استقل بجزء صغير من ساحل الأندلس الشرقي، في بداية عهد ملوك الطوائف، فجعل البحر ميداناً لفتوحاته، وعلوم القرآن واللغة طريقه لبلوغ المجدد والسؤدد، ولم يلبث أن صار أسطوله أقوى الأساطيل في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وصار اسمه يبث الرعب في قلوب النصارى في غرب أوربا، كما لم يلبث فناؤه أن صار قبلة للمقرئين واللغويين والأدباء، ولم يستطع الحكام النصارى مواجهته في معركة حاسمة إلا بعد أن تكتلوا ضده، ومن خلال حملة صليبية بحرية ضخمة دعا إليها البابا، وشارك فيها أمراء جنوة وبيزة وفرنسا وبرشلونة. ولسوء حظه فإن هذه الحملة الصليبية ضده تزامنت مع تعرض أسطوله لعاصفة بحرية مدمرة أصابت قدرته على الدفاع بالشلل التام، مما جعل هزيمته على أيدي تلك القوى الصليبية تحصيل حاصل، ومع ذلك فلم يتراجع أو يفقد سمعته كأعظم قائد بحري في غرب المتوسط في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وظل اسمه كابوساً يقض مضاجع الصليبيين في تلك المنطقة لعدة عقود. فما هي قصة هذا الأمير المغامر الرهيب والعالم اللغوي الأديب؟

من هو مجاهد العامري؟

كان مجاهد العامري أحد الأرقاء الذين جلبوا صغاراً من أسواق الرقيق، ودخلوا في خدمة المنصور محمد بن أبي عامر (366-392هـ)، حاكم الأندلس الغازي الداهية الشهير، وكانوا من مماليكه، وذلك بعد أن أشرف بنفسه على تنشئتهم وتكوينهم: علمياً وأدبياً وعسكرياً وإدارياً وسياسياً، وشاركوا في غزواته وفتوحاته وسائر أعماله أيام مجده وفي عز سلطانه، وكانوا من المقدمين في جيشه وفي بلاطه، ومن الموثوق بهم عنده، لما أظهروه من طاعة وإخلاص، ولما امتازوا به من فروسية، وشجاعة، وذكاء، وبسالة، وجلد، ومن قدرة على تنفيذ ما يوكل إليهم من مهمات، ولذلك فقد نُسب إليه هؤلاء المماليك، نسبة ولاء، فقيل الموالي العامرية، أو الفتيان العامريون، وكان مجاهد من فحولهم. وقد اختلف المؤرخون في أصله، هل هو صقلبي أم رومي أم عربي أم إسباني؟ ونحن لا يهمنا هذا، ما يهمنا هو أنه نشأ نشأة إسلامية عربية، على مائدة القرآن والسنة، وتلقى العلم في قرطبة العامرة، مع أبناء الأمراء والبيوتات العريقة، «وكان المنصور قد رباه وعلمه مع مواليه القراءات والحديث والعربية، فكان مجيداً في ذلك»، ثم كان بعد بروزه، وخلال فترة ما والياً للمنصور على دانية وجزر الأندلس الشرقية المحاذية لها في البحر المتوسط، ومن ذلك، ولا شك، استمد خبرته الواسعة في مجال البحر وصناعة وقيادة الأساطيل.

وبعد وفاة المنصور، سنة 392هـ/1002م، بسنوات قليلة، واحتضار الخلافة الأموية، وانتثار وحدة الأندلس، لجأ كبار المماليك العامريين إلى شرقي الأندلس، فاستقلوا بقواعده مثل إلمرية، ودانية، وبلنسية، وطرطوشة، حيث أسسوا دويلات خاصة بهم في هذه القواعد الثغرية، وكان أبرزهم مجاهد هذا، والذي استقل بمدينة دانية، الواقعة بين بلنسية شمالاً ومرسية جنوباً، وذلك سنة 400هـ/1010م. وقد لعبت هذه الدويلات دوراً سياسياً وثقافياً مهماً في تاريخ الأندلس في عصر ملوك الطوائف، وخصوصاً الدويلة التي أنشأها مجاهد العامري. فقد امتاز مجاهد، بإرادة قوية، وعزيمة صلبة، وشجاعة نادرة، وصبر وجلادة، ورباطة جأش، وطموح كبير للمجد والسلطان، وكان فارساً لا يشق له غبار، ورجل دولة ممتاز، فيه مسحة من المنصور مولاه، في تنوع مواهبه، وتعدد خبراته، وكثرة مناقبه، فقد اجتمعت في شخصيته صفات القائد العسكري الشجاع الجريء، والسياسي المحنك الواعي، والإداري القدير الحازم، إلى جانب صفاته العلمية والأدبية، والتي تأتي في مقدمة تلك الصفات، كما سنرى لاحقاً.

