«حان الآن الوقت لتقوم ثورة تشريعية حقيقية».. بهذه الكلمات احتفت مديرة مكتب هيومن راتس ووتش[1] بما تشهده تونس من «تغيرات جذرية» بالنسبة للبنية القانونية ظاهراً والقيمية والدينية أساساً، والتي ظهرت وبشكل فج في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساوات والتي شكلت من قبل رئيس الجمهورية وذلك في 2017م عقب العيد الوطني للمرأة.

في هذا المقال نحاول أن نقدم نظرة حول أبرز مرتكزات هذا التقرير وخلفياته خصوصاً أنه شكل فارقاً في اللغة القانونية من حيث الشكل ومن حيث المضمون، نظراً لما تميزت به لغته من لون أيدلوجي واضح، ولعل ذلك يظهر جلياً في اللجنة المعدة لهذا التقرير، فالمتتبع لقائمة الهيئات والجمعيات التي ذكر معدو التقرير أنهم اجتمعوا بها واستشاروها يجد أنها تتماهى مع تيار فكري وسياسي واحد، ولعل مخرجات التقرير اصطبغت بصبغته، ومن أبرز هذه الجمعيات المستشارة جمعية النساء الديمقراطيات والاتحاد الوطني للمرأة ورابطة حقوق الإنسان.. إلخ، فمثلاً هذه الأخيرة يهيمن على إدارتها تيار فكري أساسي وهو التيار اليساري[2]، فلا نستغرب إذنْ تلك النبرة المتطرفة التي جاء بها التقرير بالنسبة لفرض قيم غريبة عن المجتمع التونسي المسلم، حتى إن أحد مراكز الدراسات الغربية والمعروف بليبراليته وهو مركز كارنجي وضع ضمن أحد تقاريره الشهرية تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة وما سبقه من مجهودات لعلمنة الدولة وبطريقة راديكالية ضمن نفس السياق حيث «طبقت العلمانية في تونس من خلال مشروع سياسي شرس فرضته الدولة، تخلله تهميش لتاريخ تونس وللتقاليد الإسلامية»[3].

ملاحظات عامة حول التقرير :

لعل أبرز مشاكل العلمانيين العرب أو مريدي المنهج التغريبي ليست مشكلة تحيين قوانين أو برامج إصلاح إنما تكمن في الشريعة الإسلامية والحضارة الإسلامية وتاريخها أصلاً، ولعل هذا التقرير الذي بين يدينا أبرز نموذج على ذلك، ففي مقدمة للتقرير تحت عنوان: مقاربة اجتماعية ودينية نلمس بعض العبارات الدالة على وجود إشكالية حقيقية بين معدي هذا التقرير والإسلام بصفة عامة، فعندما يتحدث التقرير عن الخلافة يقول ما نصه: «هذا المصطلح خص به الإنسان لتحديد دور وجوده في الأرض، {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وذلك في سياق الرواية الدينية لبدء الخلق»[4].

وهكذا يتم التشكيك في القرآن الكريم أو التقليل منه ضمن هذا الطرح، في سابقة خطيرة تصدر من هيئة المفترض أن تكون مكونة من مسلمين، وهذا يبين بشكل لا يدع مجالاً للشك أهداف التقرير واللون الأيدلوجي لمعديه، بل حتى الآيات القرآنية هي الأخرى لم تسلم من هذا الأسلوب، حيث يتم الاستشهاد بها دون تمييزها عن باقي التقرير من إضافة للاستعاذة أو حتى إضافة عبارة «قال تعالى» على الأقل، في أسلوب علماني واضح في التعامل مع كتاب الله عز وجل، ونفس الشيء مع الحديث النبوي الشريف، وفي هذا الصدد يلاحظ القارئ لهذا التقرير استغلالاً سيئاً ومناقضاً للغاية للنصوص الشرعية وليّاً لها بغرض إخراجها عن محتواها تارة، ونرى مثالاً واضحاً عن ذلك عند الحديث عن مسألة الحرية، وتارة بتصوير الأحكام الشرعية في شكل لا يتوافق مع الواقع أو تخطئتها بأسلوب مبطن عند الحديث عن الميراث مثلاً، أو التهرب تارة أخرى من بعض الأحكام الشرعية الواضحة الجلية بأسلوب ملتوٍ.

