في كتاب الإيمان من صحيح الإمام مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا.

ولي مع هذا الحديث وقفات يحتاج المسلم إلى التذكير بها، فمنها:

في الحديث دليل من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع ما أخبر به من غربة الدين في أزمنة متفاوتة وأماكن متباعدة، وهو مما يزيد إيمان المؤمن، ويدفعه للتمسك بالدين الحق، والصبر عليه، عاضاً بالنواجذ على سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

غربة الدين ليست سبباً ولا مسوغاً لتركه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فصل في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء). لا يقتضي هذا أنه إذا صار غريباً يجوز تركه - والعياذ بالله، بل الأمر كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْـخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال تعالى: {إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران: 19]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، وقال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَـمِنَ الصَّالِـحِينَ} [البقرة: 130]، {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: ١٣١]، {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132]»[1].

قال ابن تيمية: «وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام ولا يضيق صدره بذلك ولا يكون في شك من دين الإسلام كما كان الأمر حين بدأ. قال تعالى: {فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: ٤٩]، إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام. وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من الأدلة والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه في أول الأمر. وقد قال له: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْـحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْـمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115]، {وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]. وقد تكون الغربة في بعض شرائعه وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير [به] غريباً بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد. ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله؛ فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)»[2].

في الحديث إشارة إلى أن من أسباب الثبات على الدين حين غربته، إذا عصفت رياح الفتن فاجتاحت الناس اللجوء إلى الحرمين، والعبادة في المسجدين، فإن الإيمان يأرز بينهما، ونحن نسمع عن كثيرين اجتالتهم فتنٌ، وأثقلتهم أوزار، وأظلمت نفوسهم مآثم ومغارم، يقصدون الحرم متعبدين ضارعين فيصلح الله من أحوالهم. بل عامتنا يرى الفرق قبل زيارته البيت العتيق وبعدها، يأتيه أحدهم - صادقاً مخلصاً لله مصلحاً في عمله - يأتيه وقد خبا إيمانه وضعفت نفسه، فيغادر وقد صح بدنه وأشرق قلبه بنور الإيمان.. محطة تزود إيمانية، وشحنات وفيوضات نورانية.

هل نحن اليوم نعيش في غربة؟

الجواب: بعض أنواع الغربة المذكورة موجودة في زماننا، إما في بعض الأحكام، أو في كثير من البلدان، فطوبى للمتمسكين بالدين، وإن كانت لا تزال في أماكن أخرى طائفة على الحق ظاهرة بالحجة والبيان، ولها العاقبة بالسيف والسنان إن شاء الله تعالى.

وقد قال ابن القيم رحمه الله وذلك في زمانه:

«وأي اغتراب فوق غربتنا التي

لها أضحت الأعداء فينا تَحكَّمُ

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى

وشَطَتْ به أوطانه ليس ينعم!

فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة

     من العمر إلا بعد ما يتألم!!

وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريباً وهو على جناح سفر لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور فهو مسافر في صورة قاعد، وقد قيل:

وما هذه الأيام إلا مراحل

يحث بها داع إلى الموت قاصد

وأعجب شيء لو تأملت أنها

منازل تطوى والمسافر قاعد»!

انتهى من المدارج.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «أهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم! وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: {وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم كما قيل:

فليس غريباً من تناءت دياره

 ولكن من تنأين عنه غريب

نقل ابن القيم في المدارج أن الغربة أقسام، فذكر غربة أهل الحق وبين أنها غربة محمود صاحبها، ثم ذكر نوعين آخرين فقال: «فصل النوع الثاني من الغربة: غربة مذمومة؛ وهي غربة أهل الباطل، وأهل الفجور بين أهل الحق، فهي غربة بين حزب الله المفلحين، وإن كثر أهلها، فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم، أهل وحشة على كثرة مؤنسهم، يعرفون في أهل الأرض، ويخفون على أهل السماء!
فصل النوع الثالث: غربة مشتركة؛ لا تحمد ولا تذم، وهي الغربة عن الوطن، فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست لهم بدار مقام، ولا هي الدار التي خلقوا لها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وهكذا هو نفس الأمر؛ لأنه أَمَر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة، ولي من أبيات في هذا المعنى:

وحي على جنات عدن فإنها

منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى

نعود إلى أوطاننا ونسلم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

لها أضحت الأعداء فينا تحكم»!

قوله: (يأرز بين المسجدين) فيه إشارة إلى أن للإيمان مواطن، وله رجال قائمون به أبداً، فمهما تغرب الدين في مصر قام في غيره، يقول ابن تيمية رحمه الله: (أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه وقد قال تعالى: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54]. فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك. وكذلك بدأ غريباً ولم يزل يقوى حتى انتشر. فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عز وجل كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولي قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر. فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريباً»[3].

وفي الحديث من الملح أن المعنى الممدوح الحسن قد يشبه بما يستوحش منه، لبيان مشاكلة ومعنى دقيق، ولا يقتضي ذلك ذماً، كما لا يقتضي التشبيه في الحديث بأرز الحية ذماً في هذا المقام.

ختاماً، للغربة ثمن، ومن صبر فدفعه حاز الثمرة، وهي المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أيضاً، قال: قال صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء».

والله الموفق وهو يهدي السبيل.


 


[1] الفتاوى 18/291.

[2] الفتاوى 18/298-299.

[3] الفتاوى 18/297-298.