مدينة دانية في عهده:

بعد أن استقل مجاهد بمدينة دانية وما حولها، وأكد وجوده فيها، اهتم بها أيما اهتمام، فقام فيها بالعديد من الإصلاحات، فقد اعتنى بتشييد وتحصين حصونها وقلاعها وأسوارها، حتى صارت لا تُرام. وقد استعمل ذوي الكفاءة والصلاح من أجل توطيد حكمه. ولكون هذه المدينة ذات موقع ممتاز على ساحل البحر المتوسط، ولكونها أيضاً كانت إحدى المراسي المهمة لصناعة الأسطول الأندلسي، وإحدى قواعد انطلاقه للغزو في غرب المتوسط في عهد الخلافة، ولكونها كذلك محاطة بأشجار الصنوبر التي تصلح أخشابها لصناعة السفن؛ فقد استغل مجاهد هذه الميزات أحسن استغلال، فعمل على تقوية الأسطول، وتعزيز قدراته، وزيادة مراكبه وقواربه، والاستكثار من السلاح والعتاد الحربي والحديد والحبال وأدوات الحصار، وحول ساحل هذه المدينة إلى خلية نحل للعمل في هذا المضمار، وأنفق على ذلك الكثير من الأموال والجهد والوقت، ثم لم يلبث حتى استقطب البحارة والمجاهدين للعمل معه. ونتيجة لذلك، فقد تدفق نحوه الآلاف من هؤلاء وأولئك، فضلاً عن الخبراء بصناعة السفن والأساطيل، من أبناء جنسه ومن غيرهم، ولم يكن يقبل إلا الفرسان الشجعان، والبحارة الأشداء، فبث فيهم الحماس لركوب البحر والجهاد في سبيل الله تحت قيادته. وكانت هذه أحسن وسيلة للهروب من الفتنة المحتدمة في الأندلس، والنجاة من الانغماس في الصراع الداخلي بين ملوك الطوائف، وفي عهده تحولت دانية من مدينة صغيرة من أعمال بلنسية إلى قاعدة من أهم القواعد في شرقي الأندلس، تضاهي بلنسية ذاتها، وصارت قبلة الآمال ومحط الرحال للعلماء واللغويين والأدباء. والأهم من ذلك أنها صارت موئلاً للمقرئين، لحب مجاهد للقرآن واللغة، وكان أهلها أقرأ أهل الأندلس. ولم يكتف مجاهد بذلك فقد سمت به همته لإحياء الخلافة الأموية وجعل دانية، مركز حكمه مقراً لها، وذلك بعد خراب قرطبة والزهراء والزاهرة، بسبب الفتن المتلاحقة التي عصفت بها، وذلك ليكتسب الشرعية من خلالها، وليمارس فتوحاته باسمها، ويدعم أركان دولته الناشئة، ويضمن لها الاستقرار والبقاء. وتحقيقاً لهذه الغاية فقد اختار أموياً من أشراف قرطبة من خارج أسرة عبد الرحمن الداخل كان قد نزح إليه فراراً من الاقتتال الدائر في قرطبة، وهو الفقيه أبو عبد الله بن الوليد المعيطي (من ذرية عقبة بن أبي معيط الأموي)، اختاره لتبوأ منصب الخلافة في دانية، وأطلق عليه اسم المنتصر بالله، وقرن اسمه باسمه في سكته وأعلامه، وذلك سنة 405هـ/1014م.