أبرز بنود التقرير :

من أغرب ما يجده القارئ في هذا التقرير المحير لأولي الألباب التوطئة لتسويغ إسقاط هوية الفرد المسلم لفائدة مصالح فردية مزعومة ضمن نظرة غربية بحتة واتهام الحضارة الإسلامية بظلم الفرد وهضم حقوقه «حتى كاد يغيب نهائياً في التجربة التاريخية الإسلامية»[5] - كذا جاء في التقرير -، ولعل هذا مرده إلى المرجعية المعتمدة والغالبة على رؤية اللجنة لمختلف القضايا المطروحة وهي مرجعية مستمدة من عقلية مصابة بالعقدة الدونية أمام الغرب والإيمان بمركزيته الثقافية وما أنتجته من قيم تَزعم أنها كونية تجعل من النموذج الغربي الأساس الذي تدرس من خلاله الشريعة الإسلامية ومن ثم خصوصية المجتمع التونسي، مما جعل بنية هذا التقرير ومن ثم مخرجاته لا تخرج عن حدود نظرة الحضارة الأوربية الخاصة بتاريخها وتقاليدها، بل وضمن الأسلوب الاستشراقي في نظره إلى الحضارة الإسلامية بكل مكوناتها وأسسها وأبعادها، وللغرابة فحتى المنهج البحثي المادي الغربي تم تجاهل أحد أبرز أسسه البحثية من طرف معدي تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وذلك في احترامه لخصوصية المجتمع قيد الدراسة[6]، وبعد هذا كله فإن هذه المناهج الغربية باتت محل نقد من أصحابها في حد ذاتهم حيث شككوا في مركزية الحضارة الغربية، ولعل ما قاله اللورد كتشنر لعبد الحميد الزهراوي في مصر أصدق مثال عن ذلك، «إذ قال له: إن الدولة العثمانية لا تصلح بالقوانين التي تقتبسها منا - معشر الأوربيين - ونحن ما صلحت لنا هذه القوانين إلا بعد تربية تدريجية في عدة قرون كنا نغير فيها ونبدل بحسب اختلاف الأحوال، وإن عندكم شريعة عادلة موافقة لعقائدكم ولأحوالكم الاجتماعية، فالواجب على الدولة أن تعمل بها وتترك قوانين أوربا»[7]، وبعد هذا بدأ التقرير في تأسيس لقواعد قانونية جديدة ممسوخة وبعيدة كل البعد حتى عن روح التشريع الإسلامي ومقاصده كما يزعم معدوه، وكذلك عن الأعراف والتقاليد الموافقة للشريعة السمحاء ومن أكثر النقاط حساسية التي تطرق إليها التقرير:

حرية الضمير والمعتقد (حرية تغيير المعتقد).

مسألة الميراث وذلك بإعادة النظر جذرياً في هذه المسألة[8]، وتحقيق المساواة بين الجنسين في الميراث بشكل يهضم بطبيعة الحال حقوق الآخرين وحتى حق المرأة المسكينة التي تستغل غالباً في لعبة أكبر من هذا التقرير ومعديه.

التشجيع على نشر الرذيلة بأبشع صورها وبطريقة لا نجدها حتى في عالم الغاب، وذلك من خلال نقطتي إعطاء الحق في (تغيير الجنس والشذوذ) أعز الله أسماع وفكر القراء.

إلغاء المهر وأحكام العدة بحكم أن التطور المجتمعي بات في الكثير من الأحيان يجعل من الزوجة المنفقة الحقيقية على الزوج لذا لا داعي بحسب التقرير للنفقة المميزة للرجل على المرأة إذا كان للمرأة دخل يكفيها، أما العدة فالعلم كفيل بعملية الاستبراء بحسب معدي التقرير، وضرب التقرير مثالاً عن ذلك بالقانون الفرنسي الذي تخلى عنها.

