من يقرأ القرآن لا بد أن يلفت انتباهه كثرة الحوارات في القرآن الكريم، المطولة منها والموجزة، فهناك حوار بين الله تعالى وملائكته الكرام، وحوار بين الله تعالى وأنبيائه، وحوار بين الله تعالى وبين إبليس، وحوارات كثيرة بين الأنبياء وأقوامهم، بل حتى الحوار بين نبي الله سليمان وطائر الهدهد، كل هذه الحوارات اعتنى بها القرآن، وذكرها مفصلة تارة ومجملة تارة أخرى، وكرر ذكر بعضها في سياقات مختلفة.

كذلك اعتنى القرآن بالحوار مع المخالفين للإسلام ولدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الرافضين لما جاء به، من المشركين وأهل الكتاب، وجادلهم في القضايا التي يخالفون فيها مثل الحوار مع المشركين في قضايا التوحيد، والبعث، وبشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثل الحوار مع أهل الكتاب في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وصحة القرآن، ولربما كان الحوار مع واحد من المشركين زعم أنه أتى بدليل يناقض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي القرآن بالحوار معه والرد علي شبهته، كما في قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ 78 قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ 79 الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ 80 أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْـخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 78 - 81].

ومع هذه العناية البالغة بالحوار والجدال مع المخالفين، إلا إننا لا نرى أي حوار في القرآن مع المنافقين، فكل ما جاء في القرآن عن المنافقين - على كثرة الآيات التي تحدثت عنهم وعن مواقفهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الصحابة - لا يخلو إما أن يكون ذكراً لصفاتهم مثل قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ...} [البقرة: ٩]، و{وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، وإما أن يكون فضحاً لمواقفهم مثل قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58]، و{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْـمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107]، ولعل سبب عدم وجود الحوار مع المنافقين في القرآن - والله أعلم - هو أن المنافقين آمنوا ثم كفروا فهم قوم عرفوا الحق وعقلوه وآمنوا به ثم ارتدوا عنه وكفروا به في الخفاء وإن استمروا على الظهور بمظهر المؤمنين، فجمعوا إلى الكفر بالحق دناءة الخلق ولؤم الطباع إذ أصبحوا يعيشون في المجتمع بشخصيتين شخصية تعرف الحق وتظهره والأخرى ترفض الحق وتخفي رفضها، فمشكلتهم مع الدين ليست علمية أو عقلية يحتاجون فيها إلى توضيح وبرهان وإنما مشكلتهم في أصلها بسبب الهوى ومرض القلب؛ {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [المائدة: 52]، لهذا لم يتوجه الخطاب القرآني لهم بالحجة والإقناع وإنما توجه إلى كشفهم أمام أنفسهم وتعريتهم وفضح مواقفهم أمام المجتمع.

كيف تعامل القرآن معهم؟

نجد في القرآن خطاباً مثل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 65]، و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [النساء: 47]، و{يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١]، ولا نجد فيه: «يا أيها المنافقون أو «يا أيها الذين نافقوا»، وإذا نظرنا في سورة «التحريم» نجد أن القرآن خاطب المؤمنين وخاطب الذين كفروا وحين جاء الحديث عن المنافقين توجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73]، وهذا يشير إلى أن حديث القرآن عن المنافقين كان موجهاً بالدرجة الأولى للنبي والمؤمنين.

وقد جاء هذا الحديث على نوعين:

النوع الأول: حديث عن أساليبهم في إثارة الفتن بين المسلمين كقوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ 7 يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى الْـمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ٧، ٨]، وازدواجية سلوكهم كقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]، وتناقض مواقفهم كقوله تعالى: {وَإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ 48 وَإن يَكُن لَّهُمُ الْـحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 48، 49].

