في إثر كثير من المصائب الواقعة بديار المسلمين اليوم يتردد سؤال كبير: أين علماء المسلمين؟! وتارة يطرح هذا السؤال بنبرة غاضبة، وتارة أخرى بنبرة ساخرة!

ومع شدة هذا الخطاب الذي ينعي على العلماء ويلقي عليهم بالتبعات فإنه يجب ألا تغيب عن المتأمِّل حقيقة ظاهرة لا تخفيها العبارة الغاضبة، تلك الحقيقة هي: وعي الأمة بمسئولية علمائها ومرجعيتها إليهم!

إن الأمة اليوم تستحضـر - وهي تعاتب أو تغاضب - أن العلماء الربانيين هم الرعاة الحقيقيون وولاة الأمر الجديرون! فهم - برغم العتاب - ممن فرض الله في المعروف طاعتهم، وأمر بمحبتهم، وجعلهم بمنزلة الموقِّعين عن ربِّ العالمين، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: ١١]، فلا عجب أن يرجع الناس إليهم في المُلِمَّات، وأن يصدروا عن فتاويهم في المهمَّات!

وهذه المنزلة التي يحتفظ بها الناس في قلوبهم للعلماء إنما هي لكونهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيين لما مات من سنته، فهم أخشى الناس لله، وأعرفهم بشرعه وهداه، ورثة الأنبياء، وصفوة الأولياء، وهم أهل الحديث والأثر، وأهل الفقه والنظر، وفي الحديث: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً، وَلَا دِرْهَماً، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»[1].

وفي تاريخنا الراشد عرف المسلمون حكامهم بوصف العلم، كما كانت صفة من حكم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكذا كان حال بعض من حكم بعدهم، كعمر بن عبد العزيز.

فاجتمع في الراشدين العلم والدين، والزهادة والقيادة، والكفاية والدراية مع العدالة والأمانة، فكان الواحد منهم حاكماً عالماً قدوة.

ثم ما لبث أن انفك الحكم عن العلم والقدوة، وافترق السلطان عن القرآن، ثم دار الزمان دورة أخرى فانفك العلم عن القدوة إلا ما قلَّ وندر!

وقرَّب السلطان بعض من اتخذ الدين حرفة وصنعة، لا عبادة وقربة! فصاروا يقولون الباطل ويزيِّنونه، ويكتمون الحق وبالباطل يلبسونه.

وصدق قول الله تعالى في بعضهم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ 175وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176].

ومع تحكِّم النحلة اللادينية المسماة بـ«العلمانية»، أُعلنت الحرب على المؤسسات العلمية، وغُيِّبَ عن الشأن العام العلماء الربانيون والدعاة الصادقون.

ومع امتداد الزمان وتعاقب الأعوام تمكنت العلمانية من تقليص واجب العلماء في أذهان بعضهم حتى استقر في وعي كثير من الخاصة أن العلماء ليس لهم واجب في الشأن العام سوى مجرد بيان الأحكام، وعليه فقد أصبح من أوجب واجبات الوقت على العلماء أن يستعيدوا الوعي الصحيح بمسئوليتهم الشرعية والتاريخية التي أنيطت بهم نحو أمتهم.

ومع التسليم بضعف الأمة في أزمانها المتأخرة، وأن العلماء إنما هم جزء من أمتهم، غير أنهم أقدر الناس على تشخيص الخلل، ومعرفة موطن الداء، ووصف الدواء، تارة بالإفتاء، وتارة أخرى بالقدوة والاهتداء.

وإذا كانت حاجة الأمة قديماً إلى الفتيا الراشدة والقدوة الصالحة ماسة؛ فإن الحاجة إليها اليوم أشدُّ وأبقى؛ لتمخض هذا الزمان عن نوازل لا عهد للسابقين بها؛ بل عرضت اليوم قضايا لم يخطر ببالٍ وقوعها.

ومما لا شك فيه أن الفتيا المنضبطة والقدوة الصالحة تجمع الكلمة، وتقضي على الشذوذ في المواقف العلمية والعملية، وتردُّ مرجعية الأمة إلى علمائها الربانيين، وفقهائها المعتبرين، المشهود لهم بالفقه في الدين، وتقوى ربِّ العالمين.

وكثيراً ما تساءل البعض: ما واجب العلماء اليوم؟ وكيف يمارسون هذا الواجب في ظل التحديات الهائلة في واقعنا المعاصر؟

وفيما يأتي معالم مهمة في واجب العلماء في كل عصـر ومصـر، ولدى النوازل المعاصـرة وفي الشأن العام بشكل أخص:

أولاً: البيان عن الله تعالى، والبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان أول ما أخذ الله الميثاق على العلماء أن ألزمهم البيان وعدم الكتمان: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187].

