تعد مسألة التكفير من المسائل الخطيرة في الدين، لخطورة آثارها، سواء المتعلقة بأعيان المسلمين أو جماعاتهم.

وقد وقعت من بعض الأشعرية المعاصرين مناقشات للانتقاد الوارد عليهم في مسألة إيمان المقلد، لظنهم وقوع التشنيع عليهم فيها بغير حق، وكان من ضمن ما ذكروه: عدم صحة نسبة القول بتكفير المقلد وتكفير العوام للمذهب الأشعري.

ولما كان الحرص على نسبة الأقوال إلى قائليها من الغايات العلمية المطلوبة من الموافق والمخالف، كان مقصود هذه المقالة النظر في صحة نسبة هذين القولين للمذهب الأشعري، اعتماداً على مصنفاتهم.

ثم النظر بعد ذلك في صحة نسبة التشنيع على الأشعرية بتكفير العوام لتركهم النظر والاستدلال لابن تيمية، الذي يدّعي الأشعرية المعاصرون تحامله عليهم، وذلك اعتماداً على مصنفاته أيضاً.

وسنذكر هنا جوابين أجاب بهما بعض الأشعرية المعاصرين في الدفاع عن مذهبهم في المسألة، ونتبع كل جواب بما يستحقه من المناقشة.

الجواب الأول ومناقشته: وهو إنكار نسبة القول بتكفير المقلِّد للمذهب الأشعري:

عُزِيَ القول بتكفير المقلد للمذهب الأشعري من جهة عدد من أهل العلم والسنة، فكان من المسالك التي يستعملها بعض الأشعرية المعاصرين في الدفاع عن مذهبهم: دعوى أن القول بتكفير المقلِّد غير موجود في المذهب الأشعري، وأن مذهب الأشعرية في المقلد: إما أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، أو أنه غير عاصٍ.

ويشار ابتداءً إلى أن حكاية الخلاف في المذهب الأشعري على هذا النحو طريقة موجودة في مصنفات الأشعرية[1].

إلا إن هذا المسلك يعترضه عدد من الاعتراضات؛ وهي تدلُّ بمجموعها على أن نسبة القول بتكفير المقلد للمذهب الأشعري لها سندٌ قويٌّ في مدوناتهم.

فقد شاع في كتبهم حكاية الاختلاف في إيمان المقلد، بل وجدت طريقة تحكي الإجماع على كفره، منسوبة للجويني (ت 478هـ) والسنوسي (ت 895هـ) في بعض كتبه، كما وجدت نصوص لأئمة من أئمة الأشعرية، كالجويني، وابن العربي، (ت 543هـ)، وابن التلمساني (ت 658هـ)، والسنوسي؛ تدل على كفره، وفهم دلالتها على ذلك الأشعرية أنفسهم.

ويمكن توثيق مستندات هذه الاعتراضات من مصنفات الأشعرية على النحو الآتي:

الاعتراض الأول: شيوع الطريقة التي تحكي الاختلافَ في إيمان المقلد في مصنفات الأشعرية:

1- قال تقي الدين المُقتَرَح (ت 612هـ) في «شرح الإرشاد»: «قد اختلف الناس في وجوب معرفة الباري تعالى على الأعيان، فذهب قوم إلى أنها لا تجب ويكتفى بالتقليد في أصول الاعتقاد، وادَّعى كل واحد من الفريقين الإجماع على نقيض [ما ادَّعاه مخالفه][2]، ولا بد من تقرير المذهبين، وعند ذلك يلوح الحق عند تمام [المباحثتين]»[3][4].

ثم لما ذكر استدلال من لا يوجب التقليد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالشهادتين من كل ناطق بهما ذكر جواب الآخرين، وهو أن الشهادتين مظنة العلم، والحكم في الظاهر يدار على المظان[5]، ومقتضى هذا الجواب تكفير المقلد، كما فهمه ابن عرفة (ت 803هـ)[6]. فيكون القول بتكفير المقلد داخلاً في الخلاف الذي حكاه المقترح (ت 612هـ).

 2- حكى ابن عرفة في (مختصره الكلامي) ثلاثة أقوال في المقلد، ثالثها أنه كافر[7].

3- وعزا الفهري التلمساني (ت 658هـ) القول بعدم صحة إيمان المقلد للجمهور والقاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ)[8]. ونسب القول بالتقليد للحشوية وبعض المتكلمين[9].

