إقرار مسألة التغلب على ولاية الأمر لم يثبت بنص شرعي ولم ترشد إليه أدلة الشرع بطريقة مباشرة ولو على سبيل الإجمال، وإنما أجاز مسألة التغلب على ولاية الأمر بعض الفقهاء، استثناء من أصل الاختيار المبني على شورى أهل الحل والعقد وهم المخولون بالاختيار دفعاً للمفسدة الكبرى التي هي ضياع مقصود الخلافة من الحفاظ على الشريعة والقيام بمصالح المسلمين، والفقهاء إنما لجأوا إليها لحل بعض الإشكالات الناتجة عن وثوب بعض محبي الاستيلاء على مقاليد الأمور بغير اختيار من أهل الاختيار وبغير حاجة تدعو لذلك، وذلك الإقرار من باب جلب ما يمكن جلبه من المصلحة ودرء ما يمكن درؤه من المفسدة، ومن ثم لا يوجد رضا أو قبول شرعي لشرعية ولاية التغلب ولا يوجد امتداد شرعي لها كامتداد النصوص الشرعية العامة التي تشمل الزمان والمكان، وذلك لافتقادها إلى نص شرعي تستند إليه أو تتوكأ عليه.

فولاية الأمر ابتداء، أو انتقالها من متوليها بحسب شروطها ومواصفاتها إلى مستحق لها استوفى شروط الاستحقاق كافة، تتم عبر شروط وأوصاف ومسالك شرعية بينتها أدلة الشرع، وليس من بينها يقيناً القبول باتباع سياسة فرض الأمر الواقع والتسليم والاستكانة له، لكن حدث في وقت ما من تاريخ الإسلام إقرار ما اصطلح على تسميته بولاية الأمر عن طريق التغلب ومن الممكن التأريخ لذلك ببداية تولي معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما للأمر بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عام أربعين من الهجرة فيما سمي بعام الجماعة، ومن ذلك التاريخ بدأ يتحدث الفقهاء عن طرق تولي الولاية وأدخلوا فيها طريق التغلب، وذلك بعد استقرار هذه الطريقة وشيوعها في الواقع، فلم تعد غريبة ولا شاذة فقعدوا لها القواعد وذكروا أوصافها وشروطها وضوابطها تخفيفاً لما فيها من مفاسد الاستطالة أو التطاول في غير محله والإجحاف بحق أصحاب الحق الأصلاء في التولية.

ولو تتبعنا كيفية تولي الأمر في كثير من الولايات الشرعية في التاريخ الإسلامي بعد الخلافة الراشدة لوجدنا أن التغلب المغلف بالتوريث هو السيرة الأكثر شيوعاً، وإن أخذت في الظاهر الذي لا حقيقة له صورة الاختيار المبني على شورى أهل الحل والعقد، وقد ترتب على إقرار مسألة التغلب استيلاء أهل البدع على مقاليد الأمور في حالات كثيرة من تاريخ أمتنا بغير مدافعة ولا ممانعة، ولم تكن فتنة البساسيري إلا إحدى نتائج هذا التغلب الفاسد، حيث أخرج الخليفة القائم فحبسه بقلعة الحديثة، وحتى وجدنا نتيجة لذلك من يُحجر عليه من الولاة، ليس هذا فحسب بل وجدنا منهم من سملت عيناه بالحديد حتى يفقد بصره فيظل قعيداً ليس له قدرة على التصرف ولو في الأمور اليسيرة، من ذلك ما جاء في سيرة الخليفة العشرين من بني العباس فقد ورد في سيرته ما يلي: «العشرون من خلفاء بني العباس بالعراق الراضي بالله وكان محبوساً فأخرج وأجلس على سرير القاهر وسلموا عليه بالخلافة وقد أقيم القاهر بين يديه بعد أن سملت عيناه»، وقد وسمت الولاية في تلك الفترة بولاية الاستيلاء وهي التي تنعقد على اضطرار بأن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها ويفوض إليه تدبيرها فيكون باستيلائه مستبداً بالتدبير والسياسة والخليفة بإذنه في الأمور منفذاً لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى الصحة»[1]، وهذا بلا شك تصحيح صوري وليس حقيقياً لأنه ناتج عن قهر وإجبار وليس عن رضا واختيار من أهل الاختيار. 

