ربط القرآن تغيُّر المجتمعاتِ بتغيُّرِ الإنسانِ، فقال تعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: ١١]، ولا يمكن أن تتغيرَ المجتمعاتُ دون وعيٍ أبداً، فالوعيُ من أهمّ مقوماتِ صناعة فعلِ التغييرِ. ومن الأمور التي تجب معرفتُها: حقيقة العصر الحالي؛ خاصة أنّ رسالةَ الإسلام عالمية، ما يستلزم الإحاطةَ بحقيقة السياسات العالمية، ومن يقف وراءها، وأهدافها، ولذلك يأتي هذا المقال لينقل الوضعية البائسة التي وصل إليها العالم في أهم المجالات، ويرسم الحلول الممكنة والعملية.

صحيح أن العالم اليوم عبارة عن مجتمعات ودول لها حدود وجغرافيا، غير أن العالم تحت راية النظام العالمي الجديد وبعد سيطرته على العالم بشكل أكبر بعد نهاية الحرب الباردة، فإن المشهد العام للحياة في ظل النظام العالمي لا يخرج عن ثلاثة عوالم - سنتعرض لها لاحقاً - تشكلت جرّاء سياساته التي لا تراعي العمل الأخلاقي، ما ألبس الحياة المعاصرة لباس الخوف والشقاء الحضاري، ولعل أصدق وصف له قد جاء على لسان المنظر السابق للعلمانية البروفيسور ليستر ثورو: «نظام لا تحكمه مبادئ بل تحكمه المصالح، ولكل شيء ثمنه، يخلق غابة من المجتمع، ينتج عنه الإجرام، والتشرد والظلم الاجتماعي»[1].

 العالم العربي والإسلامي.. عالم الحروب!

وهو العالمُ الذي يمثل بالنسبة للنظام العالمي خزان الطاقة الهائل، حيث يحتوي على أكثر من 60% من الطاقة، إضافةً إلى تنوع خيراته وموارده، وهو العالم المقدس بالنسبة للمتطرفين من الصهاينة والإنجيليين، باعتباره أرض النبوات، ومهد وملتقى الحضارات؛ الأمر الذي جعله محل صراع وتنافس قوى النظام العالمي.

وقد كانت صفقات التسلح الكبرى - مع تمكين أهمّ دول العالم الإسلامي والعربي من أسلحة فتاكة - ترمي إلى تحقيق جانبين خطيرين، الأول: تهيئة هذه المنطقة لحروب ونزاعات مسلحة مستقبلية خادمة لمخططاته، والثاني: الاستفادة مالياً من هذه الصفقات الضخمة.

ولقد كان الثمن الذي دفعه العالم الإسلامي جراء هذه السياسة الخطيرة فادحاً، فقد تسببت صفقات السلاح الموجهة، والنزاعات والحروب - التي غذّاها النظام العالمي بمكر شديد - في موت الملايين، وفي تفكك المؤسسات الاجتماعية والبناء الاجتماعي للعالم الإسلامي، وامتد أثر مخرجات هذه السياسة الخطيرة ليفتك بنفسيات سكانه، حتى استوطن اليأس النفوس، وهو أمر مقصود لشل الشعوب عن كسر طوق القهر، ودليل ذلك دعمه للحركات المضادة لثورات الربيع العربي؛ من أجل بث القنوط وطرد الأمل من النفوس.

ويمكن الإحالة - كدليل ومثال - إلى كتاب المحلل السياسي الأمريكي وليام بلوم: «قتل الأمل: التدخلات العسكرية والمخابراتية الأمريكية منذ الحرب العالمية»، وكتاب: «دولة الشر» للمؤلف نفسه، وكتاب: «رمال الإمبراطورية.. السياسة الأمريكية ومخاطر طموحها»، لمؤلفه روبرت ميري - رئيس تحرير مجلة الكونغرس الفصلية -، وقد تحدث فيه عن الحرب على الإرهاب، وصدام الحضارات، والمحافظين الجدد، والهيمنة الأمريكية، للوقوف على شهادات موثقة لمدى فساد سياسة النظام العالمي الجديد، واستعداده المستمر لشن حروب دموية من أجل مصالحه.