والهدف من هذا هو أن يعرفهم المؤمنون كي يحذروهم ويحققوا أمر الله فيهم بالنهي عن طاعتهم أو توليتهم أمور المسلمين وكذلك جهادهم، وقد ذكر العلماء أن معرفة المنافقين ممكنة من تتبع مواقفهم وتأمل أفعالهم وأقوالهم، يقول ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ} [التوبة: 73]: «كان المسلمون يعرفون منهم مَن تكررت بوادر أحواله، وفلتات مقاله». وحيث قد كشف القرآن من أوصافهم ما يعين المؤمن ذا البصيرة على كشفهم وتمييزهم، جاء النوع الثاني من حديث القرآن عن المنافقين.

أما النوع الثاني: من فهو إرشاد للنبي والمؤمنين إلى كيفية التعامل مع المنافقين، وقد جاء فيه عدة آيات، منها:

١ - قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]، وقد تضمنت هذه الآية أمرين، الأول الإعراض عنهم والمقصود به: «إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم» (التحرير والتنوير). والأمر الثاني: موعظتهم بالقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً يزجرهم عما هم فيه.

٢ - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْـمُنَافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: ١]، ومثلها قوله تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 48]، ففي هاتين الآيتين نهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة المنافقين أي «لا تقبل منهم رأياً، ولا تستشرهم مستنصحاً بهم فإنهم لك أعداء» (تفسير الطبري)، وزادت الآية الثانية بـ{وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي «أعرض عن أذاهم لك واصبر عليه» (تفسير الطبري).

٣ - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ} [التوبة: 73] و[التحريم:9]، رجح الطبري رحمه الله قول ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «عن ابن مسعود في قوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ}، قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه».

هل في الحوار مع المنافقين مصلحة؟

المنافقون قوم قد طبع الله على قلوبهم فلم يعودوا يقيمون وزناً للدليل الشرعي ولا للعقلي، والقرآن لم يوجه النبي ولا المؤمنين إلى جدالهم وحوارهم، وإنما هي إحدى حالين: الإعراض والصفح عنهم حال ضعف المسلمين، أو جهادهم والغلظة عليهم حال قوة المسلمين. وما سوى ذلك فلا مصلحة فيه إذ إن المنافقين حين يثيرون الشبهات، أو يتخذون مواقف مغايرة لمواقف المؤمنين، ليس مقصودهم البحث عن الحقيقة ولا النصيحة للمسلمين، وإنما يقصدون إثارة الفتن، وتشويه المؤمنين، والصد عن الإسلام، وهم في أفعالهم وأقوالهم لا يلتفتون إلى أهل العلم والدعوة، بل يتوجهون إلى عامة الناس ممن قد ينطلي عليه كذبهم وتلبيسهم وهو يجهل حالهم، ومما يؤيد ذلك أن كثيراً من شبههم التي وردت في السيرة النبوية وحفظها القرآن، كانوا يلقونها على عامة الناس بعيداً عن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وعن كبار أصحابه، حتى إذا ما افتضحوا جاؤوا يحلفون الأيمان المغلظة أنهم ما قالوا ولا فعلوا، من ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74]، فقد ذكر الطبري بسنده إلى عروة بن الزبير قال: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاس بْن سُوَيْد بْن الصَّامِت، قَالَ: إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد حَقّاً، لَنَحْنُ أَشَرّ مِنْ الْحَمِير! فَقَالَ لَهُ اِبْن اِمْرَأَته: وَاَللَّه يَا عَدُوَّ اللَّه، لَأُخْبِرَن رَسُول اللَّه بِمَا قُلْت، فَإِنِّي إِنْ لَا أَفْعَل أَخَاف أَنْ تُصِيبنِي قَارِعَة وَأُؤَاخَذ بِخَطِيئَتِك! فَدَعَا النَّبِيُّ الْجُلَاسَ، فَقَالَ: يَا جُلَاسُ أَقُلْت كَذَا وَكَذَا؟ فَحَلَفَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّه الآية.