كما لا يحل للجاهل أن يسكت على جهله؛ فالأول يُعلِّم، والثاني يسأل ويعمل. وكما أوجب الله البيان ابتداءً أوجب الإجابة والرد على السائل انتهاءً؛ قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]؛ فإن امتنع العالم عن الإجابة مع قدرته، وأمن العاقبة، وشدة الحاجة إلى علمه؛ فقد دخل تحت وعيد قول الله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]، وفي الحديث: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَة»[2].

ثانياً: تربية الأمة على معاني الإيمان بآيات القرآن وسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم:

ومما لا شك فيه أن البلاغ العلمي واجب لا يغني عن واجب التربية والتزكية للأمة، وقد قال الله تعالى عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم في أمته: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ} [الجمعة: ٢]، فبدأ بالتلاوة، وثنَّى بالتربية، وثلَّث بتعليم القرآن والسنة.

وأهل العلم هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في مهمته، وبلاغ رسالته علماً وعملاً، قولاً وحالاً.

فليس للعالم الرباني أن ينعزل عن أمته وآلامها وآمالها، بل عليه يسعى فيها بالعلم، والتربية على العمل بهذا العلم، والتحلي بالفضائل، والتخلِّي عن الرذائل، والسعي للتمكين لهذا الدين، وإقامة دولة الإسلام في قلوب العباد شرط لإقامتها في ربوع البلاد.

والعالم المربِّي هو من تربَّى على يدي شيخه، كما قال الشاطبي رحمه الله: «أن يكون ممن ربَّاه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير أن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح»[3].

ثالثاً: توعية الأمة بأعدائها، وبيان سبيل المجرمين:

إن تهيئة الأمة للمطالبة بإقامة شرع الله في الأرض، وأداء ما أوجب الله من الفرض يمر باستبانة سبيل المجرمين، والمرابطة على ثغور الأمة العلمية والعملية؛ حمايةً للدين من كيد الكائدين، وعبث العابثين.

ورفعُ وعي الأمة ينفي عنها الغثائية المذمومة، ويحقِّق لها الهوية الإسلامية والخيرية الشرعية، وكما أن العلم بالخير سبب إلى فعله، فإن العلم بالشر سبب إلى منعه.

وإذا كان قد تعارف الناس في هذا الزمان أن تلك البصيرة بالشرور والمفاسد مسلَّمة للساسة - فهم من يطَّلع عليها ويسبر أغوارها - فإن هذا لم يكن مما مضى عليه عمل الأمة لثلاثة عشر قرناً من الزمان، والاستسلام لهذا إنما هو استسلام لما فرضته العلمانية على العلماء من حصار، وما ضربته عليهم من عزلة.

والأصل أن وعي الأمة عبر علمائها أكبر من وعيها عبر قنوات أخرى تُغفل التأصيل الشرعي، أو تفتتن بالبهرج والزيف المادي، أو تتردى في النظرة التآمرية، أو تستسلم لهزيمة عسكرية، أو تقنية، والله تعالى يقول: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 193]، فالعلماء يقومون بهذا الواجب في إطار من الربانية التي تمثل ضمانةً من الفتور والضعف، أو الهزيمة النفسية، وسعياً قاصداً للوحدة والألفة وجمعِ الكلمة، وتوازناً ربانيّاً لا يضطرب ميزانه بين فهم الواقع ومراعاته، والإعراض عنه وإهماله، وبين الولاء للحق وتقريره، ومعرفة أقدار الرجال.

رابعاً: القيادة:

باجتماع المهام العلمية والتربوية والدعوية والتوعوية في العلماء تجتمع لهم أسباب القيادة، وينعقد لهم لواء الولاية على الأمة، ولقد حفظ التاريخ أمثلة ناطقة بقيادة العلماء للأمة، فكان العلماء - بما مثلوه ومارسوه من الولاية على الواقع - هم من يولِّي ويعزل، ويحاسِب ويراجِع، ويرجع إليهم الناس إذا سقطت الدولة أو ضعفت، ويقومون بما عنه عجزت من المهام والولايات، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب، والحث على الجهاد، وإقامته لمواجهة الأعداء، ولا تنسى الأمة جهاد وجهود أئمة الدين؛ كالعز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، وابن تيمية، والمنذر بن سعيد البلوطي، ومحمد بن عبد الوهاب، وابن باديس، والبشير الإبراهيمي، وعز الدين القسام، وعبد المجيد سليم، ومحمد الخضر حسين، ومحمد رشيد رضا، وحسن البنا، وغيرهم رحم الله الجميع.