4- وحكى السنوسي (ت 895هـ) الخلاف في إيمان المقلد في متن العقيدة الوسطى فقال في وصف التقليد: «المُختَلف في إيمان صاحبه»[10]، ونسب في «شرح الكبرى» و«شرح الصغرى» عدم الاكتفاء بالتقليد للجمهور[11]. قال الدسوقي (ت 1230هـ): «أي في الخروج من الإثم؛ كان إثم كفر أو عصيان»[12]. ويشهد لما قاله الدسوقي أن السنوسي جعل قول غير الجمهور أن التقليد ليس شرطاً في صحة إيمان المقلد وليس واجباً[13].

5- وشاع في المتأخرين من المصنفين والشراح والمُحشِّين على طريقة السنوسي: حكاية الخلاف في إيمان المقلد. فمن ذلك قول علي بن خليفة (ت 1172هـ) في منظومته «الرياض الخليفية»:

إذ حرفَة التقليد لا يرضى بها

 ذو هِمَّةٍ فاسلُك سبيلَ أمانِ

فيه اختلافٌ بينهم في حكمِه

بالكُفر والإيمان والعصيانِ

وذكر الاختلاف في صحة إيمان المقلد: الملالي في «شرح أم البراهين»[14]، واللقاني (ت 1041هـ) في «شرح الجوهرة»[15]، والفضالي الأزهري (ت 1236هـ) في «كفاية العوام»[16]، والبيروتي (ت 1276هـ) في «الدُّرَّة الوضيَّة في توحيد ربِّ البرية»[17]، والبيجوري «ت 1277هـ» في «شرح الجوهرة»[18]، والمارغني (ت 1349هـ) في «الشذرات الذهبية»[19] وفي «طالع البشرى»[20].

الاعتراض الثاني: وجود الطريقة التي تحكي الإجماع على كفر المقلد في مُصنَّفَات الأشعرية:

1- نسب اليوسي (ت 1102هـ) والدسوقي هذه الطريقة إلى إمام الحرمين (ت 478هـ) في «الشامل»[21]. وسيأتي لفظهما.

2- ونسب الدسوقي والبيجوري هذه الطريقة إلى السنوسي (ت 895هـ) في «شرح الكبرى»[22].

3- ونقل الدسوقي عن شيخه العدوي
(ت 1213هـ) وجودَ طريقة في المذهب الأشعري تحكي الاتفاق على كفر المقلد. قال: «فلأهل هذا الفن طريقتان: طريقة تحكي الخلاف في إيمانه وكفره، وطريقة تحكى الاتفاق على كفره، كذا قرر شيخنا العلامة العدوي»[23].

الاعتراض الثالث: وجود نصوص لأئمة الأشعرية تدلَّ على تكفير المقلد بفهم الأشعرية أنفسهم:

النصّ الأول: نص إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ):

قال في كتابه «الشامل في أصول الدين»: «ولو انقضى من أول حال التكليف زمنٌ يسع النظر المؤدي إلى المعارف ولم ينظر مع ارتفاع الموانع، واخترم بعد زمان الإمكان؛ فهو ملحق بالكفرة. ولو مضى من أول الحال قدر من الزمان يسع بعض النظر ولكنه لم ينظر مقصراً، ثم اخترم قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل؛ فقد قال القاضي رضي الله عنه: يمكن أن يقال إنه لا يلحق بالكفرة، إذ تبين لنا بالآخرة أنه لو ابتدأ النظر ما كان له في النظر نظرة، ولكنه لا يتوصل إلى مطلبه. وقال: الأصح الحكم بكفره لموته غير عالم، مع بُدُوِّ التقصير منه فيما كُلِّف»[24].

هذا النص هو أكثر نصوص الجويني في هذه المسألة حضوراً في مصنفات الأشعرية:

1- فأورده ابن عرفة في «المختصر الكلامي» مُستشهداً به للقول بتكفير المُقلِّد، وهو القول الثالث من الأقوال الثلاثة التي حكاها في المسألة[25].

2- وأورد نص كلام ابن عرفة السنوسيُّ في «شرح الكبرى»[26].

3- علق اليوسي في حواشيه على الشرح المذكور بقوله: «وإنما استشهد [أي ابن عرفة] بكلام (الشامل) لأنه جعل من عاش بعد البلوغ ما يسعه النظر ولم ينظر فهو كافر، وإن لم يسعه ولم ينظر فقولان، الأصح كفره، فمقتضاه تكفير المقلِّد»[27].