واللافت في موضوع الحلف أن القرآن نسب استخدام المنافقين له في مواضع كثيرة، وفي سورة التوبة وحدها نسب لهم ست مرات، وهذا الأمر يتسق مع طبيعتهم المراوغة، وشخصياتهم المخادعة، حيث صار الحلف لهم جُنّة وغطاء يستترون به حين يفتضح أمرهم، كما في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: ٢]، بل إن سلوك المخادعة يطغى عليهم حتى يظنوا أنهم يخادعون الله في الدار الآخرة، وتأمل قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18]، يقول القرطبي عند تفسير هذه الآية: «هذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين غداً، وقد صارت المعارف ضرورية». وللطاهر بن عاشور عند تفسيره لهذه الآية كلام عجيب جدير بالتأمل، يقول رحمه الله: «هذا يقتضي توغلهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باقٍ في أرواحهم بعد بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلقة به، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثاً في عالم التكليف. وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها وتصفية أكدارها لتخلص إلى عالم الخلود طاهرة، فإن هي سلكت مسلك التزكية تخلصت إلى عالم الخلود زكية ويزيدها الله زكاء وارتياضاً يوم البعث. وإن انغمست مدة الحياة في حمأة النقائص وصلصال الرذائل جاءت يوم القيامة على ما كانت عليه تشويهاً لحالها. لتكون مهزلة لأهل المحشر».

ومن كانت هذه طبيعته فمن غير المجدي حواره، إذ إن الحوار معه قد يزيد من نشر فتنته، وقد يمنح أقواله مشروعية ويقيم لها اعتباراً عند عامة الناس، فتعتادها الأذهان وتتطبع عليها النفوس، فيخف وقعها ويثقل إنكارها، لذا فمن الأجدى والأجدر بالمؤمنين الانصراف عن جدال المنافقين، حتى لو بدا أنّ لبعض ما يقولونه وجاهة، فإن المعلوم من حالهم المستمرة أنهم لا يقصدون الخير وإن أظهروه، فقد كذبهم الله تعالى في سورة «المنافقون» وهم يشهدون للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأيضاً فإن القرآن قد يتولى الرد على شبهتهم لكن لا يتوجه لهم بالحوار قاصداً مجادلتهم في شبهتهم، كما في قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُل لَّوْ كُنتُـمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]، وكذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْـمَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168]، فهاتان الآيتان وإن كان ظاهرهما الجدال والحوار إلا أنهما في حقيقتهما تبكيت للمنافقين وحسم للشبهة التي أثاروها، فهم - من خبثهم - حاولوا استغلال الصدمة التي أصابت المؤمنين بعد الهزيمة في معركة أحد ليسجلوا انتصاراً كاذباً لرأيهم في عدم الخروج لقتال المشركين والبقاء في المدينة والذي بسببه انخذلوا بثلث جيش المسلمين قبل بدء المعركة، لذا نرى أن القرآن لم يناقش شبهتهم بالحكم بصواب أو خطأ الخروج للقتال، وإنما ارتباط الموت وانتهاء الأجل بهذا الأمر.

وبناء على ما تقدم فإن الأولى بالمؤمنين ترك مجادلة المنافقين والأخذ بوصية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]، وليعلم المؤمن الغيور على دينه، الذي يؤلمه تطاول أهل النفاق على دينه وعلمائه، أن أذى المنافقين قد طال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومع ذلك لم ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة عن دعوتهم وجهادهم، وهذا ما أغاظ المنافقين وجعلهم يوغلون في كيدهم للدين حتى افتضح أمرهم، فعرفهم من كان مخدوعاً بهم، ذكر الطبري عند تفسير قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى الْـمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ٨] أن عبد الله بن عبد الله بن أُبي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي في ما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيره فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبيّ يمشي في الناس فأقتلَه، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخلَ النارَ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَلْ نَرْفُقْ بِهِ وَنُحِسنْ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا»، وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: «كَيْفَ تَرَى يا عُمَرُ، أما واللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لأرْعَدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتَهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ»؛ قال: فقال عمر: قد والله علمت لأمرُ رسول الله أعظم بركة من أمري.