غزواته وفتوحاته البحرية:

لقد دشن مجاهد غزواته البحرية بغزو جزر الأندلس الشرقية المعروفة بجزر البليار، وهي ثلاث ميورقة ومنورقة ويابسة، وذلك في رمضان سنة 405هـ/ 1015م، وكانت هذه الجزر تابعة للخلافة الأموية في قرطبة، قبل احتضارها، ولذلك فقد خضعت له من دون مقاومة تذكر، وصارت جزءاً لا يتجزأ من إمارته الصاعدة. وقد اتخذ مجاهد هذه الجزر، لاسيما جزيرتها الكبرى ميورقة، قواعد لانطلاق أسطوله لغزو ما عداها من جزر في الحوض الغربي للبحر المتوسط، ولذلك لم يلبث حتى انطلق على رأس أسطوله الكبير المكون من مائة وعشرين مركباً، عليها حوالي ألف مقاتل من خيرة المقاتلين، متجهاً نحو جزيرة سردانية، وذلك في ربيع الأول 406هـ/ سبتمبر 1015م، وسردانية جزيرة كبيرة، إذ تعد ثاني أكبر الجزر في البحر المتوسط، بعد صقلية، وقد حاول المسلمون فتحها عدة مرات من قبل، ولكنها لم تفتح فتحاً مستداماً، وقد نجح مجاهد في فتحها، هذه المرة، بعد معركة ضارية مع حاميتها النصرانية، قُتل فيها الكثير من هذه الحامية، وعلى رأسهم قائدها السرداني «مالوتو»، وأسر الكثير من أهلها، حتى أذعنت بالطاعة له، ففرض الجزية على أهلها.

وقد غنم مجاهد من هذه الجزيرة غنائم كثيرة، استخدمها في تشييد مدينة جديدة واسعة فيها، ثم لم يلبث حتى انتقل إليها بأهله، لتشجيع المسلمين على سكناها وتعميرها. وقد جعل مجاهد من هذه الجزيرة رأس جسر لغزو السواحل الإيطالية الشمالية الغربية القريبة منها، وقد ابتدأ ذلك بغزو وافتتاح مدينة لوني الإيطالية، الواقعة على ساحل البحر التيراني، بين مدينتي بيزة وجنوة الشهيرتين، وكانت لوني ذات مركز تجاري مهم، كغيرها من مدن هذه المنطقة. وكان ذلك على الأرجح بعد افتتاح الساحل الجنوبي لجزيرة كورسيكا، وبعد السيطرة على المضيق الذي يفصل بينها وبين سردانية، والمؤدي إلى السواحل الإيطالية، وذلك لحماية ظهره، ولتأمين عملية الانسحاب، فيما إذا اضطر لذلك.

ومهما كان من أمر، فقد اتخذ مجاهد من مدينة لوني الساحلية قاعدة حربية لغزو ما حولها من المدن الساحلية الإيطالية، ثم لم يلبث حتى غزا منها مدينة بيزة الشهيرة، على حين غرة من أهلها وأثناء غياب أسطولها، وكان هذا الأسطول قد انطلق لمهاجمة ثغور المسلمين في جنوب إيطاليا، ولكن خطته لم تلبث أن كُشفت، مما اضطره للانسحاب والعودة إلى ثغر لوني، لأن البيزانيين، أو البيازنة كما يقول العرب، انتفضوا عن بكرة أبيهم دفاعاً عن مدينتهم إلى جانب حاكمهم من جهة، ولتوالي وصول الإمدادات إلى المدينة البحرية المهمة من جهة أخرى.