والمراد بالتغلب أن يستولي أحد من الناس على منصب ولاية الأمر عند خلو منصب الإمامة بغير اختيار ممن لهم حق الاختيار اعتماداً على ما تحت يديه من قوة تمكنه من ذلك، سواء القوة العسكرية المتمثلة في جند يطيعون أمره وينفذون تعليماته أو قوة قبلية أو قوة وراثية.

وخلو المنصب هو إحدى الصورتين من تولي الأمر بالتغلب، والصورة الأخرى أن لا يخلو المنصب ولكن يتم اغتصابه والاستيلاء عليه بالقوة من صاحبه الشرعي بعدما يؤذى فينفى أو يحبس أو يقتل بما عرف في أيامنا هذه بالانقلاب العسكري.

والتغلب على الحكم له أسباب ونتائج فمن أكبر أسبابه الرغبة في العلو في الأرض والاستئثار بحظوظ الولاية ومنافعها، ومن النتائج الباطلة للتغلب اعتبار كل متغلب على ولاية الأمر يدين بالإسلام ولو بمجرد التسمي بأسماء المسلمين والياً شرعياً تجب طاعته والدفاع عن ولايته والقتال دونها حتى قبل أن يكتمل تغلبه وتستقر ولايته ويزعم أن ذلك ما دل عليه فعل السلف الصالح، وقد يطرد البعض تلك المقولة الفاسدة على كل متغلب فيسقط شرط الإسلام من ذلك وخاصة في أيامنا هذه، فيقرون بالولاية لكل متغلب أياً كان دينه، فيلزمون الناس بطاعته والدفاع عن ولايته في مقابل من يخرج عليه ولو كان الخارج مسلماً سليم العقيدة مستمسكاً بالشرع. ولو كان المتغلب كافراً بأن كان مرتداً، أو يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، أو رافضياً، أو منافقاً، أو علمانياً يقر بفصل الدولة عن الدين، أو ملحداً؛ فيعدونه ولياً للأمر بالتغلب تجب طاعته.

والمتغلب على الأمر إذا كان مسلماً فهو باغ معتد متجاوز لحده فاسق بتغلبه على الأمر، وإذا كان كافراً على ما وصفت فلا ينبغي إقراره أو السكوت عنه، بل تجب مدافعته بكل ما لدى المسلمين من قوة وعتاد، وقتاله وقتال من يقف في صفه وتحت إمرته ويلتزم طاعته، إذا كانت هناك قوة على ذلك.

ولا يجوز التنازل عن الحكم للمتغلب سواء كان المتغلب مسلماً أو كافراً، لأن التنازل يحول المسألة لفوضى عارمة، ويفتح شهية محبي العلو للتغلب عندما تلوح أدنى فرصة، وقد يحتج البعض في جواز ذلك بتنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عن الولاية لمعاوية رضي الله تعالى عنه، وهي حجة باردة بل شبهة لا تروح إلا على من كان عريا عن العلم الصحيح، فالحسن صحابي ومعاوية كذلك، رضي الله تعالى عنهما، وكل منهما محكم للشرع مستمسك به، وما كان بينهما من قتال دخلته أوجه شبه كثيرة تدخلها التأويلات، ولم يكن تغلباً خالصاً عارياً عن تلك الشبه والتأويلات، وعندما آل الأمر لمعاوية عام الجماعة ساس الناس بالحلم الشديد ولم يسسهم بالقهر والظلم، فالمتغلب الذي يمكن إقراره والسكوت عنه هو المتغلب الذي وجد بعد اختلاف كبير بين المسلمين وتقاتل ثم استقر أمره ولم يعد لمخالفه أدنى قوة أو تأثير يؤثر بها في مجريات الأمور ودانت له المؤسسات المؤثرة بالسمع والطاعة كلهم يقول هذا إمام كما قال أحمد بن حنبل رحمه الله، وحكم شرع الله وساس الناس بالعدل والرحمة ولم يسسهم بالظلم والقهر، فهذا الذي يمكن قبوله والسكوت عن ولايته وإقراره على تغلبه.


 

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.


[1] مآثر الإنافة 1/75.