المبحث الثاني: في مسوغات العزل

تحدثت في الجزء الأول من هذا المقال عن وجوب نصب الإمام ومسوغات نصبه، وبينا شروطه وواجباته. ونواصل في هذا الجزء الحديث عن العزل ومسوغاته.

العزل لغة: التنحي، واصطلاحاً: «العزل هو فسخ الولاية ورد المتولي كما كان قبلها»[1]. والعزل في السياسة الشرعية يعني تنحية الإمام عن الحكم فتسقط طاعته وتنحل بيعته ولا تكون له حقوق عند الرعية زائدة عن حقوق المسلم على المسلم، ويراد بالخلع ما يراد بالعزل في أحكام السياسة، فالعزل والخلع مترادفان معنوياً وقد تبين في المبحث السابق أن الإمام ينصب لأداء واجبات ويطلب فيه وجود صفات تكون مؤهلة لتحقيق هذه الواجبات، ومن ثم فإن العزل أو الخلع يعتمد في حقيقته على فقد مؤثر في الصفات المؤهلة أو تقاعس أو إخلال مؤثر بأداء الواجبات. 

التأصيل الشرعي لخلع أو عزل من فقد بعض مسوغات الولاية (صفات أو واجبات):

رأس السلطة التنفيذية (الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير أو السلطان أو ما شابه ذلك من الأسماء) في الدولة إنما ينصب ويؤمر المسلمون بطاعته لتحقيق أحكام الشرع في الواقع، ومراعاة مصالح المسلمين بجلب المصالح الراجحة ودرء المفاسد الراجحة، وبقاؤه في منصبه مرهون بالقدرة على القيام بذلك والقيام به فعلاً، وألا يعود نصبه على مقصوده بالإبطال: كأن يعطل أحكام الشريعة عن العمل بها، أو أن تكون أحوال المسلمين الدنيوية في زمنه في تأخر دائم، كالضعف العسكري في مواجهة الأعداء بسبب التخاذل والركون إلى الدعة، أو الخور والجبن أمام الأعداء حتى يتسلطوا على المسلمين فلا يردعهم رادع، أو تضعف أحوالهم الاقتصادية فترتفع أسعار السلع الضرورية ويعسر على أغلب الناس الحصول عليها، ويفشو الفقر بين الناس حتى تكثر المجاعات، أو يضعف الأمن ضعفاً بيناً حتى تنتشر الجرائم بلا رادع ويكثر الهرج وتفسد الأخلاق، وتتفشى الأمراض المهلكة بين الناس ولا تجد محاولة جادة للتصدي لها أو مقاومتها وتنتشر الأمراض والأوبئة نظراً للإهمال الجسيم في مراعاة القوانين الصحية والحفاظ على صحة الرعية، قال الأيجي: «وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، وإن أدى خلعه إلى الفتنة احتمل أدنى المضرتين»[2]، قال شارحه السيد الجرجاني في بيان السبب الموجب للعزل أو الخلع: «مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها»، فإن إقراره على هذه الحالة والإلزام بطاعته مفسدة راجحة، والشريعة لا تأمر إلا بالمصالح الراجحة وإن أدى ذلك إلى ترك المصالح المرجوحة، وتنهى عن المفاسد الراجحة وإن أدى ذلك إلى فعل المفاسد المرجوحة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع»[3]، فإذا لم يقم السلطان بما لأجله نصب سواء لإهماله وتقصيره وركونه للراحة والدعة، أو لعجزه وضعفه وقصوره؛ كان تغييره واستبدال غيره به ممن يقوم بمهام السلطنة هو المتعين، حفاظاً على المقاصد المبتغاة من نصبه والإلزام بطاعته، قال إمام الحرمين الجويني: «فأما إذا تواصل منه (الهاء هنا عائدة إلى ولي الأمر) العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور؛ فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم»[4]. ثم فصل كيفية الاستدراك فكان مما قال: «إن تيسر نصب إمام مستجمع للخصال المرضية، والخلال المعتبرة في رعاية الرعية، تعين البدار إلى اختياره، فإذا انعقدت له الإمامة، واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن تقديم درئه في مهمات أموره، فإن أذعن، فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة، وقابله مقابلة البغاة... وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية وإراقة دماء، ومصادمة أحوال جمة الأهوال، وإهلاك أنفس ونزف أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع»[5]، وربما يفهم من ذلك أن إمام الحرمين يجيز - في الحالة التي يتحدث عنها - نصب إمام رغم وجود الإمام الأول وهذا ليس من إجازة عقد الإمامة لاثنين في وقت واحد، ولكن إمام الحرمين يعد الإمام السابق إذا وصل للحالة التي يتكلم عليها فكأنه غير موجود وهو ليس موجوداً حقيقة وإن كان موجوداً صورة، والترتيب في ذلك أن يجتمع أهل الحل والعقد ويقرروا في مجلس واحد عزله ثم يعقدون بعد العزل الإمامة لمستحق لها.