الطموح وميزان القوى:

على أن غزوات مجاهد البحرية لم تقتصر على جزيرة سردانية وسواحل إيطاليا، وإنما شملت أيضاً الساحل الفرنسي الجنوبي، حيث مدن نربونة، وآرل، ومرسيلية، ومجلونة، والتي كانت من قبل تحت سيطرة مسلمي الأندلس، وظلت خاضعة لنفوذهم لحقبة من الزمن قبل أن يخرجهم الفرنجة منها، كما شملت غزواته كذلك، ساحل قطلونية في شمال شرقي إسبانيا، حيث مدن طركونة وبرشلونة وجرندة، والتي كانت جزءاً لا يتجزأ من دولة الإسلام في الأندلس حتى نهاية القرن الثاني الهجري. وهذا يعني أن مجاهداً كان يطمح لافتتاح هذه المناطق والمدن الساحلية وإعادتها إلى حظيرة الإسلام من جديد، وهو طموح كان يتجاوز قدراته وإمكاناته البشرية والمادية بكثير، فقد جاءت حملاته البحرية على تلك المدن والأقاليم في وقت لم يعد فيه ميزان القوى في البحر المتوسط في صالح المسلمين كما كان عليه الحال في القرن الرابع الهجري زمن الخلافة الأموية، ففي عصر مجاهد كانت بيزا وجنوة وعدد آخر من مدن الساحل الإيطالي الشمالي الغربي قد ظهرت كقوى بحرية ضاربة في حوض البحر المتوسط، ابتداء من مطلع القرن الخامس الهجري، وكان المسلمون قد خسروا بعض مواقعهم المتقدمة في البحر المتوسط، منها على سبيل المثال جزيرة كريت، التي استعادتها بيزنطة سنة 350هـ، والتي أكدت في الوقت نفسه وجودها في جنوب إيطاليا، وكانت البابوية والقوى الصليبية في غرب أوربا، قد بدأت تتحفز للانقضاض على المسلمين في جنوب البحر المتوسط، وبخاصة بعد سقوط الإمارة الإسلامية في جبل القلال - أحد قمم جبال الألب، بين فرنسا وإيطاليا وسويسرا - وذلك سنة 365هـ/ 975م، وهي الإمارة، التي كانت شوكة في حلق الفرنج، وأيضاً بعد أن بدأت تلك القوى تستشعر سريان الضعف في الوحدة الإسلامية، بعد حوالي قرن من ظهور الدولة العبيدية الخبيثة، التي اجتاحت الدولة الأغلبية، واستولت على أساطيلها، وجعلت شغلها الشاغل محاربة المسلمين في المشرق والأندلس، وكانت سبباً في تعطيل الفتوح في جزر البحر المتوسط وأوربا، بل وفي تحول السياسة الإسلامية تجاه أوربا من الهجوم والتوثب إلى الدفاع والتسليم. وكل هذه العوامل لم يضعها مجاهد في اعتباره فيما يبدو، ولذلك لم ينجح في مشروعه، بل أخفق وعاد إلى حيث بدأ كما سنرى، ولكن مع ذلك فقد كان لحملاته البحرية في الحوض الغربي للمتوسط أثر كبير في استعادة المسلمين لهيبتهم في هذه المنقطة، وفي إحجام أساطيل القوى الصليبية عن الإغارة على الثغور الإسلامية لفترة طويلة.

التحالف الصليبي ضده:

