مسألة «عزل الإمام: ما مسوغه وكيف يكون؟» تعد من أهم مسائل فقه السياسة الشرعية، وقد قضت الشريعة بعدم تأبيد عقد الإمامة، وربطت دوامه بدوام الشروط والصفات التي بمقتضاها عقدت له الإمامة، وقيامه بالواجبات التي أوجبها عليه عقد الإمامة وعدم الإخلال بها.

ومن ذلك إمكانية عزله إذا اختلت الشروط والصفات التي اختير بناء عليها، أو لم يحقق الغرض من نصبه وكان في بقائه في منصبه انحلال أمر الأمة وتدهور حالها، وفساد للأمة وضياع مكانتها وهيبتها.

فالولاية ليست أبدية كالملكية كما أنها ليست مؤقتة بزمن ما كالجمهورية، ولكن عقد الولاية عقد مطلق من الناحية الزمنية ويظل العقد ساريًا ما لم يقم مسوغ من مسوغات إنهائه المشروعة.

ومسوغات إنهائه تنحصر في مسوغين رئيسين:

1- الإخلال الجسيم بالواجبات الملقاة على عاتقه، ومن ثم عدم القدرة على تحقيق الغايات التي من أجلها نصب وما يترتب على ذلك من اختلال الأمور اختلالًا عظيمًا، وهذا يجعل من وجود الإمام وتقرير طاعته في هذه الحالة شرًّا على الأمة، قال الجويني: «ترك الناس سدى ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم على اتباع من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين... فإن أمكن استدراك ذلك، فالبدار البدار قبل أن تزول الأمور عن مراتبها وتميل من مناصبها، وتميد خطة الإسلام بمناكبها»[1].

2- فقد شرط أو أكثر من الشروط الجوهرية التي أهلته لولاية الأمر.

وسأبحث في هذا المقال مسألة «عزل الإمام»، والتي بدأت باكرًا في تاريخ الأمة الإسلامية منذ خلافة الخليفة الراشد عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنه، في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مسوغات نصب الإمام.

المبحث الثاني: مسوغات العزل.

المبحث الثالث: الكيفية التي يمكن بها العزل.

المبحث الأول مسوغات نصب الإمام:

مسوغات نصب الإمام نبحثها في فرعين: الأول عن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها، والثاني عن الواجبات التي يجب عليه القيام بها.

الفرع الأول: شروط رئيس الدولة:

بينما نجد شروط رئيس الدولة في الأنظمة المعاصرة التي تلتزم بالدساتير الوضعية لا تتجاوز أمورًا أقرب ما تكون إلى الشكلية منها إلى الشروط الموضوعية التي تضمن نصب مستحق للمنصب، فإننا نجد في المقابل في النظام الإسلامي الشروط الموضوعية - إلى جانب الشروط الشكلية - التي تصف بدقة الصورة التي ينبغي أن يكون عليها الإمام.

تدور شروط رئيس الدولة في أغلب الدساتير الوضعية حول الآتي:

1- تحديد سن من يتبوأ هذا المنصب، وفي غالب الأحيان تكون أربعين سنة ميلادية فما فوق.

2- التمتع بجنسية البلد التي يكون رئيسًا لها، هو وبعض آبائه.

3- التمتع بممارسة الحقوق السياسية فلا يكون محرومًا من ممارستها.

هذه مجمل الشروط في رئيس الدولة، وهي شروط كما يتبين للناظر لا تكفل الإتيان بصالح لهذا المنصب من حيث الصفات أو قادر على القيام بأعباء منصبه من حيث الواجبات حتى مع افتراض توفر هذه الشروط الشكلية في من يتصدى لهذا المنصب الرفيع ويتولاه.

 وهناك بعض الشروط التي ربما ينص عليها في دستور ولا ينص عليها في آخر، وهي مع ذلك غير كافية في اختيار صالح لهذا المنصب العالي.