4- وأورد السنوسي كلام الجويني
أيضاً في «شرح الوسطى»[28].

5- وأورد السنوسي في «شرح الصغرى»[29] كلامَ الجويني في «الشامل» ملخَّصاً، وعَقَّبَه بقوله: «ولعل هذا التقسيم إنما هو في من لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلاً ولو بالتقليد». وموجب هذا التأويل الذي ذكره السنوسي لكلام الجويني أن الثاني لم يحك في كلامه الاختلاف في التكفير بالنسبة للحالة الأولى، وذلك معارض لما قرره السنوسي في «شرح الصغرى» من الاختلاف في تكفيره، فاقتضى ذلك عنده تأويل كلامه بما لا يعارض حكاية الخلاف[30]. وليس مقصود السنوسي نفي نسبة القول بتكفير المُقلِّد للجويني.

6- وهذا التأويل لم يرتضيه الدسوقي في «حاشيته على شرح السنوسي للصغرى»[31]، فعلق بقوله: «وهذا الجواب الذي ذكره الشارح [السنوسي] بعيد، فالأحسن أن يحمل كلام إمام الحرمين على المُقلِّد الجازم، ويكون ما ذكره إمام الحرمين من عدم الخلاف في كفر المُقلِّد طريقة والذي قبله من جريان الخلاف فيه طريقة أخرى».

7- وقبله نظرَ اليوسي في تأويل السنوسي لكلام الجويني في «حواشيه على الكبرى» فقال: «وفي تأويله نظر، إذ الذي لا جزمَ معه أصلاً ولو بالتقليد لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، وليس من موضوع النزاع والتفصيل، فالأولى ترك الكلام على ظاهره، فإنها طرائق وإجماعات متناقضة»[32].

النص الثاني: نص أبي بكر ابن العربي (ت 543هـ):

قال في كتابه «المتوسط في الاعتقاد»: «ومع أنَّا نقولُ إن المعرفة واجبة، وإن النظر الموصل إليها واجب؛ فإنَّ بعضَ أصحابِنَا يقولُ: إنَّ من اعتقد في ربه الحقَّ وتعلَّقَ به اعتقادُه على الوجه الصحيح في صفاته فإنَّه مؤمن موحد، ولكنّ هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظرٍ، ولو حصلَ لغير ناظر لم نأمن أن يتخلخل اعتقاده، فلا بد عندنا أن يعلمَ كُلَّ مسألةٍ من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، ولا ينفعُهُ اعتقاده إلا أن يصدُرَ عن دليلٍ عَلِمه بذلك.

فلو اختُرم وقد تعلق اعتقاده بالباري تعالى كما ينبغي [و][33]عجز عن النظر؛ فقال جماعة منهم: يكون مؤمناً.

وإن تمكن من النظر ولم ينظر؛ قال الأستاذ أبو إسحاق: يكون مؤمناً عاصياً بترك النظر، وبناه على أصل الشيخ أبي الحسن.

فأما كونه مؤمناً مع العجز والاخترام فظاهر إن شاء الله تعالى، وأما كونه مؤمناً مع القدرة على النظر وترَكَه، فقوله فيه نظر عندي، ولا أعلم صحته الآن»[34].

هذا النص من النصوص المتداولة في مصنفات متأخري الأشعرية:

1- نقله السنوسي في «شرح الصغرى»، في كلام أطول لابن العربي، وقال عقبه: «هذا كلام ابن العربي، وهو حسن»[35].

2- وعلّق الدسوقي في حاشيته على شرح السنوسي للصغرى بقوله: «والحاصل أن من اخترمته المنيَّةُ قبل أن ينظر أو عجز عن النظر لبلادة فهو مؤمن، وإن تمكن من النظر بأن وسع الزمن النظر ولم ينظر ولم يخترم؛ فهو مؤمنٌ عاصٍ عن الأستاذ، وكافرٌ عند ابن العربي»[36].

3- ولما ذكر الفضالي الأزهري الاختلاف في إيمان المقلّد؛ نَسَبَ القولَ بتكفيرِه لابن العربي[37].

