«صناعة التوحش» إستراتيجية إيران لتدمير العرب السنة


منذ صدوره عام 2005م، وحتى الآن، يثير كتاب «إدارة التوحش» جدلاً مستمراً حول هوية مؤلفه وأهدافه الحقيقية، وبرغم أن «التخمينات» تشير إلى أحد رموز القاعدة القدامى بوصفه المؤلف الحقيقي، لكن الأفكار التي قدمها الكتاب تحولت مع الأيام إلى نهج متبع لتنظيم القاعدة وما تفرخ عنه لاحقاً، أعني «تنظيم الدولة».

الفكرة الرئيسة للكتاب تدور حول «صناعة التوحش» بأن يتحول بلد ما من حالة «الاستقرار السياسي والأمني» إلى حالة «الفوضى»، هنا تتدخل القاعدة - أو داعش - لتقوم بـ«إدارة الفوضى» أو «إدارة التوحش» من خلال إقامة نظام بديل يقدم بعض الخدمات للمجتمع مقابل امتلاك السيطرة والحكم.

لم يعد هناك شك في كون إيران تلعب دوراً بارزاً في تحريك - وتوظيف - جماعة القاعدة وتنظيم الدولة، فمنذ النسخة الأولى للتنظيمين في العراق - جماعة «أبو مصعب الزرقاوي» - قدمت إيران دعماً كبيراً في العقد الأول من الألفية الثالثة، تمثل في تسهيل انتقالات القيادات والكوادر والعائلات أيضاً، من أفغانستان إلى العراق، سواء كان دعماً مباشراً أم غير مباشر، وفي مرحلة لاحقة تواترت معلومات عن صلات قوية تتعلق بدعم لوجستي لا يقتصر على تقديم خدمات الإيواء والانتقال لبعض القيادات.

لكن لم يتحدث أحد عن دور إيران في تنمية «أفكار التوحش» لدى هذه التنظيمات، برغم أن تشابه النهج يبدو واضحاً بقوة، فإيران تتبنى إستراتيجية ثابتة في التعامل مع المجتمع السني العراقي، هي: تدمير حواضر المجتمع وقياداته وتشتيت هويته، وهو ما يتلاقى تماماً مع ما ورد في الكتاب المشار إليه، أما ما يتعلق بمرحلة «إدارة التوحش»، فهو ما تنفرد به جماعات القاعدة وداعش عن إيران، وإن كانت بالضرورة مرحلة كارثية في نتائجها، حيث تعود لتصب لاحقاً في إستراتيجية «صناعة التوحش»، كما هو حادث الآن في العراق السني الذي يتمزق بين مطرقة إيران وسندان داعش.

فما الذي تستفيده إيران من هذه الإستراتيجية، وما هي أهدافها النهائية؟

من المعلوم أن السيطرة على الأرض لا تتم بدون السيطرة على المجتمع الذي يعيش على هذه الأرض، وأغلب تجارب الاحتلال العسكري أخفقت عبر التاريخ بسبب مقاومة المجتمعات التلقائية للاحتلال الأجنبي، كما أن التطورات التقنية التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة، جعلت من إستراتيجية السيطرة عن طريق الاحتلال العسكري تجربة مقطوع بفشلها.

بالنسبة لإيران، فبرغم أطماعها الواسعة التي تشمل كل العراق من شماله إلى جنوبه، إلا إن خيار الاحتلال العسكري لم يكن مطروحاً أبداً على طاولة المخطط الإستراتيجي الإيراني، فبالإضافة للأسباب السابقة، فإن طهران لا تملك القدرة العسكرية أو الغطاء السياسي لاحتلال العراق، لذا كان عليها أن تبحث عن إستراتيجية بديلة للسيطرة على مناطق العرب السنة ذات الأهمية الإستراتيجية القصوى لإيران، كونها القطعة المفقودة لوصل الهلال الشيعي الممتد من إيران إلى لبنان.

بنظرة إجمالية، فإن إيران تسعى من خلال تعزيز وجودها ونفوذها في المناطق العراقية السنية إلى تحقيق عدة أهداف، وهي:

1- تأمين ممر مباشر من شمال إيران إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهو حلم قديم ظلت إيران تخطط له أكثر من ثلاثة عقود، وها هي الآن على مقربة من تحقيقه.

2- مواجهة التمدد التركي والكردي باتجاه المناطق السنية، وذلك بالمشاركة في إدارة محافظة نينوى بعد استعادتها من تنظيم الدولة، وتعزيز نفوذ الأقليات الشيعية في المحافظة.

