إن من يسعى ليكفي نفسه ومن يعول، ويبني مجتمعه ووطنه مخلصاً متقناً هو في سبيل الله وطاعته.

إن العمل المشروع المتقن بكل أنواعه من صناعة وزراعة وتجارة وغير ذلك له فوائد جمة، فبه ننتفع بطاقات الشباب المهدرة، ونقضي على البطالة بأمراضها القاتلة، فنجذب الشباب من الفراغ ومراتع الجريمة وإدمان المخدرات إلى معامل الخير والإنتاج، وبالعمل تتحقق السعادة المجتمعية بين الناس، وتزول حالة الكآبة التي تعلو وجوه كثير من البشر، فبه يستطيع الرجل أن يوفر حوائج عائلته فيكفيهم شر المسألة، ويقوم على تربيتهم على الوجه الأكمل بما ينتج أفراداً صالحين في المجتمع، وبه يستطيع الشباب أن يؤسس أسرة ويبني مستقبلاً، وبالعمل يكتسب المسلم فيعمل على فك الكرب وكفالة اليتيم وإعانة المحتاج وإدخال السرور على المسلمين. وفي العمل المتقن تعزيز لقوة المسلمين في مواجهة أعدائهم واعتمادهم على أنفسهم واستغنائهم عن غيرهم، وغير ذلك من فوائد للعمل والإنتاج.

ولا بد لدوام هذه الفوائد أن يستمر العمل والإنتاج بلا توقف، فيبيع العامل منتجه في سوق تعيد تدوير عجلة الإنتاج، فبالثمن الذي يحصل عليه يعود الفلاح لأرضه فيصلحها ويعيد زراعتها، والصانع يسدد تكاليف إنتاجه لينتج من جديد وهكذا، ولأجل أن تقوم السوق بدورها في دعم العمل والإنتاج لا بد من أمرين غاية في الأهمية:

الأول: ما يتعلق بالعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والفلاح في حقله، ألا وهو الإتقان، ويراد به: القيام بالعمل والانتهاء منه بأفضل صورة وعلى أتم وجه ببذل الجهد والبعد عن التراخي، والإتقان هو صفة الله في خلقه للكون، فَقَد صَنَعَ الله كل شيءٍ في هذا الكونِ بِإِتقانٍ بديع، قال سبحانه: {صُنعَ اللهِ الَّذِي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بما تَفعَلُونَ}[النمل: 88]، والإتقان ثمرة من ثمرات الإيمان يرقى به صاحبه في مرضاة الله، فالمسلم يتقن لإخلاصه واعتقاده الجازم باطلاع الله عليه، ففي حديث جبريل «قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (متفق عليه)، فالمؤمن مستشعر لمهابة اطلاع الله عليه فيستحيي أن يقصر أو يهمل.

إننا الآن نُمَجِّدُ مَا جَاءَ من عند غيرنا من الأمم من منتجات على اختلاف أنواعها ونصفها بِالجَودَةِ والتميز والإتقان، ونحن أولى بهذا منهم، فديننا قد سَبَقَ العَالَمَ إلى هذا المَبدَأِ العَظِيمِ، قال صلى الله عليه وسلم : «إن اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَن يُتقِنَهُ» (شعب الإيمان، المعجم الكبير)، وَقد ذَمَّ الله سبحانه مَنِ عمل عملاً فَلَم يَرعَهَ حَقَّ الرِعَايَة ولم يقم به على الوجه الأكمل، قَالَ سبحانه: {وَرَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلاَّ ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد:27]، وَفي قصةِ رُؤيَا عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ لِلأَذَانِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيهِ مَا رَأَيتَ؛ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَندَى صَوتاً مِنكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، دليل على حث الإسلام على بذل الجهد في تجويد العمل وإتقانه وإخراجه في أفضل صورة ممكنة.

