أمر الله تعالى عباده بأوامر ونهاهم عن نواهٍ كثيرة، ومما يدركه المرء ويشعر به في هذه الأوامر والنواهي التيسير والتخفيف لا التشديد والتعسير: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ } [النساء: 147]، فليس لله تعالى حاجة في أن يشق على عباده، ولذلك نجد أن خطاب التيسير والتخفيف غالب على كل الأوامر والنواهي الشرعية، وهناك باب واسع في الشريعة تحت عنوان عريض وهو باب الرخص، وهذه الرخص من التيسير والتخفيف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»[1]، وفي لفظ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه»[2].

فقد جعل الله تبارك وتعالى شدة الشيء وصعوبته سبيلاً للتخفيف والتيسير والتوسعة وقد صاغ الفقهاء لهذه الوقائع الكثيرة في الشريعة القاعدة الفقهية التي تقول «الأمر كلما ضاق اتسع»، وقد كان المرض الذي قد يبتلى به المرء أحياناً سبيلاً للتخفيف كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]، فكان عدم وجود الماء في المرض والسفر سبباً لترك الغسل عند الاحتياج إليه والانتقال إلى بدله وهو التيمم، وقد ختمت آية التخفيف بقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} دلالة على عفو الله تعالى ومغفرته وأن تشريعاته كلها فيها عفو ومغفرة، وكان التيسير والتبشير من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كما قال صلى الله عليه وسلم: «فعن أبي موسى قال كان رسول الله إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره، قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)»[3]، فالتيسير والتبشير هو المطلوب، والتنفير والتعسير هو المنهي عنه. مما يبين توارد الكتاب والسنة على الدلالة على التيسير والتخفيف في أحكام الشريعة، بل بلغ من التخفيف السماح لمرتكبي الجرائم بعد إقرارهم بارتكابها التراجع عما أقروا به، ودرء الحد عنهم بتراجعهم ذلك، بل كانوا يلقنون من قبل الحاكم الذي ينفذ الشرع الإنكار وعدم الإقرار بما يوقعهم تحت العقوبة، قال أبو أمامة: إن رجلاً أتى النبي فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقمه علي، قال: «توضأت حين أقبلت؟»، قال: نعم، قال: «هل صليت معنا حين صلينا؟»، قال: نعم، قال: «اذهب، فإن الله تعالى قد عفا عنك»[4]، فلم يبين ما هو الحد الذي ارتكبه وإنما أطلق الكلام، وهذا وأمثاله مما يدل على عدم تشوف الشريعة لإقامة الحدود على الناس طالما أنهم أبهموا الحد الذي أتوه ولم يبينوه، كما يبين حرص الشريعة على التخفيف والتيسير على المسلمين طالما لم تقم بينة كاملة تثبيت بالدليل ما هو الذنب أو المعصية التي أتوها.


 


[1]  أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني وصححه الألباني.

[2]  صححه الألباني في إرواء الغليل.

[3]  أخرجه مسلم رقم 1732.

[4]  أخرجه أبو داود وغيره وصححه الأرنؤوط.