3- محاولة عرقلة جهود الأكراد لضم محافظة كركوك الغنية بالنفط.

الملامح العامة لإستراتيجية «صناعة التوحش» الإيرانية:

تتمثل هذه الإستراتيجية في «صناعة التوحش»، بمعنى: العمل على تدمير المجتمع العراقي العربي السني، وتذويب هويته، وإبعاد قياداته، وتمزيقه سياسياً وقبلياً.

من المعلوم أن المصالح التي يصوغها المجتمع تتولد عن هويته ومبادئه وتاريخه وحاجاته، هذه المصالح - بالتبعية - تتولد عنها مطالب وحقوق ومواقف سياسية، تنشأ حركات سياسية تتبناها، وتبرز قيادات مجتمعية تحمل لواءها وتقود المجتمع لتحقيقها، لذا فإن الوسيلة الأقدر لتعطيل هذه الدائرة وإضعاف المجتمع هي: العبث بمنظومة المبادئ والحاجات والهوية، إذ عندها تتشتت مصالحه، فتتبعثر مطالبه، فلا يصبح قادراً على الصمود في مواجهة أي قوة معتدية تبغي السيطرة، لأنه تحديداً لا يدري ما يريد حقيقة ولا كيف يحقق إرادته، عندها تتقلص مطالب المجتمع إلى حدودها الدنيا، أي: حاجات البقاء والمأوى والطعام والغذاء والدواء، دون تطرق إلى حقوق أو مطالب أو طموحات سياسية.

تلقى المجتمع العراقي السني الضربة الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث انهار النظام الاجتماعي تماماً، وتذبذبت منظومة القيم المجتمعية، وعجزت القوى السياسية البديلة - والقيادات الدينية والسياسية - عن تأسيس نظام بديل، أو حتى الحفاظ على ما تبقى من النظام القديم، هنا بدأ المجتمع السني يتحرك وفق منطلقات عشائرية أو مناطقية، في المقابل فإن المجتمعين الشيعي في الجنوب، والكردي في الشمال، كانا يؤسسان لنظام اجتماعي خاص بهما بعيداً عن العرب السنة، وعلى حسابهم.

نجح المجتمع السني في إبراز مشروع المقاومة للاحتلال الأمريكي بوصفه مشروعاً عربياً سنياً بالأساس، لكن هذا المشروع لم يلبث أن تعرض للتشويه المقيت، بتأثير جماعة أبو مصعب الزرقاوي التي بعثرت التكتل السني ومزقت الصفوف، بسبب تطرفها الشديد وسعيها للدخول في معارك جانبية مع أطراف داخلية وخارجية في آن واحد، وكان ذلك كله يصب في صالح إيران قبل أي طرف آخر في العراق.

وعلى مدى 13 عاماً منذ الغزو الأمريكي للعراق، تعمل طهران بدأب على تدمير المجتمع العراقي السني، وللأسف فقد نجحت في إحراز تقدم كبير، وهذه أبرز ملامح إستراتيجية «صناعة التوحش» في نسختها الإيرانية:

1- اختراق النخب والقيادات أو مطاردتها:

لا يتحرك المجتمع من تلقاء نفسه، ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، فإذا فقد المجتمع قادته، ضل طريقه، أو توقف عن التقدم، لذا كان أول ما استهدفه الإيرانيون هو إفقاد المجتمع السني قادته من خلال الاختراق، أو المطاردة أو الاحتواء، أو القتل.. إلخ.

وبعد مرور 13 عاماً على الغزو الأمريكي، نجد أن الإستراتيجية الإيرانية قد نجحت بدرجة كبيرة في الدفع بالمجتمع العربي السني إلى ما قبل مائة عام على الأقل، حيث أصبح المشهد عشائرياً بامتياز، فالساسة لا تأثير لهم تقريباً، والحركات السياسية تضاءل نفوذها، وحركات المقاومة تفرقت وتمزقت، ولم يتبق في المشهد إلا تنظيم الزرقاوي الذي تحول إلى «تنظيم الدولة»، وحتى التكتلات الدينية مثل «هيئة علماء المسلمين» باتت مجرمة في الداخل، وقادتها يتحركون بصعوبة في الخارج، وحتى الرموز السياسيين الذين اصطفوا مع الاحتلال الأمريكي في البداية أمثال طارق الهاشمي، الذي لم يعد مرحباً به في العراق، وتحول إلى طريد بالخارج محكوم بالإعدام في الداخل.