4- وقال البيجوري (ت 1277هـ) في حاشيته على «كفاية العوام»: «وأما ابن العربي فعبارته مصرحة بذلك». أي: بتكفير المُقلِّد[38].

النص الثالث: نص ابن التلمساني (ت 658هـ):

قال في «شرح المعالم» لما قرر وجوب النظر في الجواب عن أدلة من لا يوجبه: «وأما الاكتفاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بإجراء أحكام الإسلام ورفع القتال بالنطق بكلمتي الإيمان؛ فإجراء للأحكام على المظان، وكلامنا في ما بين الله تعالى وبين عبده، وفيما ينجيه من الخلود بالنار»[39].

جعل ابن عرفة (ت 803هـ) في «مختصره الكلامي» مقتضى هذا القول شاهداً للقول الثالث الذي حكاه في المقلد، وهو أنه كافر[40].

النص الرابع: نصّ محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ):

1- قال في (شرح الصغرى) بعد ذكر الاختلاف في إيمان المُقلِّد: «والحقُّ الذي يدلُّ عليه الكتاب والسنة: وجوبُ النظر الصحيح مع التردُّد في كونه شرطاً في صحة الإيمان أو لا. والراجحُ أنَّه شرطٌ في صحتِه»[41].

2- وأطال في «شرح الكبرى» في الرد على من يقول بكفاية التقليد. وقد فهم البيجوري، والدسوقي، والشرقاوي، وغيرهم قولَه بتكفير المُقلّد في هذا الشرح[42].

3- قال الفضالي الأزهري بعد أن نسب القول بتكفير المقلد للسنوسي: «لكن نُقِل أن السنوسي رجع عن ذلك وقال بكفاية التقليد، لكن لم نر في كتبه إلا القول بكفايته»[43]. وذكر رجُوعَه بلا عزوٍ لكُتُبه الدسوقي[44].

الجواب الثاني ومناقشته: وهو القول بأن الدليل التفصيلي في العقائد ليس شرطًا للنجاة من الكفر أو العصيان:

دافع بعض المعاصرين عن قول أئمة الأشعرية في مسألة وجوب النظر: بأن النظر والاستدلال المطلوب من المكلف الذي ينجو به من الإثم على القول بتأثيمه، ومن الكفر على القول بتكفيره: إنما هو النظر الإجمالي لا التفصيلي.

وقال هؤلاء: إن القول بالاكتفاء بالنظر الإجمالي على الأعيان لا يلزم منه تكفير العوام، وإنما يُقال بلزوم ذلك لو قيل باشتراط النظر التفصيلي على الأعيان في صحة الإيمان.

والواقع أنَّ أحداً من أهل السنة لم يَعزُ للأشعرية القول باشتراط النظر التفصيلي في صحة الإيمان، كما أنهم لم ينسبوا لهم القول بتكفير العوام، بله أن يُشنِّعَوا عليهم بذلك.

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): في حكايته لأقوال الأشعرية في هذه المسألة: لا يحكي عن أحدٍ منهم اشتراطَ النظرِ التفصيلي في الإيمان، ولا يحكي عن أحدٍ منهم تكفير العوام.

ويتضح هذا على جهة التفصيل بالمقارنة بين كلام الأشعرية في هذه المسألة الذي ذكروه في مصنفاتهم، وما ذكره ابن تيمية عنهم في هذه المسألة في مصنفاته.

أما الأشعرية:

1- فقد بُحثَت مسألة «ما يجب على الأعيان وما يجب على الكفاية من النظر» في كتبهم المطوّلة التي تعنى بذكر الأقوال في المذهب، فذكرها أبو القاسم الأنصاري (ت 512هـ) في كتابه «الغنية في الكلام»[45]، وأورد خلاف الأصحاب فيها، ونقل فيها نصّاً لإمام الحرمين الجويني ، وأوردها أبو الحسن الآمدي (ت 631هـ) في كتابه «أبكار الأفكار»[46]، وأورد خلاف الأصحاب فيها أيضاً.

3- وذكر ابن التلمساني (ت 658هـ) في «شرح المعالم في أصول الدين» إجماع المتكلمين على وجوب النظر التفصيلي على الكفاية لا على الأعيان، وعبارته: «ولا نزاع بين المتكلمين أن معرفة إقامة البراهين ودفع الشكوك والشبهات من الطاعنين في هذا الدين من فروض الكفاية، وأن ما يجب على كل مكلف معرفة عقود الإيمان بدليل ما»[47].