وفي المقابل نجد أن الشروط المطلوبة من الناحية الشرعية في الإمام تتجاوز هذه الأمور الشكلية إلى الشروط الموضوعية التي على أساسها يتبين مدى صلاحية رئيس الدولة الحقيقية لأن يكون في هذا المنصب الرفيع، والتي تؤهله حقيقة للقيام بوظيفته على نحو يسمح له بدرجة كبيرة جدًا بتحقيق الأهداف والغايات المتوخاة من نصبه:

  فأول هذه الشروط وأهمها أن يكون رئيس الدولة مسلمًا عند التولية وفي أثنائها، فلو طرأ عليه كفر أو ارتد - نستعيذ بالله من ذلك - انعزل ولم تعد له ولاية، والأدلة على وجوب كونه مسلمًا كثيرة مشهورة، ويكفي في ذلك أن نذكر الإجماع، قال ابن المنذر: «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال»[2]، وقال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل»[3]، وهذا الشرط يكشف بوضوح وجلاء طبيعة هذه الدولة، ويبين أنها دولة الشريعة، كما يبين الواجب الملقى على كاهل رئيس الدولة حيث يبين وجهتها، وأن دور الشعب: حاكمًا ومحكومًا، هو دور المتبع الذي لا يملك الخروج عما حدته له أحكام الشرع، وهذا الشرط مما ليس له وجود في أكثر دساتير الدول العربية، ووجوده في البعض القليل الآخر لا يتضمن الالتزام بشرائع الإسلام وإنما هو وجود اسمي أو شكلي، لأنه لا توجد أي مادة تلزمه باتباع الشريعة أو تجرم مخالفته لها، أو تبين ما يجب عمله إذا خالف الشريعة، ولا ترتب على مخالفته للشريعة أي تصرف، بعكس ما إذا خالف القانون أو الدستور؛ مما يبين أن المحظور فقط هو مخالفة القانون أو الدستور.

 العلم: وهذا منظور إليه من ناحية العلم الشرعي، وذلك نابع من طبيعة الدولة في الإسلام وأنها دولة الشريعة. وقد اختلفت أقوال أهل العلم في الحد الذي ينبغي أن يحصله الخليفة من العلم على قولين:

1- القول الأول: أن يكون الإمام قد بلغ مرتبة الاجتهاد.

 2- القول الثاني: لا يشترط بلوغ رتبة الاجتهاد، ولكن يكفي أن يحصل من العلوم ما يتمكن به من فهم المشكلات، ويقدر على الموازنة بين الآراء المختلفة المتعارضة ليتوصل إلى أقرب الآراء للصواب، وأيًّا ما كان الأمر فإن الخليفة لا يستغني عن مراجعة العلماء فيما يشكل من الأمور والنوازل، ويجب عليه مراجعة أهل العلم الموثوق فيهم ديانة وعلمًا فيما أشكل عليه ولم يتبين له وجهه ولا يجوز له الإقدام على جهل وعدم دراية بالواقع «وسبيله إذا وليها ألا يقدم على خطب انفرادًا منه برأيه واستبدادًا، ويستضيء برأي الحكماء والعقلاء، ثم إذا عزم توكل»[4].

ونظرًا لتدني حالة المعرفة بالعلوم الشرعية على المستوى العام فإن اختيار القول الثاني في حد العلم اللازم للإمام يكون أرفق بالأمة وأقرب إلى تحقيقه، وينبغي أن يضم إلى هذا القول حتى يكون أقرب ما يكون إلى التمام والمحافظة على الشريعة أن يقال بوجوب وجود مجلس شرعي للإفتاء بجانب الإمام حتى يبت في كل المسائل المشكلة التي تحتاج إلى بيان حكم الشريعة فيها، وهذا المجلس غير مجلس الشورى لأن الشورى تكون في الأمور المباحة لاختيار أنسبها وأسهلها كما قال البخاري رحمه الله: «كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم»[5].

والعناية بالعلم الشرعي لا تعني أن يكون الإمام عاريًا من العلوم الأخرى، وإنما ينبغي أن يكون له بصر نافذ في الحادثات وقدرة على السياسة.