2- الإبادة الجماعية:

تسبب الغزو الأمريكي في قتل ما يقرب من مليون عراقي خلال 4 سنوات فقط منذ بدء الغزو، أي حتى منتصف عام 2007م، وذلك بحسب إحصاء أجراه مركز استطلاعات الرأي ORB ومقره لندن، وفي الأيام الأولى للغزو كان معدل القتلى شهرياً 15 ألف قتيل، ثم أصبح 10 آلاف قتيل، ومن المعروف أن النقاط الساخنة حيث يشتد القصف وتتجدد الاشتباكات، تقع أغلبها في مناطق العرب السنة، كونهم الطائفة العراقية التي انفردت بمقاومة الاحتلال الأمريكي.

لعبت إيران دوراً كبيراً في تأجيج الصراع، فكانت تقدم تسهيلات لتنظيم القاعدة تتعلق بالانتقال والإيواء والتمويل بحسب روايات متعددة، وذلك من أجل إبقاء حالة الصراع متأججة في المناطق السنية، كما أنها حفزت الحكومات العراقية المتتابعة في بغداد على محاصرة القوى السياسية السنية التي كانت تعمل على ترشيد عمل المقاومة أو تخفيف حدة الصراع، وكنتيجة مباشرة لذلك خسر العراق ما يقرب من 3% من عدد سكانه، أغلبهم من العرب السنة.

وفي المعارك المتتابعة التي يخوضها الجيش العراقي الطائفي برفقة الحشد الشعبي، فإن المدن العراقية السنية تتعرض لغارات مكثفة تتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فضلاً عما يعقب ذلك من ارتفاع معدلات الوفيات نتيجة النزوح القسري وانعدام الرعاية وعدم توفر المقومات الأساسية للحياة.

3- التهجير:

تقدر منظمة الأمم المتحدة أعداد اللاجئين داخل العراق بحوالي 3.5 مليون عراقي، أغلبهم من العرب السنة، وهذا يعني أن واحداً من كل خمسة عراقيين - تقريباً - من العرب السنة، قد تحول إلى لاجئ.

التحول من حالة الاستقرار إلى حالة اللجوء، تقضي تماماً على تطلعات المجتمع وطموحاته السياسية، إذ يتحول همه الأكبر إلى تحصيل المأوى والمطعم والدواء، ومن الملاحظ أن إيران تعمل على إطالة أمد اللجوء لأقصى فترة ممكنة، وذلك من خلال عدة ممارسات، منها:

- الحرص على تدمير المدن السنية أثناء المعارك مع داعش، كما حدث في الفلوجة، ثم في الرمادي التي تدمر 80% منها تقريباً.

- تعطيل أي محاولات لإعادة الإعمار.

- الاستيلاء على الأراضي الزراعية والمنازل التي تعود ملكيتها للعرب السنة، في المناطق المختلطة، مثل تكريت.

- تشديد الإجراءات المتعلقة بانتقال اللاجئين السنة إلى بعض المدن مثل بغداد.

أكثر المناطق السنية المتضررة، هي حزام القرى والبلدات الصغيرة الذي يحيط بالمناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، فهذه القرى تتعرض بصورة مستمرة لحملات عسكرية من كلا الجانبين - العراقي والداعشي - حيث يتبادل الطرفان السيطرة عليها، وفي كل مرة يتعرض الأهالي للانتقام من الطرف المسيطر بتهمة مساعدة الطرف الآخر.

4- الاختراق العشائري:

لا تتوقف إيران عن محاولتها اخترق العشائر السنية، سواء في الأنبار أو نينوى وغيرها، وآخر هذه المحاولات سعيها لتأسيس حشد عشائري مناوئ للحشد العشائري المحلي الذي يتمتع بعلاقات قوية مع الأتراك.

الحشد الجديد وافقت عليه حكومة العبادي رسمياً، ويفترض أن يتشكل من 15 ألف متطوع من عشائر نينوى من العرب السنة وغيرهم، وسيبقى مرتبطاً بالحشد الشعبي، ليكون بمثابة ثغرة لنفاذ الحشد إلى المجتمع السني.

هذا الحشد الجديد يقوده العميد «لويس يوسف» وهو مسيحي من نينوى، كما يشرف عليه المحافظ الحالي «نوفل السلطان»، وهو موالٍ لحكومة العبادي، خلافاً لــ«أثيل النجيفي» المحافظ السابق الذي يشرف على الحشد الوطني السني.