إلغاء عدة شروط وأركان في الزواج وتمييعها (مثل المهر، والولاية)، بحيث يصبح الزواج عبارة عن ارتباط بين اثنين وفقط، ولنا الحق إذ ذاك أن نتذكر قانون الغاب والحياة البرية.

إسقاط ولاية الأب ورئاسته للأسرة وتكون مسيرة بالاشتراك بينه وبين الأم.

إمكانية أن تضيف الأم لقبها للأبناء مثلها مثل الأب.

وقوع الطلاق يكون بطلب من أحد الطرفين، أي المساواة في طلب الطلاق.

يحمل الطفل عند الولادة بحسب التقرير أحد لقبي والديه أو أحدهما الذي يختار!

الاعتراف بالابن غير الشرعي والمساواة بينه وبين المولودين في إطار الزواج الشرعي، وهو ما سيشجع ضمنياً على زيادة معدلات انتشار الأبناء غير الشرعيين وانتشار الزنا والفواحش والعزوف عن الزواج، وبالتالي تفكيك الأسرة التونسية ونفس الشيء يقال بالنسبة للاعتراف بالشذوذ ودعمه، وكل هذا يذكرنا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله»[9].

من المستفيد؟

إذا أردنا أن نعرف الاتجاه الذي تصب في مصلحته هذه الثورة الحقيقية على قيم المجتمع التونسي ومرتكزاته فلننظر إلى حجم الاحتفاء الذي ناله من طرف المنظمات العلمانية في الداخل التونسي والمنظمات الغربية على المستوى الدولي، فبمجرد الإعلان عن فحوى التقرير سارعت عدة جهات غربية بالترحيب به دون اعتبار للشرع الحنيف، ومن ثمة للشعب التونسي المسلم ومن ذلك منظمة الأمم المتحدة التي رحبت بهذا التقرير، أما على المستوى الداخلي فنجد مثلاً ائتلاف الحقوق والحريات الفردية الذي أصدر ميثاق المساواة والحريات الفردية والمنبثق عن أكثر من 90 جمعية ومنظمة في تونس والذي علقت عليه مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس بقولها: «تخلص التونسيون والتونسيات من العديد من القيود منذ الثورة، لكن حان الآن الوقت لتقوم ثورة تشريعية حقيقية والاعتراف بأن الفرد، كواضع للقيم والمعايير وخالق للثروات لنفسه ولمجتمعه، يجب حمايته من التدخلات التعسفية للدولة أو غيرها»[10]، فانظر مدى الاستهتار بقيم وهوية هذا المجتمع وخطورة هذا التصريح الذي جاء على لسان إحدى أشهر المنظمات الحقوقية في العالم، ونفس الشيء نلمسه من عدة منظمات ونقابات ذات وزن في الداخل على غرار النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والتي وقفت مع معدي التقرير ضد الانتقادات التي تطالهم بإعلانها عن «تضامنها المطلق مع لجنة الحريات الفردية والمساواة وخاصة مع رئيستها، وحق التونسيات والتونسيين بجميع اتجاهاتهم وأفكارهم في مناقشة قضاياهم المجتمعية بكل حرية خاصة وأن الشعب التونسي تخلص بفضل ثورته من كل وصاية سياسية وفكرية ودينية»[11]. ولا أظن أن هؤلاء يقصدون الديانة الطاوية مثلاً، وللأسف فإن هذا التضامن والدفاع غير المسبوق عن هذه الوثيقة التغريبية يتم تمريره للمجتمع ونخبه الفكرية عبر عدة قوالب محورة عن أسسها ومفاهيمها الحقيقية، فمن ذلك أن التقرير يتماشى مع ما جاءت به المدرسة المقاصدية للطاهر بن عاشور أحد علماء الزيتونة وحاشاه أن يرى ذلك أو يتم تمريره ضمن قالب قديم جديد وهو ضرورة تجديد الرؤية الدينية ضمن مفهوم الاجتهاد الممسوخ، وذلك لكي تتماشى مع مقتضيات العصر وهي نفس المعزوفة التي غالباً ما دندنت حولها الدول الاستعمارية للعالم الإسلامي وباءت بالفشل، وإجمالاً يمكن القول إن هذا التقرير وحتى لو لم يرى النور فهو يعتبر بحق محاولة تغريبية سابقة في الدول الإسلامية نظراً للجهة التي ترعاه بل والكيفية الإقصائية التي أعد بها والانتقائية أيضاً وغير العلمية والذي يذكرنا بحديث نفيس لابن عمر رضي الله عنه نسأل الله العظيم أن لا نكون ممن تنطبق عليه أوصافه، فعنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن، ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط عليهم عدوهم فاستنقذوا بعض ما في أيديهم، وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيه إلا جعل الله بأسهم بينهم[12].