إفريقيا وآسيا.. السوق العالمية للنخاسة:

أما إفريقيا وآسيا فهما تمثلان الوجه البائس للكرة الأرضية، فالشركات العابرة للقارات لا ترى في سكان القارتين سوى مجموعة من «عبيد الصناعة»، لهذا يسمونهم بالأيدي العاملة الرخيصة، فهي تشتغل في ظل نظام عمل لا يختلف في جوهره عن روح الاسترقاق، التي كتب عنها البشر مئات الروايات.

 ولقد أظهرت التحقيقات التي قامت بها كبرى القنوات مشاهد الاعتقال الأليف (العمل المعاصر) في القارتين، حيث يمضي العمال في مصانع الشركات المتعددة الجنسيات أغلب حياتهم في العمل دون حقوق تذكر، فلا راحة، ولا ضمانات اجتماعية، إضافة إلى رواتب حقيرة جداً، هذه الأخيرة تمثل صورة حقيقية للنظام العالمي الجديد، الذي يبحث عن البشر الذين يضحون بكل شيء مقابل منصب عمل أجره لا يساوي ما يخصصه الغربي لكلبه أو قطه في الأسبوع الواحد، فأجر 20 عاملاً في هذه الشركات ولعقد مدته سنة واحدة، يساوي متوسط راتب رجل غربي في شهر واحد، الأمر الذي يصلح ليكون تفسيراً لقولهم: نريد عمالة رخيصة، وتكلفة أقل، وأرباحاً أعظم. فسلعهم اليوم تنتج بأرخص التكاليف، ثم تباع للضعفاء بأغلى الأثمان، حتى تستمر الهوة السحيقة بين عالم الضعفاء وعالم السادة في النمو المطرد.

وكمثال على ما سبق فإن تقرير «التنمية البشرية»[2] السنوي، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 2013، يشير إلى حقيقة الفقر الذي يلف جنوب آسيا مثلاً فيقول: «في جنوب آسيا يعيش 44.4 في المئة من السكان - أي حوالي 730 مليون شخص - على ما بين 1٫25 و2٫50 دولار في اليوم»، وفقاً لهذا التقرير، فإن هذه المنطقة تعد اليوم أفقر منطقة بالعالم، بفعل سياسات النظام العالمي الجديد، ويمكن أن نوضح ذلك بمثال من الواقع، ففي الصين تتحكم فئة مجهرية بحياة أكثر من مليار صيني، حيث أفاد تقرير «هورون» الذي تصدره مجلة «غلوبال ريتش ليست» أن عدد المليارديرات في الصين ارتفع بواقع 242 خلال عام ليصل إلى 596، حيث انضم الكثير من المديرين التنفيذيين في مجالي التكنولوجيا والصناعة لقائمة الأكثر ثراء»[3].

وحتى لا يُنافس أرباب النظام العالمي على خيرات إفريقيا، فإنهم يعمدون إلى استعمال السلاح البيولوجي، للتقليل من عدد السكان من جهة، وتنفير غيرهم من المجيء إلى هذه الأرض للاستثمار.

إن حالة آسيا وإفريقيا في ظل النظام العالمي الجديد تحقق ما قاله الاقتصادي الأمريكي ليستر ثورو، والذي كان من أنصار العولمة: «البحث في أقطار العالم كله عن أرخص الأمكنة إنتاجاً وأكثرها بيعاً، وأوفرها ربحاً، وذلك باستعمال التكنولوجيا الجديدة في الإنتاج والتجارة، والاتصال والتعليم، والإدارة، وتأهيل الإنسان، وتدريبه، على التكيف مع هذا كله»[4]، ويمكن تفسير قول ليستر بكلام طويل لبيتر جارفيس ملخصه: «تشكل ذلك طبقاً لمصالح الشركات العالمية الضخمة التي برزت مفرطة القوة بعد انتهاء الحرب الباردة»[5]، إنّ اثنين من أغنياء العالم يملكان ما تملكه إفريقيا الفقيرة، الأمر الذي لا يمكن وصفه بأكثر من كونه أحد أبشع فترات التاريخ مالياً واقتصادياً وأخلاقياً.

أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية.. سوق الرقيق الأبيض:

أما أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية، فإنهما لم تتخلفا عن التلبس بمظاهر الفساد التي خلفتها سياسات النظام العالمي، فهما بشقيهما تمثلان مصدر عالم الإباحية، وتجارة الرقيق الأبيض حتى بلغت الأرقام التي تطرحها المنظمات الغربية الملايين[6]، ويدعم هذا انتشار الخمور والمخدرات القادمة أيضاً من أمريكا اللاتينية.

إن الإحصاءات المنشورة في تقارير التنمية البشرية - يمكن الرجوع إليها للاستزادة - تشير إلى أرقام مرعبة حول خفايا هذا العالم البائس، الأمر الذي أدرك خطورته عقلاء الغرب، وجعلهم يصرخون في الشعوب لتنقذ نفسها من النظام العالمي، حيث يقول هانس بيتر مارتن، وهارالد شوفمان في حديثهما عن العولمة: «إنها - سياسة - تقسيم العالم إلى مجتمع الخُمس الثري، ومجتمع الأخماس الأربعة الفقراء.. إنه في ظل هذا التقسيم صار كل شيء في هذا العالم موجوداً في كل مكان، ولكنه محكوم بدكتاتورية قوامها شريعة الذئاب، وإعلامها الأكاذيب المخدرة للضمائر»، ولذلك يهيب المؤلفان بمجتمعات العالم التي تقع ضحية هذا الظلم أن تنقذ نفسها، وإن كان الشك بقدرتها كبيراً لأن هذه المجتمعات وقعت في قبضة العولمة وديناصورات المال»[7].

حلول عملية لمواجهة سياسات النظام العالمي الجديد:

إن تقرير الحالة التي انتهى إليها العالم لا يعني بالضرورة أنه محاولة لتكريس اليأس، لكنه خطوة تسبق العمل، وقبل ذكر الحلول، فإنه من الواجب إعادة التذكير بالحقائق التالية:

أولاً: لا يوجد حلول سحرية، فالحياة مبنية على سنن كونية واضحة.

وثانياً: تقرّر أنّ الحلول الموسمية العنيفة لم تزد هذا النظام إلا توحشاً.

ثالثاً: نزول آية «اقرأ» في ظرف زمني مشابه للظرف الذي نعيشه هو: إشارة إلى أن الوعي أفضل سلاح؛ لأنه يلامس المكان والزمان والإنسان.

التوصيات:

•    إثارة هذا الموضوع وسط النخب العالمية المناسبة، من خلال عقد مؤتمرات دولية تجمع أهم خبراء المسلمين وعقلاء وأحرار العالم، وهذا أبرز حل حالياً؛ لأن هذه الملتقيات كفيلة بوضع الآليات والخطط المناسبة لهذه المعضلة العالمية، ولا يمكن لمقالة صغيرة أن ترسم الحل الأمثل.

•    الانضمام لكل الجهود الجدية التي تدعم المشاريع المناهضة للقطبية الواحدة، والسعي لإحداث توازنات داخل كل المؤسسات العالمية المهمة.

•    إحياء المسلمين سنة الوقف؛ وسبب التركيز عليه أنه وسيلة مهمة لاستقلال جهود المثقفين والمصلحين، ويتيح تفرغهم لمجابهته بالوسائل المناسبة.

 أخيراً، يجب أن يتقرر في الذهن أن مواجهة هذا الخطر تحتاج وقتاً وصبراً طويلاً؛ حتى تصل الجهود غايتها.

  


[1] أزمة نظام الرأسمالية والعولمة في مأزق، عبد الحي يحيى زلوم، ص251. 

[2] تقرير التنمية البشرية2013، السنوي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.  

[3] مجلة غلوبال ريتش ليست: (https://goo.gl/zmjz0j ).

[4] luster thurow, fartune Face the Boldk new york: harper collins Publishers, 2003, PP33-34.

[5] Peter Jarvism Universities and Corporation University, London: Kegan Page Limited, 2001.

[6] مركز هيدرا فولت للدراسات: ( http://ar.cyclopaedia.net/wiki ).

[7] وكالة آي بي إس  العالمية.