دور «تنظيم الدولة» في تدمير المجتمع العراقي السني لصالح إيران:

بعيداً عن أحاديث الاختراق، والتي تتواتر حولها المعلومات والتقارير، فإن ما يهمنا هو استعراض مختصر للخدمات التي قدمها تنظيم داعش للمخطط الإيراني، من خلال أدائه العسكري، وممارساته العبثية.

المتعصبون لداعش يزعمون أن التنظيم نجح في تقوية العرب السنة بالعراق، وأنه حقق إنجازات مهمة في هذا الصدد ويذكرون منها: إطلاق سراح مئات المعتقلين من السجون في المناطق التي سيطر عليها، وبعضهم من النساء، وتوفير حياة آمنة أو شبه آمنة في مناطقه، تضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، وهو ما كان مفقوداً في كثير من المناطق.

لكن في المقابل، فإن التنظيم:

تسبب في اعتقال الآلاف مع تعرض العرب السنة لموجات جديدة من القتل الانتقامي على الهوية، خاصة في أعقاب المعارك، والعمليات التفجيرية التي ينفذها في المناطق الشيعية أو الكردية.

كما تسبب التنظيم في تدمير البنى التحتية في أغلب الحواضر السنية، ومع تحرك حكومة بغداد في إطار طائفي، فإنه لا يتوقع في الأفق القريب إعادة إعمار ما تهدم.

قدمت ممارسات التنظيم غطاء كافياً لإعادة رسم حدود المحافظات، وتغيير الخريطة الديمغرافية لمناطق عديدة بالعراق، لحساب التمدد الشيعي.

كثير من المناطق التي تستعيدها الحكومة من داعش يسيطر عليها الحشد الشعبي، ليعيث فيها فساداً وتدميراً واغتصاباً، وكمثال على ذلك، مدينة الفلوجة، تلك القلعة السنية التي تحولت إلى «مداساً» للحشد، لدرجة أن بعض النازحين من المدينة يصفون عودتهم إليها بـ«الجحيم» بسبب ممارسات الحشد الشعبي.

تهمة «الدعشنة» تتحول إلى سيف فوق الرقاب، فقد بات مصطلح «دواعش السياسة» مصطلحاً دارجاً في الخطاب السياسي الشيعي، وذلك على سبيل الإرهاب الفكري لكل من يقف من السياسيين السنة في مواجهة المخططات الإيرانية، وقد صرح القيادي في الحشد الشعبي «قاسم الأعرجي»، قائلاً: «إننا بحاجة إلى تطهير العملية السياسية من الدواعش»، معتبراً أن النائب بالبرلمان «ظافر العاني» وأمثاله سبب تلوث العملية السياسية والمشهد السياسي، ويهدد الأعرجي قائلاً: «بعد أن يتم تطهير المنطقة الغربية من دواعش السلاح، سيتم التفرغ لدواعش السياسة».

 ختاماً..

قبل أيام قليلة نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريراً ذكرت فيه أن إيران نجحت أخيراً في تحقيق حلمها بالوصول إلى ساحل الأبيض المتوسط عن طريق العراق، وبحسب التقرير فإن المشروع الإيراني سيمر عبر الأراضي العراقية إلى أن ينتهي بميناء اللاذقية
فهو يمتد من مدينة بعقوبة في محافظة ديالى إلى الشرقاط بمحافظة صلاح الدين وبعدها إلى تلعفر ثم سنجار (محافظة نينوى) حيث تتواجد قوات من حزب العمال الكردستاني، ليصل إلى معبر ربيعة وبعد ذلك إلى القامشلي وكوباني ثم عفرين التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية السورية.

 

ونقلت الجارديان عن مسؤول أوربي أن الإيرانيين سيتمكنون من خلال هذا الممر من نقل كل ما يريدون بين طهران والبحر المتوسط في أي وقت عبر طرق آمنة خاضعة لحماية شركائهم أو وكلائهم.

ربما يكون قطع الطريق على هذا الممر، هو أهم أهداف عملية «درع الفرات» التي تقودها تركيا في شمال سوريا، لكن لا يبدو ذلك كافياً حتى الآن، خاصة مع التوافق الأمريكي الكردي على خوض معركة الرقة بعيداً عن المشاركة التركية، وهذا يعني أن مخطط الممر الإيراني لا يزال قائماً وفاعلاً.

وهذا يطرح تساؤلات قوية وعلامات استفهام لا تتوقف عن غموض موقف الدول العربية في مواجهة هذا التمدد الإيراني الذي بات يشكل خطراً وجودياً على العرب السنة في المنطقة.

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.