أحيا الفلسطينيون والصهاينة في الأسابيع الأخيرة الذكرى السنوية الثانية لانتهاء الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة، التي وقعت في صيف عام 2014، واستمرت زهاء 51 يوماً، وبالتزامن مع هذه الذكرى خرجت تصريحات رسمية عدة لمسئولين سياسيين صهاينة وتحليلات صحافية لخبراء عسكريين تشير إلى أن المواجهة العسكرية المقبلة ضد «حماس» في غزة ستكون الأخيرة، بحيث سيتم القضاء على الحركة كلياً.

ونشرت الصحافة الصهيونية في الأسابيع الأخيرة تصريحات سياسية وتحليلات عسكرية تتحدث عن أن الحرب المقبلة في غزة ستكون «الأخيرة»، بحيث يتم فيها إسقاط حماس كلياً، لكن حماس رفضت هذه التهديدات، برغم أنها تركت في الشارع الفلسطيني مخاوف جدية أن يقوم بهذه الحرب وزير الدفاع الحالي أفيغدور ليبرمان، بسبب تصريحاته المعادية جداً لحماس.

وهدد مصدر عسكري صهيوني مسؤول مقرب من وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، في 15 يونيو، حماس بأن الحرب المقبلة ستشمل تدمير حكمها في غزة، ويجب أن تكون الأخيرة معها، «فإسرائيل لا يمكنها خوض حرب استنزاف لا تنتهي معها بين عام وآخر، ولذلك، فالمواجهة المقبلة هي الأخيرة بالنسبة لحماس، وهي آتية عاجلاً أم آجلاً».

وأشار قائد سلاح المشاة في جيش الاحتلال كوبي براك، في 30 يونيو، أن الحرب المقبلة مع غزة ستكون شرسة، وستشهد معارك تحت الأرض وفوقها، مشبهاً إياها بالحرب العالمية الثانية، لأن الكيان الصهيوني سيتلقى نيراناً كثيفة، وسيطلق الفلسطينيون صواريخ مضادة للدبابات، وسيتسللون داخل مستوطنات غلاف غزة.

وفي 10 أغسطس، قال الخبير العسكري الصهيوني يوحاي عوفر إن الهدوء على حدود غزة يشير إلى أن «حماس» ما زالت مصابة بالردع من حرب عام 2014، مع أن الصهاينة يطالبون بشن الحرب الأخيرة على حماس، لأنها تواصل تحسين منظومتها القتالية، وحينها سيقوم الكيان الصهيوني بإخضاعها للمرة الأخيرة.

في الوقت ذاته، يعتقد الفلسطينيون أنهم أمام قيادة صهيونية تعلن أن شن حرب قاسية على غزة احتمال قائم، ويبقى التحدي الحقيقي أمام تل أبيب متمثلاً بمخاطر هذا السيناريو، نظراً لتبعاته التدميرية، فأي دمار يحدثه الكيان الصهيوني لن يقتصر على غزة، لما يملكه الفلسطينيون من إمكانات عسكرية قد تتسبب بدمار مماثل، ولو أقل نسبياً، في المدن الصهيونية، ومع أن الكيان يمتلك قوة فتاكة وقنابل تستهدف كل شيء في غزة كالمباني والجسور والشوارع والبنية التحتية ومحطات الكهرباء، لكن المرجح أن يبقي الكيان على سياسة جز الأعشاب مع المقاومة الفلسطينية في غزة بين عام وآخر، من دون خوض الحرب الشاملة.

لم تتوقف التصريحات الصهيونية ضد حماس عند الحديث الإعلامي، بل إن جيش الاحتلال خاض في الأسابيع الأخيرة سلسلة تدريبات ميدانية، تحاكي سيناريوهات عسكرية قد تشهدها الحرب المقبلة على غزة.

وأجرى سلاح البحرية الصهيونية مناورة في 13 أغسطس بالبحر المتوسط، لمحاكاة هجوم بحري من غزة على زورق صهيوني، عقب تنامي المخاطر الأمنية التي تشكلها الفصائل الفلسطينية على الزوارق الصهيونية في الجبهة الجنوبية بغزة، حيث تضع حماس القطع البحرية العسكرية للاحتلال على رأس أهدافها.

مع أن حماس، ترى في القوة البحرية التي شكلتها كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري للحركة، المسماة «الضفادع البشرية» مؤشراً على إيجاد معادلة جديدة أمام الجيش الصهيوني في الحرب القادمة ضد غزة، كما يظهر في استعداداتها لخوض معارك جديدة مع الجيش الاحتلال.

