هرطق الكثير ممن يحسبون أنفسهم على العقلية الثقافية والفكرية الخليجية تحت عناوين صحفية كثيرة حول أهمية «التطبيع» لنجاة منطقة الخليج من الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها، سواء على صعيد المواجهة مع إيران أو على صعيد الابتزاز الأمريكي لها! وانساقوا بشكل مفرط إلى وضع تبريرات للدفع بالموقف الرسمي الخليجي إلى التصالح مع الكيان الصهيوني واعتباره واقعاً ملموساً ستتم الاستفادة منه على الصعيد الاقتصادي والأمني والسياسي، على اعتبار أن العلاقات الدولية تحددها المصالح المشتركة بين الدول وليس القيم الدينية أو الاجتماعية.

جهل هذه الفئة التي انساقت خلف صفحات الإعلام الصهيوني الموجهة في الترويج للسلام والصلح مع العرب، مثل صفحة «أوفير جنتلمان» أو «أفيخاي أدرعي»، يفضح خطاً كبيراً من المطبعين المنتشرين في الصحافة الخليجية والعربية، ولا أعتقد أنهم يجهلون أن قيم السياسة الخارجية التي تحدد مسار العلاقات بين الكيان الصهيوني والآخرين وفقاً لقواعد وأسس أمنية بحتة يستفيد منها الكيان الصهيوني لتحصين نفسه على حساب استنزاف الآخر، ولنا في مصر والأردن نموذج واضح في هذا الصدد. كما أن وثيقة استقلال الكيان الصهيوني توضح دون لبس أنه قائم على المذهب الصهيوني القائل باعتبار فلسطين وطناً لليهود حصراً، دون العرب أصحاب الأرض على مدى القرون؛ ومن أجل ذلك جرى اختلاق قضية «إسرائيل الكبرى» و«هيكل سليمان» وأعيدت كتابة التاريخ لديهم، من وجهة النظر «اليهودية السياسية» لمحاولة تأكيد ذلك، وجعلت الحكومات الصهيونية المتعاقبة العمل العسكري الهجومي وسيلة وحيدة لتجسيد الرؤية المذكورة.

لكن وسط هذه الصفحة السوداء في التاريخ المعاصر للعالم الإسلامي نجد نماذج مشرفة تتصدى لمحاولات تشريع وجود الكيان الصهيوني ومنحه المزيد من التصاريح لابتزاز الأمة واستنزاف ثرواتها وشعوبها، وهنا الحديث يجري حول منطقة الخليج العربي، التي لطالما أوصل الإعلام لذهنية العقل العالمي والإسلامي أن شعوبها مرفهة ومترفة وخارجة عن إطار التفكير الجمعي للأمة من حيث تبني قضاياها والمشاركة في دعم المنكوبين والمظلومين فيها.

في يوليو الماضي أطلقت مجموعة «سعوديون ضد التطبيع» صيحة مدوية تندد بكل من يريد جر شعوب المنطقة إلى تصالح مع العدو الصهيوني الذي يقتل المسلمين في فلسطين وينكل بهم ويحاصرهم ويحتل القدس ويبني الكنس فيها ويمنع المسلمين من الصلاة في مسجدها، تلك المجموعة ضمت أكثر من 2400 رجل وامرأة من مختلف طبقات المجتمع السعودي، فيهم المثقف والسياسي والمهني ورجل الأعمال والحرفي، ولا تزال عريضتهم منشورة على مدونة باسم «سعوديون ضد التطبيع» تجمع المزيد من التواقيع الرافضة للتطبيع، وقد دعت العريضة الحكومات الخليجية إلى منع أشكال التطبيع وعلى رأسها المقابلات الرسمية وغير الرسمية مع مسئولي العدو. وعدم إرسال وفود رسمية أو حتى السماح لوفود غير رسمية لا تمثل الدولة بزيارة الكيان الغاصب واللقاء مع مسئوليه. كما شددت على أهمية معاقبة كل من يقوم بمخالفة ذلك، التزاماً بقوانين مقاطعة العدو الصهيوني في دول الخليج العربي والقوانين التي تمنع السفر إلى الكيان الغاصب.

