لم تمضِ على وفاته صلى الله عليه وسلم لحظاتٌ قلائل حتى اشتعلت الفتنة تحت كل ذرة في الجزيرة العربية، وارتد أكثر الناس حتى قيل لم يعبد الله عز وجل على الأرض إلا في ثلاثة مساجد؛ مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد عبد القيس بالبحرين في قرية يقال لها «جُوَاثا». وفوق ذلك اشتعلت فتنة مانعي الزكاة! وضاعف المخاطر أنَّ جيش المسلمين قد عسكر على مشارف المدينة متوجهاً إلى حرب الروم!

وقد ذهب كثير من الصحابة إلى أن خطورة الوضع تستوجب عدة إجراءات؛ أهمها:

مداهنة مانعي الزكاة والاستعانة بهم على حرب المرتدين حتى يزول خطرهم، ثم ينظر في أمرهم لاحقاً.

إرجاء حرب الروم لأنهم عدو بعيد والاحتفاظ بجيش أسامة بالمدينة للدفاع عنها ضد خطر الإبادة المحدق بالمسلمين؛ ولكثرة أعدائهم، وعلى رأسهم المرتدون ومانعو الزكاة المعسكرون على أبواب المدينة!

 ولكنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه  قد أبى هذه القرارات التي رآها أكابر المسلمين وعلى رأسهم الفاروق، واتخذ القرارات التالية:

عقد أحد عشر لواءً لحرب المرتدين.

أنفذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه وعن أبيه لحرب الروم.

رفض مشورة المسلمين بعزل أسامة رضي الله عنه عن إمارة الجيش.

النتيجة: انتصر الصِّدِّيق رضي الله عنه في مئات المعارك التي خاضها في وقت واحد، وكان الأمير يرسل إليه بخبر النصر وانتهاء المهمة، فيأمره من فوره بالتوجه لدعم قوات أمير آخر، ولم تتوقف المعارك على كل الجبهات خلال عامين تقريباً انتصر فيهما بفضل ربه سبحانه وتعالى على المرتدين، ومانعي الزكاة، والروم، وكل محاربيه! فلم ينهزم الصِّدِّيق رضي الله عنه في غزوة، ولم ينكسر له سيف، ولم تلن له قناة!

فإذا أحصينا عدد الغزوات التي خاضها الصديق، وعدد الجبهات التي قاتل عليها، مع عدد قواته وعدتهم وعتادهم المادي، مع عدد قوات الأعداء وعدتهم وعتادهم؛ ثم عرضنا كل هذه الإحصاءات على جميع المعاهد العسكرية ليفحصها أئمة الحروب والخطط العسكرية ستخرج منهم كلمة إجماع لا ريب فيها أن هذه الأرقام بعيدة كل البعد عن جميع الموازنات العسكرية، ولا علاقة لها البتة بالواقع البشري! بل هذه الحسابات تفوق خيال صانعي هوليود بمراحل بعيدة!

فإذا أضفنا لكل هذا أن شخصية الصديق لم تكن شخصية عسكرية فولاذية كشخصية الفاروق أو علي أو خالد رضي الله عنهم، أو غيرهم ممن يتمتعون بشخصيات حربية مميزة، بل كان رجلاً أسيفاً رقيقاً تسرع إليه العبرة من خشية الله سبحانه وتعالى، كما أن بنيته الجسدية لم تكن هرقلية؛ بل كان رجلاً نحيلاً جداً!

فمن يُقَلِّبُ صفحات التَّاريخ كله من لدن آدم صلى الله عليه وسلم ليومنا هذا لن يجد فيه البتة حاكماً واحداً أحرز هذه الكمية من الانتصارات، وخاض كلَّ هذه الحروب بهذه الشراسة بغير أن يبتلى بهزيمة واحدة!

وبعد كل هذه المعطيات فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه:

ما سرُّ كل هذه الانتصارات غير البشرية التي انفرد بها الصديق رضي الله عنه من بين حكَّام البشرية قاطبة؟!

إن أردت أن تعرف سر هذه الانتصارات غير البشرية فتأمل إجابة الصديق رضي الله عنه على المسلمين عندما أشاروا عليه بمهادنة مانعي الزكاة؛ إذ صاح قائلاً: «وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً [أي: حبلاً] كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ»[1].