كانت الحملات البحرية التي قام بها مجاهد في الحوض الغربي للبحر المتوسط قد بثت الرعب في قلوب الملوك والأمراء ورجال الدين النصارى في غرب أوربا، وخصوصاً بابا الفاتيكان في روما، وكان البابا إذ ذاك هو بنديكتوس الثامن (١٠١٢-١٠٢٤م)، الأمر الذي دفع هذا البابا لدعوة ملوك وأمراء غرب أوربا لتجريد حملة صليبية ضد هذا القائد البحري المسلم المغامر الجسور، الذي أقض مضاجعهم، والذي يحاول فرض واقع جديد لصالح المسلمين في غرب البحر المتوسط، بعد أن تم التخلص من نفوذهم فيه بصعوبة بالغة قبل وقت قريب، وبعد عقود من التحريض والحروب. وقد لقيت دعوة البابا هذه استجابة من أولئك الأمراء والملوك. ولذلك لم تلبث أساطيل جنوة وبيزة وبرشلونة وفرنسا (بروفانس) حتى اتحدت ضده، وتحركت لمحاربته والقضاء عليه تحت راية الصليب. ولما علم مجاهد بتحرك الأساطيل الصليبية المتحالفة نحوه، وتبين نذر الشر الصليبي، ورأى أنه غير قادر على مواجهة تلك الأساطيل مجتمعة، عزم على الانسحاب من ثغر لوني والقفول إلى الجزر التي تقع تحت سيطرته في البحر. وقد نجح في الانسحاب من ثغر لوني، واتجه إلى قاعدته في سردانية، في ظل معارضة من أصحابه، لم يعرف سببها، وقد يكون مردها كون سردانية لم تكن آمنة، فهي جزيرة قليلة المياه، وذات طبيعة جبلية وعرة، وأهلها مقاتلون شرسون، أو لرغبة أصحابه أولئك في اللجوء إلى جزائر الأندلس الأكثر أمناً، أو لهذين السببين معاً، أو لغيرهما من الأسباب. ولما وصل مجاهد إلى سردانية فوجئ بثورة الأهالي ضده بإيعاز من القساوسة ورجال البابا، خاصة بعد أن ترامت إلى أسماعهم أخبار زحف الأساطيل الصليبية المتحالفة نحو جزيرتهم، لإخراج مجاهد منها، والبابا من خلفها يحرض ويمنح صكوك الغفران، داعياً إلى استئصال شأفة المسلمين «الكفار» من هذه الجزيرة، لأن وجود المسلمين فيها يهدد روما عاصمتهم المقدسة. ولم تلبث تلك الثورة أن عمت أنحاء الجزيرة، وعجز مجاهد عن إخمادها، لذلك وأيضاً نتيجة لإلحاح بعض أصحابه عليه لأجل الرحيل منها فقد اضطر للانسحاب من سردانية والقفول إلى ميورقة، على أمل أن يعود إلى سردانية مرة ثانية. بيد أن ذلك كان بعد فوات الأوان، فأثناء انسحابه من سردانية وجد أن أساطيل القوى الصليبية المتحالفة قد قطعت عليه خط الرجعة وبدأت في مهاجمته.

المعركة  الكارثة:

والأخطر من ذلك والأسوأ منه، أن أسطوله تعرض أثناء انسحابه من سردانية لعاصفة بحرية عاتية، لأن إبحاره من سردانية والتوجه غرباً نحو ميورقة جاء في ظروف غير مواتية، وتحديداً في أبريل في بداية الصيف، وهو وقت تهب فيه رياح شرقية معاكسة لاتجاه حركة أسطوله، لذلك لم يتمكن من مواصلة الإبحار شرقاً، واضطر للجوء إلى جزيرة صغيرة هناك، برغم نصيحة كبير البحارة (أبو خروب) له بعدم اللجوء لهذه الجزيرة، لأنها مكشوفة، ولا تتوافر فيها أماكن آمنة للحماية، ولكن لم يكن أمام مجاهد، فيما يبدو، سوى اللجوء إلى هذه الجزيرة، ولذلك لم تلبث الأمور حتى ازدادت سوءاً، وأخذت العاصفة تشتد وتحطم مراكب المسلمين، وتقذف ببعضها إلى البر ملقية بمن على متنها من المجاهدين في عرض البحر، فاستغل الصليبيون المهاجمون المحيطون بالأسطول هذه الفرصة، وجعلوا يستولون على تلك المراكب، ويقتلون ويأسرون ويغنمون ما فيها. كل ذلك كان يحدث على مرأى ومسمع من مجاهد، ومجاهد لا حول ولا قوة لمواجهة هذه الكارثة، ولتقديم أي نوع من المساعدة، اللهم إلا الصراخ والعويل وإظهار الأسى والأسف والقهر. وقد انتهت هذه المعركة (الكارثة) بتدمير أسطول مجاهد، عدا عدد يسير من المراكب والقوارب، وبمقتل وغرق وأسر المئات من المجاهدين، ولذلك فقد أطلق على تلك الجزيرة الصغيرة بعد ذلك اسم «جزيرة الشهداء»، لكثرة من أكرم الله بالشهادة فيها من المسلمين. وغير معروف بالتحديد اسم وموقع هذه الجزيرة الآن. وكان من ضمن الأسرى الذين وقعوا في أيدي الصليبيين زوجات مجاهد وبناته، وولده علي، الذي لم يكن عمره قد تجاوز السبع سنوات. أما مجاهد نفسه فقد نجا بأعجوبة، وبعدها عاد أدراجه بمن كتب الله له النجاة معه، إلى مقر حكمه في جزيرة ميورقة، فوصلها في ذي الحجة 406هـ/ أبريل 1016م، بعد ثمانية أيام من انسحابه من المعركة - الكارثة. بيد أن دخوله إلى ميورقة لم يكن سهلاً، لأن الخليفة المعيطي كان قد استغل تلك الكارثة، وقام بعزل مجاهد، وأصدر أمراً بالقبض عليه وقتله حال عودته، لكي يستأثر بملكه، ولكن مجاهداً دخل الجزيرة سراً، وقبض على المعيطي وخلعه وأدبه ثم نفاه إلى بجاية في المغرب الأوسط، حيث استقر بها معلماً لصبيان البربر حتى مات سنة 432هـ.