في نهاية أكتوبر الماضي عقدت دورة علمية بعنوان «معارف مقدسية» نظمتها مجلة البيان، كانت بالنسبة للحضور مدخلاً للتعرف على مكانة القدس والأقصى في العقلية الشبابية الخليجية، من يشاهد وسائل الإعلام التقليدية سيعيش في ضبابية مطلقة في هذا السياق، ليس أمامه إلا أن يرى القدس بعيون المطبعين، وبعيون المتصهينين وبعيون الساخطين على فلسطين؛ لأنها تجبرهم دائماً على العودة إلى جذورهم وهويتهم الفكرية والثقافية والتحلل من حالة الانحراف الفكري والثقافي التي يعيشون أسرى لها، على أمل أن تدخلهم جنات الغرب! تعرفت خلال يومين على ثلة هي أشبه بعينة عشوائية لجيل جديد صنعته وسائل التواصل الاجتماعي يرى القدس بعين عمر بن الخطاب وصلاح الدين والشيخ الأسير رائد صلاح، وليس بعين من يحاولون إعادة تعريف الخيانة على أنها «تطبيع». هم يعتقدون أنها بوابة السماء وليست مجرد مدينة تعرت وخضعت أمام جبروت المحتل.

«أنا القدس» ليست مجرد مجموعة شبابية تتنقل بين المنامة والرياض والشارقة والكويت وعُمان لتخبر الناس الأخبار السارة والمؤلمة التي تجري في القدس، أو تنقل لهم صورة شيخ يرابط عند منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى حتى لا يحرق مرة أخرى من قبل مستوطن يهودي حاقد، وشابة ترجلت من رام الله وصعدت قمم الجبال لتتخطى حواجز الاحتلال لتصلي صلاة بخمسائة صلاة في المسجد الأقصى، إنها إسلوب حياة جديد يحمل الكثير من الأمل في نفوس الشباب، يدفن الهوان الذي عشش في النفوس منذ زمن، ويحاول إحياء ميراث خير الأمم، هي بوصلة الأمة نحو القدس.

نموذج آخر يخرج من صحراء نجد مثل سهم حاد يذيق المتصهينين الكثير من المرارة حينما يكشف عوراتهم ويفضح نواياهم تجاه فلسطين، يقارعهم في السياسة واللغة والديمغرافيا، قد نختلف أو نتفق مع البروفيسور أحمد بن راشد بن سعيد أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود وأنشط المغردين عن فلسطين، في أسلوب ومحتوى الطرح، لكننا أمام مد عميق وحاد من اللوبيات التي تريد صناعة السلام في بلاد استوطنت الجريمة الصهيونية فيها منذ عقود، ونحتاج لكل كلمة وكل قلم في معركة من المفترض أن تقاتل فيها الرصاصة!

الأكاديمي د. أحمد بن سعيد يقاتل بالطريقة التي يجيدها، يترصد أخطاء المطبعين والمطبعات في صفحاتهم وفي فضائياتهم وفي صحفهم ويحاول أن يوصل رسالة للقارئ العربي والخليج مفادها «أبق الوعي حياً»، ووسم «تفكيك الخطاب المتصهين». عشرات التغريدات تنشر يومياً على حساب بن سعيد بالإضافة إلى مقالات يومية تتناول الكثير من شؤون وقضايا الأمة الإسلامية يحاول من خلالها إيصال معلومة واقعية للقارئ المسلم، يفضح من خلالها كذب الإعلام المتصهين. كذلك تبنى الإعلامي السعودي أحمد بن راشد بن سعيد وسماً بعنوان «تفكيك الخطاب المتصهين»، استهدف من خلاله فضح ما يروجه الإعلام المتصهين سواء على صعيد الفضائيات أو الصحافة الورقية أو الإعلام الاجتماعي، وكان من أبرز نتائج هذه الخطوة أنها صنعت جيلاً من المغردين الذين تبنوا هذا الوسم وتحول لاحقاً إلى حالة فكرية وثقافية، لتتكرر نسخة ابن سعيد وتتحول لعشرات المغردين الذين يتبنون النهج نفسه.

على صعيد الدعوة والدعاة كان الدور الأبرز في الدفاع عن القدس ومكافحة التطبيع والمطبعين، للشيخ الدكتور حاكم المطيري أحد أعمدة الفكر السياسي الإسلامي في الكويت، قدم الكثير للقدس من خلال الشعر والدعوة والسياسة، وذهب بعيداً في شرح مشاعره تجاه الأقصى من خلال قصيدة «نداء للأقصى»، كما قاد من خلال حزب الأمة الكويتي أنشطة ومؤتمرات مختلفة في عواصم إسلامية للتنديد بتكالب الأمة نحو التطبيع، وكتب ونشر الكثير من المقالات والتغريدات التي ترفض التطبيع وترفض ترويض الأمة لصالح المشروع الصهيوني. القائمة قد تطول إذا أردنا سرد أسماء الجهات والأشخاص الذين يقفون في خندق مشترك لمجابهة موجة التطبيع ويحاولون نقلها من معركة بين نخب الفكر الليبرالي ونخب العقلاء من أبناء الأمة، إلى معركة العامة ومعركة الأمة الأهم يشارك فيها كل فئات المجتمع المسلم.

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.