4- لما ذكر ابن عرفة هذه المسألة في «مختصره الكلامي»[48]، أورد كلام الآمدي مختصراً، وكلام الفهري الفاسي، وزاد نقلاً عن أبي الوليد ابن رشد فيه أن المعرفة بالدليل التفصيلي مندوب إليها.

5- نقل السنوسي كلام ابن عرفة في «شرحه على عقيدته الكبرى)، وأضاف اليوسي في حواشيه عليها كلاماً نقله من «فتح الباري» لابن حجر، ثم قال مُلخِّصاً الأقوال في الدليل التفصيلي: «محصل هذه الأنقال أن الدليل التفصيلي فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه واجب على الأعيان، ثانيها: أنه على الكفاية، وهو المعروف، ثالثها: أنه مندوب، وأنه لا قائل بتوقف الإيمان عليه، غير ما مرّ من حكاية صلاح الدين عن الأستاذ، وإنما ذلك في الدليل الإجمالي على ما مرّ من تقرير الأقوال»[49].

6- تتابع المُصنِّفُون والشُرَّاح والمُحشون على طريقة السنوسي على تقرير ما قرره في «شرح الصغرى»[50] من أن الدليل التفصيلي ليس واجباً على الأعيان.

فذكر ذلك الهدهدي في «شرح الصغرى»[51]، والفضالي الأزهري في «كفاية العوام»[52] وعزا كفاية الدليل الإجمالي للجمهور، والبيجوري في «تحفة المريد»[53]، والمارغني (ت 1349هـ) في «طالع البشرى»[54]، وفي «الشذرات الذهبية»[55].

وسئل السنوسي: هل يشترط في الإيمان أن يعرف المكلف معنى «لا إله إلا الله محمد رسول الله» على التفصيل الذي ذكر في العقيدة الصغرى أم لا؟ فأجاب بأن ذلك لا يشترط إلا في كمال الإيمان، وإنما يشترط في صحة الإيمان معرفة المعنى على الإجمال على وجه يتضمن التفصيل، ولا شك أن الغالب على المؤمنين عامتهم وخاصتهم معرفة ذلك، إذ كل أحد يعرف أن الإله هو الخالق وليس بمخلوق، والرازق وليس بمرزوق، وذلك هو معنى غناه جل وعز عن كل ما سواه وافتقار كل ما سواه إليه، ويعرفون أن الإله لا يصلى إلا له، ولا يصام إلا له، ولا يحج إلا له، ولا يعبد سواه، ويعرفون افتقار كل ما سواه إليه، وهو معنى قولهم: إن الإله هو المستحق للعبادة ولا يستحقها سواه[56].

فهذا حاصل ما ذكره الأشعرية في هذه المسألة، ويظهر منه عدم وجود قولٍ في المذهب باشتراط الدليل التفصيلي للنجاة من الكفر.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد حكى أقوال الأشعرية في هذه المسألة في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» في موضعين:

فقال في الموضع الأول: «وقد تنازع أصحاب الأشعري وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟

والذين يجعلونه فرضاً على الأعيان، متنازعون: هل يصح الإيمان بدونه وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين.

والذين جعلوه شرطاً في الإيمان، أو أوجبوه، ولم يجعلوه شرطاً اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام»[57].

وبالمقارنة بين هذا النص وبين نصوص أئمة الأشعرية آنفة الذكر يظهر أنه حكى أقوالهم كما حكوها هم، ولم ينسب القول بتكفير من ترك النظر التفصيلي لأحد منهم، بله أن يشنع عليهم بقولٍ لم ينسبه لهم.

وقال في الموضع الثاني: «فإن الأشعرية متنازعون في النظر: هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ وفي الواجب: هل هو المعرفة أو الاعتقاد الجازم المصمم؟ وهل يسمى ذلك علماً أم لا؟»[58]. ثم نقل كلاماً للجويني، وكلاماً لأبي إسحاق الإسفراييني.

ويظهر بالمقارنة بين نص الجويني الذي نقله ابن تيمية ونص الجويني الذي نقله أبو القاسم الأنصاري (ت512هـ)، والذي أشرنا له آنفاً؛ تطابقهما في المعنى، وإن اختلفت بعض الألفاظ.