إنَّ الصديق رضي الله عنه لم يداهن في دين الله سبحانه وتعالى، ولم يرض بالحلول الوسط، ولم يميع القضية بقوله: كلنا عرب وإن اختلفنا في المعتقد، ولم يقل الدين لله والوطن للجميع، ولم يقل: هدفي الأول حماية الأراضي العربية!

بل علم حقيقة مسئوليته، وأنَّه مسئول عن الأمة الإسلامية فُرْسِها، ورُومِهَا، وعَرَبِها، وحَبَشها، وسائر القوميات الأخرى!

وعندما أشاروا عليه بإرجاء جيش أسامة والاحتفاظ به دفاعاً عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه؛ أجابهم قائلاً: «مَا كُنْتُ لَأَرُدَّ أَمْراً أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، لَا أَزِيدُ فِيهِ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْ جَرَتِ الْكلَابَ بأَرْجُلِ أَزوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ مَا رَدَدْتُ جَيْشاً وَجَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا حَلَلْتُ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَوَجَّهُ أُسَامَةَ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِقَبِيلٍ يُرِيدونَ الِارْتِدَادَ إِلَّا قَالُوا: لَوْلَا أَنَّ لِهَؤُلَاءِ قُوَّةً مَا خَرَجَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَكِنْ نَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا الرُّومَ فَلَقَوُا الرُّومَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَرَجَعُوا سَالْمِينَ فَثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ»[2].

حتى تغيير أسامة رضي الله عنه بأمير أكبر منه سناً كان مطلباً أخيراً من المسلمين! لكن الصديق رضي الله عنه رفض عزل الأمير الذي عينه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم!

وأصرَّ الصديق رضي الله عنه أن تسير كلُّ الأمور وفقاً لشريعة الله سبحانه وتعالى، وكما يحب النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم!

إنَّ الصديق رضي الله عنه لم يكن في جهاده وحربه طالب ملك أو جاه أو سلطة! فلم يكن له غيرُ مطلبٍ واحدٍ فحسب؛ وهو تثبيت أركان دولة الإسلام على المنهج الإلهي الذي سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة!

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الميمون بذل قصارى جهده، وأخذ بكل الأسباب الشرعية ولم يقصر في ذلك طرفة عين أو أقل من ذلك!

إذنْ قد عرفنا السر المكنون للنصر:

إنَّ هذه الانتصارات الخارقة لقدرة البشر لم تكن بقوة الصديق رضي الله عنه؛ بل بسبب العون الإلهي له.

وهذا العونُ الإلهي للصِّديق كان نتيجة حتمية لأمرين؛ هما:

استقامة الصديق على المنهج الإلهي كما رسمه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم واتباعه حذو القذة بالقذة.

بذله قصارى جهده، واستنفاده وسعه، واستفراغه كل طاقته، وأخذه بكل الأسباب المادية المتاحة له.

فثق وكن موقناً من هذه العقائد جيداً:

لن تستحق العون الإلهي حتى تحقق هذين الشرطين: الاستقامة على المنهج الرباني، وبذل الوسع في الأسباب الشرعية.

كل من يحقق هذين الشرطين استوجب يقيناً العون الإلهي!

من استوجب العون الإلهي حقَّقَ هدفه، ووصل لغايته، ولن يقدر الإنس والجن أجمعين أن يعوقوه قيد أنملة!

اللهم أنت النُّورُ فأمدنا بنورك حتى تدرك بصائرنا طريق الحق الذي نستوجب به معونتك! اللهم وأنت القَوِيُّ القَدِيرُ فأمدَّنا بقوتك، وقدرتك حتى تقوِّيَ جوارحنا على السير في طريق الحق الذي نستوجب به معونتك! اللهم وأتمم علينا نعمتك، ويسِّر لنا كلَّ الأسباب إلى تحقيق مرادك منَّا يا أرحم الراحمين! فإنَّك ملجؤنا في كلِّ ما نرومه ونبتغيه ولا سبيل لنا لمرضاتك إلا بمعونتك، ولا سبيل لنا لمعونتك إلا بالاستقامة على شرعك، ولا سبيل لنا بالاستقامة على شرعك إلا بمعونتك، فمعونتك أملنا وسندنا في كلِّ مرحلة من مراحلنا، وأنت وليُّنا وحدك لا شريك لك، فنعم المولى ونعم النصير!

 

 


[1] صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (67)، وَالْبُخَارِيُّ (7284)، وَمُسْلِمٌ (21).

[2] راجع ما رواه عبد الرزاق بالمصنف، والبيهقي في الاعتقاد (ص345).