قال النووي: «قال القاضي عياض أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة ... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه»[6]، وقال ابن حجر: «فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه»[7]. وقال أيضاً: «ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض»[8].

ويذكر الجويني ضابطاً مهماً في القيام بذلك عند حدوث سببه، وهو أنه لا يطلق للأفراد القيام بذلك فيقول: «ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا; فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن، وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فليمض في ذلك قدماً. والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع»[9]؛ لذا لا يصح اللجوء إلى هذه الوسيلة - في قول جمهور أهل العلم - في إنكار المنكرات أو رفع المظلمات، وإنما احتملت هذه الوسيلة مع خطورتها في حالة الردة لأن ردة ولي الأمر وخروجه من الدين أشد خطراً وضرراً على الأمة، وقد عد العلماء عدم قيام السلطان بمهام وظيفته أو التقاعس عن ذلك سبباً موجباً لعزله أو خلعه، قال الكتاني: «السبب الشرعي الموجب للخلع هو: ضعفه عن القيام بالمملكة من كل جهة، وعدم انتظام أمور المسلمين مع وجوده، ومن يكون كذلك؛ كيف يؤهل لمنصب الخلافة السامي، أو يكون سلطاناً شرعياً؟! معاذ الله أن يطلق عليه ذلك إلا هالك متهالك. ومهما وصل الحال في عصر إلى مثل هذا؛ إلا وجب على الكل إقامة من ينظر في مصالح المسلمين من غير تراخ»[10]، ثم شرع ينقل نصوص العلماء المؤيدة لفتواه - وأنا أنقل إلى هنا بعضها - فقال: «وها أنا أنقل نصوص أيمة الإسلام، وعلماء الحديث والكلام، الشاهدة بذلك، المصرحة بما سلكته هنالك؛ فأقول:

لما نفرت قلوب الرعية من السلطان مولانا سليمان بن سيدي محمد بن عبد الله - قدس الله أرواحهم - واختل نظام الجند في وقته؛ كتب رجال ذلك العصر شهادة عدلية ملخصها أنهم: يشهدون أن الناس بقوا فوضى، تتوارد عليهم الأحوال التي لا ترضى، من قطع الطريق، ونهب البضاعات، وسفك النفوس، وانهدام القواعد والأسس، وأن هذا الأمر عم المغرب رسمه وحده، من مراكش إلى وجدة، حتى وصل إلى فاس..

وعقب بسؤال علماء ذلك العصر: «هل يجوز مع وجود ذلك نصب إمام آخر يقيم لهم أودهم، وينصر عددهم، ويدفع بسبب عدله هذه الفتن التي أظلم يومها وعم تشويشها؟».

فأول من أجاب: مفتي القطر الفاسي؛ بل المغرب: أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الدكالي، وكتب ما نصه: «إن ما شهد به الشهود بالرسم حيث أشير؛ يوجب على المسلمين نصب إمام آخر. إذ مما يشترط في الإمام دواماً وابتداء - كما لغير واحد من الأيمة؛ حتى الشيخ السنوسي في شرح القصيدة - كونه قادراً على تنفيذ الأحكام، وانتصار المظلوم من الظالم، وتجهيز الجيوش، والذب عن بيضة الإسلام؛ إذ ذاك هو المقصود، والحكمة في نصب الإمام. فإذا تعذر؛ وجب على الأمة نصب غيره ممن يقدر على القيام بأمور المسلمين، وتدبير مصالحهم العامة...».