إن المتأمل في معنى الإتقان يجد أنه سبب في حفظ الحدود والدماء والأعراض، إذ إن الصانع المتقن لصنعته جدير بثقة الناس فيقبلون عليه وعلى منتجه، فيتكسب ويكفي نفسه ومن يعول، ثم هو بإتقانه قد جوّد إنتاجه وحسنه فأزال العذر عن كل مواطن لا يدعمه بشراء منتجه، أما إن غش أو أهمل أو قصر فقد عجل الله له بعض العقوبة بكساد منتجه وعدم رواجه، فينصرف الناس عنه وعن منتجه فيأوي هو للبطالة وما تؤدي إليه من انحراف وإجرام وفساد وإفساد، وبهذه الحال فالناس معذورون في شراء الأجود وإن كان من إنتاج غير المسلمين، وترك الرديء وإن كان من صنع المسلمين، فكان بإهماله وتقصيره سبباً في شيوع البطالة وما يترتب عليها من فقر وجرائم، فلو تخيلنا مجتمعاً دون بطالة يعمل كل أفراده بإتقان في ما ينفع، لانعدمت فيه دوافع الجرائم أو تكاد، ولحفظت الحدود والدماء والأعراض.

الثاني: يتعلق بالمسؤولية المجتمعية التي تحتم علينا أن نتعاون على البر والخير، وأن نسعى في إيصال ما نقدر عليه من نفع للغير، قال عليه الصلاة والسلام: «المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً» (متفق عليه)، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، ومما لا شك فيه أن من أوجه التعاون على البر والخير إعانة الصانع في صنعته حتى لا يتحول لعاطل، وهذا من أرجى الأعمال عند الله تعالى لما يترتب عليه من نفع عميم على الفرد والمجتمع، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم  إلى إعانة الناس في ما يحتاجونه، فتساعد الصانع في صنعته، والمحتاج في حاجته، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَعْلاَهَا ثَمَناً، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ ضَايِعاً، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ»،: قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ» (متفق عليه)، وهذا عام يشمل كل أنواع الإعانة كأن تشترك معه في الصنعة من باب المساعدة، أو أن تجلب له ما يحتاج إليه في صنعته من وسائل إنتاج أو مواد خام أو نحو ذلك، أو تساعده في تسويق سلعته مما يعينه على استمراره في عمله وإنتاجه، وفي نصه صلى الله عليه وسلم  على الصناعة والتعاون عليها إشارة إلى ما ينبغي فعله من توجيه جزء من الزكوات والصدقات إلى دعم المصانع والمعامل لأجل أن تستمر في إنتاجها، لما يترتب على ذلك من نفع عظيم، ففي رواجها رواج في الزراعة لأنها مادتها الخام غالباً، ورواج للتجارة التي تقوم على منتجاتها.

والتاجر كذلك مطالب شرعاً بتقديم المنتج الوطني على غيره مما ينافسه من المستورد في العرض والبيع، كذا المواطن مطالب أن يقدم ما صنعه أهل بلده على غيره في الشراء، وأن يتغاضى عن بعض القصور الذي قد يكون في السلعة المحلية مما لا يضر بأصل المنتج كالتغليف والمظهر الخارجي، ذلك لعلمنا أن رواج هذا المنتج فيه استمرار المصنع الذي ينتجه في العمل وبقاء عشرات العمال الذين يعولون المئات من عوائلهم، وإن كساد المنتج الوطني يعني بالضرورة إفلاس منتجه وتسريح عشرات العمال الذين يتحولون إلى عالة على المجتمع هم ومن يعولون، فيحتاجون من يعولهم. إننا مدعون جميعاً أيها الأحبة لأن ندعم اقتصاد وطننا الغالي بما يدفع به إلى مصاف اقتصاديات الدول المتقدمة بأن نزيد في الإنتاج، ونسعى لتقليل البطالة، وإرخاص الأسعار، كي ينعم المرء بحياة رغيدة تقل فيها المعاناة ويعم فيها الرخاء.