مصير الأسرى من أهل مجاهد:

وما أن عاد مجاهد إلى ميورقة، حتى شرع في إرسال الوسطاء لافتداء الأسرى من أهله، وقد نجح في افتكاك بناته وزوجاته سريعاً، عدا زوجته النصرانية جود، فقد قيل إنها ماتت، وقيل إنها رفضت العودة إلى ديار الإسلام، وآثرت البقاء بين بني دينها لتموت هناك. وقد قيل إن جود هذه هي أم مجاهد وليست زوجته، وهذا يتعارض مع قولهم إنه قد جلب من أسواق الرقيق وهو لا يزال طفلاً صغيراً، شأنه في ذلك شأن باقي المماليك الصقالبة الذين كانت تعج بهم قصور الخلفاء في قرطبة، كما أنه ليس من شأن الأم أن تتخلى عن ولدها وتؤثر دينها على ابنها، إلا إذا فقدت مشاعر الأمومة، لكن الزوجة ممكن تفعل ذلك. وعليه فإن الأوفق أن تكون جود هي زوجه وليس أمه، وقد ذهب إلى ذلك بعض المؤرخين، ومنهم المؤرخ المعاصر الدكتور أحمد مختار العبادي.

أما ولده علي، فقد أعياه افتكاكه برغم ضخامة المبلغ الذي بذله للوسطاء لافتدائه وهو عشرة آلاف دينار، وذلك أن أهالي جزيرة سردانية أهدوه لإمبراطور ألمانيا هنري الثاني (٩٧٢-١٠٢٤م)، اعترافاً بفضله لما قدمه لهم من عون عسكري ومالي في الحرب ضد مجاهد، وقيل إنه وقع في أسر أو سهم أحد الأمراء الألمان الذين شاركوا في الحملة الصليبية ضد مجاهد، فاحتفظ به هذا أسيراً لديه، على سبيل المباهاة والفخر، كونه لم يكن أسيراً عادياً، وإنما هو ابن مجاهد العامري أمير البحر المسلم الأسطورة، الذي يلقي اسمه الرعب في قلوب حكام وأهالي الثغور المطلة على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. لكن مجاهداً لم ييأس من عملية افتداء ولده، وظل يحاول تحريره بكل السبل، حتى نجح في ذلك في سنة 423هـ، بعد 17عاماً من أسره، ولكن ولده عاد إليه وقد صار علجاً من العلوج، دينه دينهم (النصرانية)، ولسانه لسانهم (الألمانية)، وزيه زيهم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، واختتن، فمرض من ذلك مرضاً شديداً، ثم شفي، فعينه مجاهد ولياً لعهده، وصار ذراعه اليمنى. وبعد ذلك تمكن مجاهد من إنشاء أسطول جديد وعاد يوالي الغارات على جزيرة سردينيا وكورسيكا، وجنوب فرنسا وقطلونية، انطلاقاً من قواعده في جزر الأندلس الشرقية، ولذلك لم تجرؤ أساطيل القوى الصليبية على الاقتراب من ثغور المسلمين البحرية طوال حياته ولعدة عقود بعد وفاته (توفي مجاهد سنة 436هـ). ويطلق عليه مؤرخو النصارى موجة Mugat أو موجيت Mujet.