أما مسألة تكفير العوام؛ وهي فرع عن هذه المسألة:

1- فثمة إشارةٌ تاريخية نود ذكرها هنا، وهي أن القول بتكفير العوام كان من الأقوال المستشنعة المنسوبة للمذهب الأشعري، في الحملة التي قامت ضدهم من جهة بعض ملوك السلاجقة في خراسان في منتصف القرن الخامس الهجري، والتي اضطر علماء الأشعرية للجواب عنها، فأجاب عنها أبو القاسم القشيري (ت 465هـ) في رسالته «شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة»، ونفاها عن الأشعري أبو محمد الجويني (ت 438هـ) في رسالة له، قبل وقوع الفتنة المذكورة[59].

وقد نسب القشيري في رسالته المذكورة هذا التشنيع للكرامية، ثم قال في جوابه: «والظن بجميع عوام المسلمين أنهم يصدقون الله تعالى في أخباره، وأنهم عارفون بالله مستدلون عليه بآياته، فأما ما تنطوي عليه العقائد ويستكن في القلوب من اليقين والشك فالله تعالى أعلم به، وليس لأحد على ما فى قلب أحد اطلاع، فنحن نحكم لجميع عوام المسلمين بأنَّهم مؤمنون مسلمون فى الظاهر، ونحسنُ الظنَّ بهم، ونعتقد أنَّ لهم نظراً واستدلالاً في أفعال الله وأنهم يعرفونه سبحانه والله أعلم بما فى قلوبهم»[60].

2- نقل أبو القاسم الأنصاري عن الجويني قوله: «في تكليف العوام النظر والاستدلال[61] في هذه المسائل التزام تكليف ما لا يطاق، فمآل هذا القول تكفير العوام. وإنما كُلِّفوا الاعتقاد السديد العري عن الشك والارتياب ولم يكلفوا العلم.. وهذا الاعتقاد الذي يُكتَفَى به من العوام لا يتأتى ولا يتميَّزُ عن اعتقاد المُخمِّن إلا إذا كان صادراً عن مبادئ النظر، وهو أن يستند إلى الدليل من حيث الجملة، وإن لم يحسن تحريره وتقريره، والانفصال عن الشبه التي تورد عليه، فإن العلم الحقيقي إنما يحصل عند هذه الأمور»[62].

وقال الجويني في «العقيدة النظامية»: «جماهير الخلق من أهل السنة على عقد صحيح في الدين يتعلق بالمعتقَد على ما هو به، ولكن عقدهم ليس بمعرفة، فإن المعتقَد لا يعرف ضرورةً، وجماهير الخلق لا يستقلون بالأدلة. ولو امتحن الملقّبون بالإمامة فضلاً عن العوام بدلالة قاعدة واحدة لبقوا فيها حيارى، فإذا كانت المعرفة لا تثبت دون الأدلة ولا تحصل ضرورة، ولا يستقل بالأدلة كل من يعاني الكلام أيضاً فمعظم العقود ليست معارف، ولكنها عقود مستقرة صائبة مصمّمة. وما كلف الله الخلائق حقيقة معرفته ودرك اليقين في الدين، والدليل على ذلك أن الأولين ما كُلِّفوا تتبع الأدلة، وإنما طولبوا بعقد مصمم وشهادة والتزام أحكام، وهم إن بقوا في عاقبتهم على عقدهم ناجون فائزون»[63].

3- وقال أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) في كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»: «من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفة من المتكلمين؛ كفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانياً»[64].

4- وقال السنوسي في «شرح أم البراهين» بعد أن اختار القول بكفر المقلد: «واستُشكِل القول بأن المُقلِّدَ ليس بمؤمن، لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدحُ فيما عُلِم أنَّ سيدنا ونبيَّنَا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً، وورد أن أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة.

وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصِّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان، بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة.

ولا شك أن النظر على هذا الوجه غيرُ بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل آخر الزمان الذي يُرفَع فيه العلم النافِع ويكثرُ فيه الجهل المضرّ، ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلاً عن المعرفة عند كثير ممن يُظنُّ به العلم فضلاً عن كثير من العامة، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»[65].