وتلاه شيخ الفقهاء، ومرجع الإفتاء؛ أبو محمد عبد السلام بن يوزيد الأزمي، وكتبا - أيضاً - ما نصه: «إن ما ثبت أعلاه يبيح للمسلمين إقامة إمام يقوم بمصالحهم، ويدفعون به يد الظالم عن المظلوم، وتنحل به بيعة الأئمة. قال في «المواقف» ما نصه: وللأمة خلع الإمام وعزله لسبب يوجبه؛ مثل: أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين، كما لهم نصبه وإقامته لإعلائها». وفي «شرح المقاصد»: من الأسباب المتفق على حل عقد الإمامة بها: ما يزول به مقصود الإمامة. ولا خفاء أن ما قيد في الشهادة أعلاه صريح في ذلك... قال في «الاستذكار» شرح قوله صلى الله عليه وسلم: وأن لا ننازع الأمر أهله: هم أهل العدل والإحسان، والفضل والدين مع القدرة على القيام بذلك». اهـ. وتلاه العلامة الأديب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الكريم اليازغي، وكتب ما نصه: «المسطور أعلاه، طالع على التحقيق مبناه، وكيف لا؛ وهو من القضايا المشهورة الملحقات بالضروريات، والنقول واردة على نسجه؟!. قال الطيبي في حديث: ألا وكلكم راع مسؤول عن رعيته: إشارة إلى أن المقصود من الإمام الأعظم: الحياطة والذب. وحيث انتفى ذلك في الأول بشهادة الأخبار المتواترة، والفتن المتكاثرة؛ فلا تخرج الناس عن دائرة الآثام إلا بخلعه، ونصب إمام آخر للإسلام. وهبه بقطر آخر نافذ الأمر، محكماً في زيد وعمرو؛ فإن ذلك لا يجدي، وليس إلى كلام أحد يهدي، لقصور فائدته على قطره وأبناء مصره».

وقد أفتى بنحو ذلك من عاصرهم من أئمة ذلك الوقت وأعلامه؛ مثل:...»[11] اهـ. وذكر أربعة عشر عالماً من علماء وقته.

وقد ذكر إمام الحرمين ضابطاً يعول عليه في تقرير العزل أو الخلع فقال: «كل ما يناقض صفة مرعية في الإمامة ويتضمن انتفاءها فهو مؤثر في الخلع والانخلاع، وهذا لا محالة معتبر الباب»[12].

الفرق بين العزل والانعزال:

ويفرق الجويني في هذا الصدد بين مصطلحين: العزل والانعزال.

فالانعزال: مفارقة الإمام لحكم الإمامة وذلك إذا قام به وصف ظاهر لا يخفى دركه - ولا يحتاج في الوقوف عليه إلى فضل نظر - مناقض مناقضة صريحة لصفة من صفات الإمام أو تقاعس عن أداء ما وجب عليه قال إمام الحرمين: «الذي يقتضيه استداد النظر ابتداراً قبل الافتكار وإنعام الاعتبار أن كل ما يناقض صفة مرعية في الإمامة ويتضمن انتفاءها، فهو مؤثر في الخلع والانخلاع، وهذا لا محالة معتبر الباب»[13].

العزل: ما يوجب العزل قيام صفة بالإمام يحتاج إدراك أثرها في صفات الإمام أو القيام بواجبه إلى نظر وعبر واجتهاد، وإذا تحقق ذلك فلا ينعزل الإمام حتى ينشئ أهل الحل والعقد عزله.

فالانعزال إذا تحقق ما يوجبه كان الأمام معزولاً بحكم الشرع ولا يفتقر ذلك إلى إنشاء عزل، أما العزل إذا تحقق ما يوجبه فلا ينعزل إلا إذا أنشأ عزله من له نصبه.

فسبب الانعزال حالة من البطلان تعتري عقد الإمامة فتبطله من تلقاء نفسه وأما سبب العزل فحالة من الفساد تعتري العقد فتتطلب من أهل الحل والعقد إنشاء عزله، ومثال ما يقتضي الانعزال الردة عن الإسلام والجنون والعمى وفقد الأعضاء قال الجويني: «فلو فرض انسلال الإمام عن الدين، لم يخف انخلاعه، وارتفاع منصبه وانقطاعه... ولو جن جنوناً مطبقاً انخلع، وكذلك لو ظهر في عقله خبل، وعته في رأيه، واضطرب نظره اضطراباً لا يخفى دركه، ولا يحتاج في الوقوف عليه إلى فضل نظر، وعسر بهذا السبب استقلاله بالأمور، وسقطت نجدته وكفايته، فإنه ينعزل كما ينعزل المجنون»[14].