فلا تستوي قيادة العلماء - إذا تأهَّلوا بعلوم العصر بعد علوم الشرع - وقيادة غيرهم، لاسيما كثير من الساسة الذين خلا وفاضهم عن العلم والتقى، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٩].

فإن قال قائل: كيف يمارس العالم واجبه اليوم في ظل تحديات كبيرة، وتعقيدات شديدة، وتنحية للعلم والدين عن الحياة والدولة، بل واضطهاد للعلم وأهله، وتجهيل لهم وتغييب؟!

فالجواب:

أولاً: لقد وعد الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ببقاء طائفة على الحق ظاهرة، أولى الناس بها هم العلماء المتبعون، والفقهاء المربون، وقضى الله عز وجل أنهم منصورون بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان، وأنهم لا يخلو عنهم زمان، فإن لم يكونوا في موضع القيادة يوماً فهم في سبيل تحصيلها، وتملك أسبابها.

ثانياً: لا تتأتى للعلماء قيادة حتى تجتمع لهم بعد العلم والاتباع والقدوة علوم العصر من: الإدارة، والسياسة، والاجتماع، وتجارب الأمم، وعلوم النظم، ثم دربة وممارسة وتأهيل عملي بعد النظري، وأخيراً فلا تتأتى للعلماء قيادة عامة قبل أن تكون منهم ولهم في أنفسهم قيادة تجمع شتاتهم، وتنسق جهودهم.

ثالثاً: قيادة العلماء كما وقعت بأنفسهم، وبمباشرة منهم، وقعت أيضاً بالتحالف مع شطر أهل الحل والعقد، وهم الأمراء وأصحاب الشوكة والسلطان، وقد تحقق من وراء ذلك مصالح كبرى للأمة المسلمة، فإذا لم يتملكوا أسباب القيادة بأنفسهم - لسبب أو لآخر، ولظرف أو لآخر - فلا يمتنع أن يتملكوها بغيرهم ممن يطيعهم.

رابعاً: لقد اشتغل نفر من علماء الشيعة بالسياسة، فحكموا دولة كبيرة، وتمددت دولتهم إلى دول قريبة وبعيدة، واستطاعوا أن يمارسوا السياسة، فيحققوا من وراء ذلك مصالح لمذهبهم، ومنافع لدولتهم، وإن كانت دولتهم أنموذجاً للدولة الثيوقراطية قريبة الشبه بدولة الكنيسة.

وهذا إنما يساق ليبرهن به على أن العلماء وطلبة العلم قادرون على تحقيق كثير من الأمنيات، إذا تحولت إلى مشاريع عملية واضحة المعالم والقسمات.

خامساً: الميسور من أعمال الشرع لا يسقط بالمعسور، وضعف العلماء والدعاة من ضعف أمتهم، والسعي لتكثير الخير، وتقليل الشر، والتناصح والتعاون مع ولاة الأمر واجب شرعي، وكما تورث قيادة الأمة من يتصدى لها من الصالحين قوة الصلة بالله، والانكسار والانطراح بين يديه على باب سؤال التوفيق والتسديد، فإن في اجتماع الأمة على قيادة علمائها ما يشدُّ عزائمهم، ويثبت أفئدتهم، ويحمي ظهورهم، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

وما دامت أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين منشورة، وفتاويهم في أرجاء البلاد مشهورة، وجليل أعمالهم وعظيم آثارهم مذكورة ومشكورة؛ فإن جيوش تلك الدولة بإذن الله غالبة ومنصورة، وحرمات الأمة مصونة وموفورة، وفي التاريخ والواقع برهان لائح، ودليل واضح.

سادساً: للتغيير والإصلاح وقيادة المجتمعات سنن إلهية، وقواعد ربانية، لا يجوز تجاهلها، وهي غلَّابة لا تغالَب، ومراجعتها والسعي وفقاً لها أحرى لإنجاح المقاصد، والنصر والتمكين إنما يتنزل على المستحقين؛ قال تعالى: {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِـمِينَ} [البقرة: 124]، والنصر - غالباً - إنما يكون وفقاً لسنن الله الجارية، لا الخارقة.

والواجبات إنما تناط بالقدرة والاستطاعة، فلا واجب مع عجز وعدم قدرة، ولا محرم مع اضطرار وضرورة.

سابعاً: يجب على العلماء والقيادات الدعوية أن يفهموا، وأن يقتنعوا أنه لا بد من تغيير أنماط التفكير، وثوابت الممارسة في قضايا الأمة والشأن العام، كذلك في الدعوة والحركة، وأساليب قيادة الجماعات والمجتمعات، وأن يتخلصوا من أسر فكرة أو وسيلة دعوية ما لمجرد نجاحها فيما مضى، فقد تكون فاشلة اليوم، أو معوِّقة للمصلحة العامة للأمة.