فهذه نصوص أئمة الأشعرية، وفيها التصريح بعدم تكفير العامة.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر هذه المسألة في كتابه «درء تعارض العقل والنقل»: «وكذلك ذكر غير واحد من أئمة الكلام؛ من أصحاب الأشعري وغيرهم، ذكروا أن المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورةً، وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم يقولون بإيمان العامة، إما لحصول المعرفة لهم ضرورة، وإما لكونِهِم حصَلَ لهم من النظر ما يقتضي المعرفة، وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة، ونقلوا صحة إيمان العامة عن جميعهم»[66].

ثم نقل ابن تيمية بعد كلامه هذا كلاماً للكيا الهراسي (ت 504هـ) تلميذ الجويني يقول فيه: «وأما علمائنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون، وأنهم حشو الجنة»[67].

فابن تيمية يحكي أقوال الأشعرية في إيمان العامة كما حكوها هم، وينقل ألفاظ بعضهم في ذلك.

ونسبة القول بتكفير العامة إلى الأشعرية إنما جاءت من بعض الطوائف الأخرى، فجاءت من الكرامية كما ذكره القشيري (ت 465هـ)، وجاءت من الماتريدية، إذ نسب شارح «الفقه الأكبر» إلى الأشعرية تكفير العوام، واستقبح قولهم[68].

وقد اتضح مما تقدم أن دفاع بعض الأشعرية المعاصرين عن مذهبهم في إيمان المقلد بنفي نسبة القول بالتكفير للمذهب غير صحيح، كما أن نسبتهم لأهل السنة القولَ بالتشنيع على الأشعرية بتكفير العوام غير صحيحة أيضاً.

وبعد أن انتهينا إلى هذا، وحصل المقصود، تجدر الإشارة إلى أمرين:

الأول: أن الأشعرية وإن لم يقولوا بتكفير العوام بناء على مسألة إيمان المقلد، فقد وقع في كلام بعضهم ذمّ العوام لعدم اعتقادهم لمسائل هي من خصائص المذهب الأشعري المخالفة لاعتقاد أهل السنة، ويكون العوام فيها على الفطرة والسنة، كمسألة إثبات العلو لله تعالى، وتأثير الأسباب في المسببات، وإثبات الحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى[69].

الثاني: أن القول بوجوب النظر التفصيلي سواء على الكفاية أو الأعيان؛ قد ينطوي على إيجاب الاستدلال بأدلة بدعية، كدليل الأعراض وحدوث الأجسام، فثمة حاجة للنظر في أقوال الأشعرية في حكم الاستدلال بهذا الدليل، لكن هذا البحث خارج عن المقصود، وإنما حسنت الإشارة له لتعلقه بالمسألة. والله أعلم.

 


 


[1] الطريقة النافية لوجود القول بتكفير المقلد في المذهب الأشعري نُسِبت للآمدي (ت 631هـ) في «أبكار الأفكار»؛ فنسبها له ابن زكري التلمساني (ت 900هـ) في نظمه «محصل المقاصد»، واللقاني في «نهاية المريد» (1/200-201)، والبيجوري (ت 1277هـ) في «تحفة المريد» (ص78)، وكلام الآمدي (ت 631هـ) في «الأبكار» (1/164)، وفي مراده من حكاية إجماع الأصحاب على خلاف قول أبي هاشم احتمالٌ، وهو أن يكون المحكي الاتفاق على خلافه هو القول باشتراط النظر التفصيلي للإيمان، وليس النظر الإجمالي.

وسلك هذه الطريقة: التقي السبكي (ت 756هـ) في فتاواه (2/365)، والجلال المحلي (ت 864هـ) كما نقله عنه اللقاني في «نهاية المريد» (1/199)، والوهراني (ت 929هـ) في «الجيش والكمين» (ص38).

وأشار السنوسي (ت 895هـ) في «شرح الوسطى» (ص38)، و«شرح الصغرى» (ص15) إلى إنكار بعضهم لوجوده القول بتكفير المقلد قولًا من أقوال الأشعرية.

[2] في النسخة المطبوعة: «ما ادعاه على مخالفه»، وينعكس بهذا المعنى. والتصويب من «عمدة القاري» (1/182).

[3] في النسخة المطبوعة: «الباحثين»، والتصويب من «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1 /204).

[4] «شرح الإرشاد» (1/142).

[5] «شرح الإرشاد» (1/142-143).

[6] انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).

[7] «المختصر الكلامي» (ص111).