وما يوجب العزل ويفتقر في حدوثه إلى أن ينشئه من له عقد الإمامة وحلها ثلاثة أمور:

1- الفسق الذي ليس بكفر.

2- نقص الصفات التي أهلته للإمامة نقصاً يؤثر تأثيراً بيناً في قدرته على القيام بواجباته.

3- إهماله للقيام بما وجب عليه إهمالاً يعود على الأمة بالنقص وتضعضع حالها.

قال الماوردي في كلام مطول له: «والذي يتغير به حاله (أي الإمام) فيخرج به عن الإمامة شيئان:

أحدهما: جرح في عدالته.

والآخر: نقص في بدنه.

 فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين:

أحدهما: ما تابع فيه الشهوة.

والثاني: ما تعلق فيه بشبهة.

 فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، وهو ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد. (قلت: وهذا النوع من الفسق في كلام الماوردي يوجب أن يكون مما يستوجب الانعزال لا العزل).

وأما الثاني منهما: فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض، فيتأول لها خلاف الحق قد اختلف العلماء فيها.

فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها.

وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها، (وهذا النوع حسب كلام الماوردي مما يقتضي العزل لا الانعزال).

وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام:

أحدها: نقص الحواس.

والثاني: نقص الأعضاء.

والثالث: نقص التصرف.

فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام:

قسم يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع منها، وقسم مختلف فيه.

فأما القسم المانع منها فشيئان:

أحدهما: زوال العقل، والثاني: ذهاب البصر، فأما زوال العقل فضربان:

أحدهما: ما كان عارضاً مرجو الزوال كالإغماء، فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة، ولا يخرج منها.

والضرب الثاني: ما كان لازماً لا يرجى زواله؛ كالجنون والخبل فهو على ضربين:

أحدهما: أن يكون مطبقاً دائماً لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به.

والضرب الثاني: أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة فينظر فيه، فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها (فهو مقتض للانعزال)، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة، (وهذا يستوجب العزل لا الانعزال).

وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ بطلت به الإمامة.

وأما القسم الثاني من الحواس التي لا يؤثر فقدها في الإمامة فشيئان:

أحدهما: الخشم في الأنف الذي لا يدرك به شم الروائح.

والثاني: فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم، فلا يؤثر على هذا في عقد الإمامة؛ لأنهما يؤثران في اللذة ولا يؤثران في الرأي والعمل.

وأما القسم الثالث: من الحواس المختلف فيها فشيئان:

الصمم والخرس فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة؛ لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود، واختلف في الخروج بهما من الإمامة، فقالت طائفة: يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التدبير والعمل.

وقال آخرون: لا يخرج بهما من الإمامة لقيام الإشارة مقامهما، فلم يخرج منها إلا بنقص كامل، وقال آخرون: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما؛ لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة، والأول من المذاهب أصح. (وهذا مما يبين أن الصمم والخرس مما يقتضي العزل لا الانعزال).

وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام:

أحدها: ما لا يمنع من صحة الإمامة في عقد ولا استدامة، وهو ما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض، ولا يشين في المنظر.

والقسم الثاني: ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها، وهو ما يمنع من العمل كذهاب اليدين أو من النهوض، كذهاب الرجلين، فلا تصح معه الإمامة في عقد ولا استدامة؛ لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في علم أو نهضة.

والقسم الثالث: ما يمنع من عقد الإمامة، واختلف في منعه من استدامتها، وهو ما ذهب به بعض العمل أو فقد به بعض النهوض، كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، فلا يصح معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التصرف، فإن طرأ بعد عقد الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء:

أحدهما: يخرج به من الإمامة؛ لأنه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من استدامتها.

والمذهب الثاني: أنه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها؛ لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص.

والقسم الرابع: ما لا يمنع من استدامة الإمامة، واختلف في منعه من ابتداء عقدها وهو ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا في نهضة، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين، فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها؛ لعدم تأثيره في شيء من حقوقها.

وأما نقص التصرف فضربان: حجر وقهر.

فأما الحجر: فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في صحة ولايته، ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها تنفيذاً لها وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة.

وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه.

وأما القهر: فهو أن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة، فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو فداء»[15].