مآثره العلمية والأدبية:

لن نكون منصفين إذا تحدثنا عن صفات مجاهد في الجانبين العسكري والسياسي وتركنا الحديث عن مآثره العلمية والأدبية، فقد كانت شهرته عالماً وراعياً للعلم تعادل شهرته قائداً بحرياً وسياسياً، إن لم تكن أفضل منها، فقد نشأ مجاهد في قرطبة، كما سبق أن قلنا، وضرب بسهم وافر في العلم، وكان ضليعاً في علوم العربية، وعمل على توظيفها في خدمة كتاب الله، قراءة وتجويداً وتفسيراً، ولذلك فقد كان أهل دانية أقرأ أهل الأندلس لكتاب الله، لأن مجاهداً كان يستجلب القراء ويجري الرواتب عليهم، فكثروا في بلاده، كما كثر فيها العلماء واللغويون، وكان لا يكف عن تدارس العلم واللغة والقرآن معهم، حتى فشا العلم في جواريه وغلمانه، وألف هو ذاته كتاباً في العروض دل على تمكنه فيه. وقد استمر مجاهد في التحصيل والاستزادة من العلم طوال حياته، ولم يشغله عن ذلك كثرة ممارسته للحروب في البر والبحر، ولم يماثله في ذلك أحد من ملوك الطوائف، وجمع من الكتب خزائن جمة، واجتمع في فنائه خيرة المقرئين والعلماء واللغويين، ومنهم أبو عمرو الداني (371-444هـ) الإمام المجود، شيخ القراء، وصاحب التصانيف في القراءات. ومنهم أبو الفتوح ثابت الجرجاني (٣٥١-٤٣١هـ)، العالم اللغوي الأديب، وكان من رجال بلاطه، حتى إنه صحبه في حملته على سردانية، وفي دانية شرح الجرجاني كتاب الجمل لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفى سنة 240هـ. ومنهم أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده (398-458هـ) اللغوي المشهور، وصاحب التصانيف الكثيرة في علوم اللغة. ومنهم أبو العلاء صاعد الربعي البغدادي المتوفى سنة 417هـ. ومنهم الإمام أبو عمر بن عبد البر (٣٦٨-٤٦٣هـ)، عالم الأندلس المشهور ومحدثها الكبير، وكان مجاهد يجلس إليه مستمعاً، في مجالسه العلمية. ومنهم أبو العباس أحمد بن رشيق المتوفى سنة 442هـ، الكاتب والعالم والأديب، وكان من أترابه ومن زملاء دراسته في صباه، وقد جعله مجاهد وزيراً له، ثم ولاه على جزيرة ميورقة، فأشاع فيها العدل والعلم. ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن معمر اللغوي القرطبي، صاحب خطة التاريخ في الدولة العامرية، والذي ولي له القضاء في الجزائر الشرقية، إلى أن توفي بها سنة 420هـ. وعلاوة على ذلك، فقد كان مجاهد يشجع العلماء على تأليف الكتب النافعة، ويبعث لهم بالعطايا، وفي هذا الصدد يروى أن أبا غالب النحوي ألف كتاباً، فبذل له مجاهد ألف دينار وهدايا ثمينة، وطلب منه أن يكتب بأنه ألفه لأبي الجيش مجاهد، فلم يقبل المؤلف ذلك، فزاد مجاهد إعجاباً به، وضاعف له الجائزة. أما الشعر، فقد كان مجاهد زاهداً فيه، وهذه منقبة له أيضاً، لأن من يتذوق حلاوة كتاب الله، فقلما يستهويه الشعر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد كان مجاهد بصيراً بالنقد، وكان يفحم الشعراء بتعليقاته وتعقيباته النقدية اللاذعة، ومن هنا فلم يجتمع حوله سوى عدد قليل منهم، ولذلك أيضاً أقصر الشعراء عن مدحه.

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.