لا أعتقد أنني سأتوقف يوماً عن اتهام النظم التعليمية التي نسميها حديثة بأنها أكبر مسبب للفشل في بلادنا، وأنها أكبر مسبب للبطالة وللانهيار الاقتصادي، ولكثير من الأمراض النفسية والمجتمعية، كالرشوة والتملق والكذب والكسل، واضطرابات أخرى منها الجسدية كالإصابة بأمراض العمود الفقري والضغط والسكري الناجمة عن الجلوس الطويل، ومنها النفسية كالحسد والغيرة والكيد والتنافس غير الشريف كونها حصرت المنتمين إليها في توجه واحد هو البحث عن وظيفة.

غيرت نظم التعليم الحديثة الكثير من عاداتنا المجتمعية فجعلت دخول الإنسان المتقيد بها إلى سوق العمل والحياة العملية وحتى ريادة الأعمال يبدأ في سن متأخرة نقدرها بـ22 عاماً، وهذا بالطبع لمن لم يكمل دراساته العليا كالماجستير والدكتوراه وغيرها، فيبدأ دخوله المجال العملي متأخراً جداً.

الحكاية تبدأ هنا، فهذا الشخص البعيد عن سوق العمل والتفاوض والتجارة وحتى العلاقات الإنسانية العملية هو شخص معرض للاستغلال بقوة، لأنه من النادر أن يتمكن من الاعتماد على نفسه للبدء إن لم يكن قد ورث مبالغ تعينه من عائلته، وبرغم هذا فهو معرض للفشل بنسبة كبيرة كونه لا يملك الخبرات التي هي أساس النجاح في العمل.

في زمان مضى كان الأولاد يذهبون في سن مبكرة جداً نحو الكتاتيب لتعلم القرآن الكريم الذي يصقل مهاراتهم اللغوية، والتي تؤثر بشدة على المهارات العقلية كما تخبرنا دراسات عديدة أجريت حول العلاقة بين الحصيلة اللغوية ومعدل الذكاء، ويحصلون على العلم الشرعي اللازم والضروري والذي يفتقده أطفالنا الآن في سن مبكرة لو كان اعتمادنا على التعليم المدرسي، ويفقدونها تماماً في بعض البلدان التي ألغت هذه المادة تماماً واستبدلتها بمادة «الأخلاق»، يتعلمون كذلك الحساب، وقواعد الإعراب المتمثلة بألفية ابن مالك، وغيرها من العلوم التي تمنحهم الخطوط الأساسية، وكان يرافق هذا التعلم وجود الطفل في سوق العمل بشكل طبيعي وبسن مبكرة جداً، كون العمل كان يتم تشكله في تجمعات أو ما نسميه شركات أسرية، فيكتسب الطفل المهارة والخبرات وأساليب التعامل مع العملاء، ويصبح تلقائياً مؤهلاً لإدارة العمل، وبالتأكيد فهناك من يختار طريق العلم كالطب والفلسفة وحتى الفن وغيره من العلوم، ويبرع فيها كونه اختارها برغبة صادقة وملحة وليست ما أملته عليه ورقة العلامات.

من المؤكد أنني لا أدعو هنا للعودة لنظام الكتاتيب ونبذ التعليم التقليدي، لكنني أجزم أن مسؤولياتنا كآباء تحتم علينا أن نقدم لأولادنا ما حرموا منه خارج إطار المدرسة، وأن لا نجعل المدرسة هي همهم الوحيد والأكبر، فنسدد ونقارب ونرسل أولادنا لتعلم القرآن أو نفعلها في البيوت وهذا المستحسن، إضافة للشعر والأدب والتاريخ الصحيح، والقواعد واللغات والكثير من الخبرات والمهارات العلمية التي تغض المدارس الطرف عنها، إضافة لحرصنا على وجوده في سوق العمل مبكراً، فنختار له مثلاً وقت العطلة الصيفية مكاناً أميناً ولائقاً للعمل، ونتركه يكتسب المهارات والخبرات في معرفة أحوال الناس وأخلاقهم ومعاينة النجاح والفشل والربح وغيرها من المهارات التي تؤهله مستقبلاً لتأسيس مشروع ناجح.

الأمر الثاني الذي أساءت به النظم التعليمية الحديثة هو حرماننا من المواهب والتي هي عنوان للشعوب وأساس متين من أسس نهضتها وحضارتها وحتى تفوقها وظهورها وتميزها العلمي والفني والأدبي وغيره.

التعليم الحديث قتل المواهب عندما عامل الأطفال بعيداً عن الفردية، وبعيداً حتى عن الإنسانية، فما معنى أن تجبرني على تعلم الرسم وأنا لا أملك الموهبة ولا أحبه، وهل هناك تحطيم للنفس أكبر من هذا، وكيف لي كمدرس أن أحاسب طفلاً وأمنحه علامات منخفضة لأجل مادة تعتمد على الموهبة أولاً، وينطبق هذا على المواد الأخرى كالرياضة وغيرها من المواد التي أساسها موهبة فطرية لا يمكن خلقها في النفس وبالتالي فالجلوس على مقاعد الدرس في هذه المواد لا يعدو أن يكون تضييعاً للوقت والجهد وحتى المال، إلا أن تكون اختيارية وذات خطة طويلة الأمد.

عندما يكون التعليم عقلانياً يراعي الفروق الفردية وحقيقة الإنسان والبشرية، وحتى حاجة المجتمعات وضرورات نموها وتطورها، وأثرها كذلك فسوف يتبنى هذه المواد بطريقة وأسلوب مختلف تماماً، أساسه اختبار قدرات ومهارات ومواهب الطالب، واختياره للموهبة التي يرغب بتنميتها وممارستها، ومن ثم التركيز عليها طوال سنوات التعليم لتثمر في النهاية وتكون نافعة وبمستوى عال، وكذلك تمنح المتدرب الوسط والمعارف الأقرب له عندما يدخل في أجواء المنافسات، والأعمال المشتركة، والنشاطات الهادفة، بدلاً من كل ما نراه من عبثية وإنفاق بلا مبرر لنشاطات لا متميزين فيها، ومن ينكر ندرة وجود المتميزين والموهوبين في مجتمعاتنا وضعف مستوياتهم مقارنة بالمجتمعات الأكثر تقدماً وعناية بهذه الأمور!

تحتاج بلادنا المسلمة إلى موهوبين كثر لتغيير الصورة والمساهمة في نهضتها، المصمم، المبرمج، المخترع، العالم، الرسام، المخرج، المصور، وغيرها من المواهب لتنمو وتزدهر، وأغلب هذه المهن أو المواهب لا يدعمها النظام التعليمي الحالي، ولهذا فالأمر كذلك موكل للأهل مرة أخرى ليكتشفوا ويدعموا مواهب أطفالهم وخبراتهم العملية في الحياة، إضافة للمعلومات التي يريدون أن تصل لأولادهم؛ فالمسؤولية لا ترفعها عنهم أنظمة تعليمية فاشلة ومعدة أصلاً لتخرج لنا أقزاماً يشبه بعضهم بعضاً، أو موظفين بلا موهبة وبلا طاقة وبلا سعادة أيضاً.

في النهاية لا يسعني إلا أن أشفق على الأهل لكثرة ما عليهم من هموم ومسؤوليات، لكنه الإنجاب الذي اختاروه، وما سيسألهم عنه أولادهم أولاً في الدنيا، وسيسألهم الله تعالى عما فعلوه وقدموه لهم في الآخرة، وهو الاستثمار الأمثل للزواج وصورة مشرقة من صور نجاحه.