والحمد لله أن هناك من تصدى لهذه المحاولات منذ أن وطئ الإسلام هذه الأرض الطيبة، وقد فشلت عدة محاولات تغريبية سابقة في تحقيق أهدافها ولو أنها تركت ندوباً وجراحاً على جسدها، ولعل انتشار العلم والرجوع إلى الفطرة السليمة وانتشار مظاهر التمسك بالإسلام هو ما حرك الماكينة التغريبية والتي تشابه المستعمر في أهدافه ومخططاته «ولا يزعج الاستعمار شيء مثل الإعداد والتربية والرجوع إلى منابع القوة والعزة من دين ولغة وتاريخ، ولذلك نراه يعمد إلى مقومات الأمم بالتشويه والمسخ والطمس حتى تنسى الأمة مقوماتها فيسهل عليه ابتلاعها والقضاء عليها، وهكذا فعل بالجزائر منذ احتلالها، وهكذا فعل بتونس ومراكش بعدها» كما قال علامة الجزائر الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله[13].


 


[1] تقرير لهيومان رايتس ووتش بعنوان : «تونس.. ميلاد ميثاق للمساواة والحريات الفردية وقعت عليه أكثر من 90 جمعية» 24 يوليو 2018م.

[2] انظر: سمير ساسي، الثقافي في مواجهة السياسي، نشر في موقع مركز الدراسات الإستراتيجية والسياسية، 10/8/2018م.

[3] انظر تقريراً لمركز كارنجي للدراسات لسارة يركيس،  29/8/2010م.

[4] تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة المقدم لرئاسة الجمهورية التونسية، 1/6/2018م.

[5] نلاحظ أن معد التقرير لا يتورع في نبز الحضارة الإسلامية والتشريع الذي ارتكزت عليه كلما سنحت الفرصة لذلك فهي مجرد تجربة بالنسبة له متناسياً بقصد المرجعية التي قامت عليها.

[6] للاستزادة انظر: سمير ساسي، مرجع سابق.

[7] رشيد رضا، مقال بعنوان: الأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية، المجلد 24 لشهر شعبان 1341هـ/ أبريل 1923م.

[8] وذلك انطلاقاً من إحصائيات متحيزة لنسبة الإناث والذكور في المجتمع، وكأن الأمر إحصائيات فقط، علماً أن الشريعة السمحاء لها حِكم أخرى من وراء هذه الأحكام الشرعية، أضف إلى ذلك تحوير النصوص الشرعية والتلاعب بها .

[9] رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره. مكتبة المعارف، الرياض، ط5،  ج2، ص307.

[10] تقرير لهيومان رايتس ووتش، مرجع سابق. يلاحظ القارئ مدى تعظيم الفرد حتى يصبح معبوداً في حد ذاته عبر نسبة بعض صفات الله له عياذاً بالله.

[11] النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، بيان حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، صدر يوم 2/7/2018م، منشور في موقعه الرسمي.

[12] صحيح لغيره، صححه الشيخ ناصر الدين الألباني وقال: رواه البيهقي وهذا لفظه  رواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال صحيح على شرط مسلم، صحيح الترغيب والترهيب ج 2، مكتبة المعارف، الرياض، ط5.

[13] آثار الإبراهيمي ج4 ص213، ومراكش يقصد بها المغرب الأقصى.