ومن ذلك: فكرة الجماعة المتحزبة ذات الجدران الصلبة والتنظيم غير المرن! فإنها اليوم - في كثير من المواطن، ولأسباب متعددة - لم تعد مجدية، والمحافظة على شكل ما، أو وسيلة ما، ولو أفضت إلى إشكالات أو انهيارات - ليست من القيادة الرشيدة في شيء.

ولعل أسلوب التحالفات والتيارات، وبناء الشبكات، والنظم المرنة أنفعُ للحركة الإسلامية اليوم وأجدى من غير شك!

وفيما يتعلق بالبناء الفكري أو العلمي فلا يجوز المساس بأصول وثوابت عقدية، أو منهجية لأهل السنة شريطةَ أن تكون ثوابت بالفعل.

ثامناً: إفساح المجال لأهل العلم القادة، ولشباب طلبة العلم الدعاة لإنجاز فكرة ومشروع التيار السني الواحد قطريّاً، ودعم الصفوف الثانية في هذا التوجه من شأنه أن يحقق فريضة شرعية، ويدفع ضرورة واقعية، ويستجيب لمطلب دعوي، وينجز مهمة سياسية طال انتظارها، ويحقق تجديداً مستحقّاً منذ زمن طويل، وهو كالشرط للخروج من هذه الأزمة، والله تعالى يقول: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال: 46].

تاسعاً: يتعين على العلماء والكبار أن يقودوا ويوجهوا قاطرة التحول نحو الانفتاح على الآخر السني من جهة، والتواصل مع الآخر المسلم من أهل القبلة من جهة أخرى؛ بما يحقق مصلحة الأمة، ويدفع عنها غوائل الاستطالة على أرضها، ومقدساتها، وأعراضها!

فإن لم يفعل الكبار فسيصبحوا جزءاً من المشكلة التي ستشوه تاريخهم، وتقتلع جذورهم! وفي كل الأحوال ستطوي الأجيال صفحتهم، وتتجاوزهم إلى مأمول، قد تطول رحلة الوصول إليه!

عاشراً: في كثير من الأحيان افتقدت الدعوات والرموز الكبار تخصص الإدارة والإستراتيجية، واليوم في ظل الحرب المعلنة، والاتهامات المعلَّبة، والسموم المغلَّفة فإن افتقاد الدعوات لخبراء الإدارة والإستراتيجية، الذين يعملون في بناء رؤية الأمة الواحدة من خلال التيار الواحد قطريّاً؛  قد يؤدِّي إلى استمرار حالة التيه العملي، والتخبط في المسار، والفوضى في الممارسات، وهذا تشديد على أهمية هذه النوعية من الخبرات، بشرط انتمائها الصادق لمشروع الأمة الإسلامية الواحدة.

حادي عشر: فلسفة المواجهة الشاملة للتحديات اليوم إنما تقوم على جمع القوى المادية والمعنوية كافة لمواجهة حالة التفكك والانحلال في الدول، والجماعات، والعلاقات، ومحاولة تأسيس وبناء تحالف أوسع، وتيار أشمل، وقيادة أكبر في مجتمعاتنا ودولنا؛ لتلافي أخطار محدقة، وتعويض نقص حاد في القيادة الموثوقة، وتجديد الثقة لدى جموع الشباب المأزومة.

ثاني عشر: تفاؤل من غير سعي، أو استبشار من غير عمل، أو رجاء بدون أخذ بالأسباب؛ كل ذلك نوع من الاغترار، أو الغفلة عن سنن الله في المجتمعات، وقيام وأفول الدول والحضارات.

وما أكثر المحبطات ونذر الفشل! ولكن الثقة بموعود الله، والرجاء في رحمته تَحُولُ دون تملُّك اليأس للقلوب شريطةَ أن تُبذل أسباب الشرع والواقع!

والله عز وجل يقول: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]. ويقول سبحانه: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: ١١].

  وأخيراً: يتعين اليقين بأن المصائب العامة والخاصة مرتبطة بأسبابها، وقد قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} لأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم لما قالوا: {أَنَّى هَذَا} [آل عمران: 165]. وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

إن التوبة من ظاهر الإثم وباطنه من أول الواجبات، وألزم المهمات، وهذا لا يُستثنى منه الأفراد ولا الجماعات، قال تعالى: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

فاللهم ارزقنا عملاً تفتح به علينا خيراً، وتنزل به من لدُنك نصراً.  والحمد لله أولاً وآخراً.


 


[1] جزء من حديث صحيح، أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وأحمد (21207).

[2] أخرجه أبو داود (3227)، والترمذي (2696)، وابن ماجه (263).

 [3] الموافقات، للشاطبي (1/66).