[8] «شرح معالم أصول الدين» (ص660)، ونقل كلامه السنوسي في «شرح الكبرى» (ص41)، وذكر مضمونه اللقاني في «هداية المريد لجوهرة التوحيد» (1/199)، وقال: «وغلّطه فيه بعض أهل عصره، على أنه هو نفسه عزى لمن ذكر في بعض كتبه عدم الجواز، لا عدم الصحة».

[9] «شرح معالم أصول الدين» (ص45).

[10] «العقيدة الوسطى مع شرحها» (ص23).

[11] «شرح الكبرى» (ص12)، «شرح الصغرى» (ص14). ونسب في «شرح المقدمات» (ص94) القول بالاكتفاء لكثير من المحققين. وعلل اليوسي (ت 1102هـ) الاختلاف بين النسبة الأولى والثانية أنه في الأولى أراد جمهور الكلاميين وفي الثانية غيرَهم، أو أن في النسبة الثانية رجوعاً عن الأولى. «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/196).

[12] «حاشية الدسوقي على الصغرى» (ص55).

[13] «شرح الصغرى» (ص15).

[14] (ص75).

[15] «نهاية المريد» (1/197).

[16] (ص39).

[17] (ص13)، وذكر أن المشهور القول بصحة إيمانه مخالفاً السنوسي.

[18] (ص77).

[19] (ص35).

[20] (ص70).

[21] «حاشية الدسوقي» (ص57) و«حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/206).

[22] «حاشية الدسوقي» (ص56)، و«تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص41).

[23] «حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين» (ص56 -57).

[24] «الشامل في أصول الدين» (ص122).

[25] «المختصر الكلامي» (ص112). انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).

[26] وهو المسمى «عمدة أهل التوفيق والتسديد» (ص12-13).

[27] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).

[28] (ص38-39).

[29] (ص15).

[30] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).

[31] (ص56-57).

[32] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/206).

[33] في المطبوع (أو) والتصويب من «شرح السنوسي على الصغرى» (ص16).

[34] «المتوسط في الاعتقاد» (ص113-114).

[35] «شرح السنوسي على أم البراهين» (ص16).

[36] «حاشية الدسوقي» (ص62).

[37] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص39).

[38] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص40).

[39] «شرح معالم أصول الدين» (ص46).

[40] «المختصر الكلامي» (ص112). انظر «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (1/205).

[41] «شرح أم البراهين» (ص15).

[42] «حاشية الدسوقي» (ص56)، «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص41)، «تحفة المريد على جوهرة التوحيد» (ص77)، «حاشية الشرقاوي على شرح الهدهدي على أم البراهين» (ص45).

[43] «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص39).

[44] «حاشية الدسوقي» (ص62).

[45] (ص660).

[46] (1/163-164).

[47] «شرح المعالم في أصول الدين» (ص45).

[48] (ص113).

[49] «حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي» (ص45). ونقل الباجوري في «تحقيق المقام على كفاية العوام» (ص35) تقريرَ اليوسي في أن الدليل التفصيلي لا يتوَقَّفُ عليه الإيمان حتى عند من قال بوجوبه على الأعيان.

[50] (ص17).

[51] (ص45).

[52] (ص34-37).

[53] (ص55).

[54] (ص70).

[55] (ص30).

[56] «الدر الثمين والمورد المعين على الضروري من علوم الدين» لميارة (1/55).

[57] «درء تعارض العقل والنقل» (7/408).

[58] « درء تعارض العقل والنقل» (7/440).

[59] «تبيين كذب المفتري» (ص115).

[60] «طبقات الشافعية» للسبكي (3/419).

[61] أي: التفصيلي، بدليل ما بعده.

[62] «الغنية في الكلام» لأبي القاسم الأنصاري (1/245-246)، وقارن بـ« درء تعارض العقل والنقل» (7/440).

[63] «العقيدة النظامية» (ص268).

[64] «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» (ص75).

[65] «شرح أم البراهين» (ص17-18).

[66] «درء تعارض العقل والنقل» (7/357).

 [67] «درء تعارض العقل والنقل» (7/358).

[68] «شرح الفقه الأكبر» (ص15).

[69] انظر كلام السنوسي في «شرح الكبرى» (ص37)، وكلامه هذا في صدد مناقشته لعصريه ابن زكري التلمساني (ت 900هـ) الذي كان يعدّ فطرة العوام مجبولة على التوحيد، وإن عجزوا عن التعبير.