كما نفذت وحدة عسكرية صهيونية في 15 أغسطس تدريباً لمواجهة تسلل خلية فلسطينية من عشرين مسلحاً من غزة باتجاه التجمعات الاستيطانية المحاذية للقطاع عبر الأنفاق الحدودية بين غزة والكيان الصهيوني.

ربما تكون التهديدات الصهيونية المتتالية ضد غزة بأن تكون الحرب المقبلة هي الأخيرة للاستهلاك الإعلامي والمزايدة الحزبية بين الحكومة والمعارضة داخل الكيان، وبرغم عدم وجود مؤشرات ميدانية على وقوع حرب جديدة ضد غزة، لكن الفلسطينيين يظهرون جاهزية للدفاع عن أنفسهم، وعدم التأثر بهذه التهديدات، وفي الوقت نفسه، تجهز المقاومة للاحتلال الصهيوني ما تصفها بمفاجآت غير مسبوقة، ويفترض بجيشه أن يكون أخذ الدروس من حرب غزة عام 2014، وما قدمته المقاومة من أداء كبير.

وبرغم رفض حماس التهديدات الصهيونية لكن الواقع الميداني في غزة يشير إلى حالة من التوتر الأمني منذ أوائل أغسطس الماضي إزاء تصعيد صهيوني قادم في غزة، حيث تواصل التحليق المكثف للطائرات الصهيونية في أجواء غزة، وإطلاق النار اليومي على زوارق الصيادين، والتوغلات المتفاوتة على الحدود الشرقية للقطاع، مما قد يجعل الفلسطينيين متأهبين لإمكانية حدوث أي تدحرج ميداني للوضع قد يصل إلى حرب لا يريدونها، وهو ما حصل أوائل أكتوبر الجاري من قصف صهيوني مركز.

حماس في غزة أجرت مناورات عامة قبل عدة أشهر في أبريل لفحص أداء الأجهزة الأمنية والخدماتية في مدن القطاع، والتعرف على نقاط الضعف والقوة في الجبهة الداخلية، في ضوء الدروس التي استفادتها من حرب غزة 2014، وهي تحضر في الأسابيع المقبلة لإعداد مناورة شاملة في كل قطاع غزة دفعة واحدة في اللحظة ذاتها، للمرة الأولى في تاريخ القطاع لفحص الجهوزية اللازمة لمواجهة أي عدوان صهيوني.

يصعب الحديث عن حرب دامية قد يشنها الاحتلال على حماس للإطاحة بها، بعيداً عن المواقف السياسية لحلفاء حماس في المنطقة، خصوصاً قطر وتركيا، وكيف سيكون لمواقفهما المؤيدة للحركة دور بمنع الكيان من تنفيذ هذا الهجوم، لاسيما عقب المصالحة التركية مع الكيان التي تمت أواخر يونيو.

يرى الكيان الصهيوني أن البيئة السياسية الإقليمية المحيطة بحماس قد تكون الأسوأ بتاريخها، لتوتر علاقاتها مع مصر، وعدم تحسنها مع إيران، وانشغال الخليج العربي بملفات اليمن وسوريا، ومصالحة تركيا والكيان الصهيوني، وهذه ظروف إقليمية قد تشجع الكيان على مباغتة حماس بحرب قاسية، لكنه قد لا يرغب بقطيعة جديدة لعلاقاته مع تركيا إذا شن حرباً على حماس، مما قد لا يجعله مندفعاً في حرب تدميرية ضد غزة، على الأقل حالياً، ولذلك فإن الموقف الصهيوني يبدو غير واضح حتى اللحظة تجاه شن حرب قاسية على غزة أو عدمها.

 أخيراً.. ربما يدرك الكيان الصهيوني وحماس جيداً أن الحرب المقبلة قد لا تكون كسابقاتها من الحروب الثلاث التي شنها الكيان الصهيوني على غزة في أعوام 2008  و2012 و2014، لأن الجانبين استخلصا كثيراً من الدروس العسكرية والعملياتية، مما يعني أن الحرب الآتية ستكون دامية وقاسية، وقد تدفع بالجانبين للتروي مطولاً قبل إطلاق شرارتها المقبلة، لاسيما إن أعلن الكيان الصهيوني أنها ستكون الحرب الأخيرة.

 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.