وقال الجويني: «فأما الفسق المؤثر، فالقول فيه ينقسم: فإن كان يحتاج في إظهار خلله إلى اجتهاد، فلا نقضي بأنه يتضمن الانخلاع بنفسه، بل الأمر فيه مفوض إلى نظر الناظرين، واعتبار المعتبرين... فالقول الضابط في ذلك أن ما ظهر وبعد زواله، فهو موجب الانخلاع، وما احتيج فيه إلى نظر وعبر، لم يتضمن بنفسه انخلاعاً»[16].

«فالذي يقتضي الانخلاع سبب ظاهر لا خفاء به، ويبعد ارتقاب زواله، ولا يقدر تعلق زواله باختيار مختار، وإيثار مؤثر، فما كان كذلك، فإنه يتضمن الانخلاع، كالجنون المزيل للتكليف إذا استحكم، والعته والخبل الذي يظهر خلله من غير احتياج إلى نظر، ويكون ميؤوس الزوال، وكل سبب يحتاج في إظهار خلله إلى نظر. فإن اقتضى خلعاً فهو إلى الناظرين»[17].

ويضع القرافي قاعدة لبيان ما يوجب الانعزال قال: «في الانعزال في الجواهر ينعزل بما لو قارن التولية منع انعقادها كالكفر والجنون وما تقدم معها وكذلك طريان الفسق على المشهور وقال أصبغ: لا ينعزل بطريانه ولا يجب على الإمام عزله عند مالك»[18].

وقال الغزالي: «الانعزال وينعزل بكل صفة لو قارنت التولية لامتنع كالعمى والجنون والنسيان، أما الفسق فالإمام الأعظم لا ينعزل بطرآنه إذ فيه خطر ويجر ذلك فساداً»[19].

وقد تبين بما تقدم الفرق بين مصطلحي العزل والانعزال أو الخلع والانخلاع وما يترتب على كل منهما.

ففي حالة الانعزال أو الانخلاع يكون عزله وخلعه بحكم الشرع لا يحتاج إلى إنشاء حكم بذلك من أهل الحل والعقد بل متى تحقق وجود سببه فهو معزول قد سقطت طاعته وانحلت بيعته من رقاب المسلمين  ويترتب على ذلك أنه متى تحققت شروط الانعزال أو الانخلاع يصبح الخليفة معزولاً وتسقط ولايته وطاعته بمجرده، وذلك في الحالات التي تقدم ذكرها كحالة الردة وزوال العقل بالجنون أو الخرف ونحوهما وفقد الأعضاء كاليدين والرجلين بما يجعله عاجزاً، وزوال التصرف كالوقوع في الأسر أو تحت القهر، بينما لا يصير الخليفة مخلوعاً ولا معزولاً في حالة الخلع أو العزل حتى وإن تحقق سببه وشرطه ما لم ينشئ ذلك الخلع أو العزل من لهم حق إنشائه وهم أهل الحل والعقد الذين إليهم حق نصبه، وذلك في حالة الفسق أو الظلم أو الجور.

 

:: مجلة البيان العدد  339 ذو القعدة  1436هـ، أغسطس  - سبتمبر  2015م.


[1]  الذخيرة للقرافي 10/127.

[2]  المواقف لعضد الدين الأيجي 3/595.

[3]  مجموع الفتاوى 28/284.

[4]  غياث الأمم في التياث الظلم 106.

[5]  غياث الأمم في التياث الظلم 109-110.

[6]  شرح النووي على صحيح مسلم 12/229.

[7]  فتح الباري 13/8.

[8]  فتح الباري 13/123.

[9]  غياث الأمم في التياث الظلم 115-116.

[10]  اختصار «مفاكهة ذوي النبل والإجادة»، في شروط البيعة ونواقضها في الإسلام، لشيخ الإسلام حافظ المغرب عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني المتوفى عام 1382 رحمه الله تعالى:

[11]  اختصار «مفاكهة ذوي النبل والإجادة»، في شروط البيعة ونواقضها في الإسلام للكتاني 4-6.

[12]  غياث الأمم في التياث الظلم 75.

[13]  غياث الأمم 98.

[14]  غياث الأمم 98-99.

[15]  الأحكام السلطانية 42-47.

[16]  غياث الأمم 122-123.

[17]  غياث الأمم 124.

[18]  الذخيرة 10/127.

[19]  الوسيط في المذهب 7/295.