 وهذا الشرط شرط العلم مما ليس له وجود أو نظير في الدساتير العربية مما يسمح بأن يرقى لهذا المنصب العالي الجهلاء وأشباههم حتى تكون أعلى درجة علمية وصل إليها هي مجرد الإلمام بالقراءة والكتابة، فبعض الدساتير لم تشر لعلم الرئيس البتة، والبعض الآخر اكتفى باشتراط أن يكون ملمًا بالقراءة والكتابة، وكيف يكون في الوطن دكاترة في الطب والهندسة وأساتذة في كل العلوم ومراكز أبحاث متخصصة ويكون الإلمام بالقراءة والكتابة هو أعلى مؤهل عند الرئيس!

 العدالة: وهي صفة تجعل من اتصف بها في مقام بحيث يكون مؤديًا للفرائض مجانبًا لكبائر الذنوب، غير مجاهر ولا مصر على صغائرها، فهي تجمع العديد من الصفات الحسنة كالتقوى والأمانة والصدق، وتنفي الصفات السيئة كالكذب والغش والخيانة، بل إنها تحمل صاحبها على بلوغ درجات عليا من العدالة ليست بواجبة، كالحياء الذي يدفع صاحبه إلى هجر بعض المباحات، أو البعد عن الانهماك فيها، لما يدل الانغماس فيها على ضعف جانب الزهد في مباهج الحياة الدنيا، كما تحمله العدالة على مراعاة الآداب العامة ومراعاة العرف، ولا شك أن الفسق على الضد من العدالة، ومن ثم لا يجوز عقد الإمامة للفاسق ابتداء، فالإمام ينصب لحفظ الدين وسياسة الدنيا به وإقامة العدل بين الناس ودفع الظلم، وما به من فسق يقعده في غالب أمره عن القيام بذلك، ومن ثم فلا يجوز عقدها لفاسق.

والفسق في قول جمهور الفقهاء يمنع من ابتداء عقد الإمامة لكنه لا يمنع من استدامتها لما يترتب على إخراجه منها بالفسق من مفاسد تزيد في غالب الظن على ما يتوقع من ذلك من المصالح لاسيما إن كان مع فسقه محققًا لمصالح الأمة ساعيًا في علو شأنها ومراغمًا لأعدائها.

 جودة الرأي التي تفضي إلى السياسة الحسنة للرعية، وتدبير المصالح في السلم والحرب على نحو يتمكن به من القدرة الكاملة على سرعة البت في الأمور المهمة التي تتعلق بها مصالح الرعية والتي لا يصلح التأخر كثيرًا في اتخاذ القرار الصائب بإزائها.

 سلامة الحواس والأعضاء حيث تمكنه من سرعة الانتهاض في الملمات والتي يؤثر فقدانها على قيام الإمام بمهام ومتطلبات وظيفته، سواء بالعجز عن القيام بها أو الضعف في استيفائها، لأن مقصود الإمامة لا يتم مع فقد هذه الأشياء.

 الشجاعة والجرأة التي تحمل الإمام على الإقدام على ما فيه تحصيل المصالح العامة للأمة بغير خوف ولا اضطراب أو تردد.

 الرجولة: فالإمام ينبغي أن يكون رجلًا حيث إن طبيعة مهام الإمامة لا يقدر على القيام بها على وجهها إلا الرجال الأقوياء جسدًا وعقلًا وقلبًا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»[6]، وهي من المسائل التي انعقد الإجماع عليها، وهذا ليس فيه حط من المرأة أو إزراء بها كما يصور ذلك الذين لا يعقلون، فإن كل عمل من الأعمال يتطلب وجود صفات تناسبه، ومن المتفق عليه بين العقلاء أنه ليس من الحكمة تكليف المرء بما لا يناسبه أو يخالف طبيعته، وقد قضى الله تعالى أن يرسل إلى خلقه رسلاً وأنبياء يبلغون الناس الرجال والنساء عنه ما أراده منهم، ومع ذلك فما أرسل إليهم إلا الرجال ولم يكن ذلك حطًا من مكانة المرأة ولا استهانة بقدراتها ولا ظلمًا لها.

  البلوغ والعقل: وهذان شرطان لازمان في الولايات كلها وفي التكاليف جميعها، والعقل المطلوب ليس فقط العقل الذي تجب به التكاليف، «بل لا بد أن يكون على درجة عالية من الذكاء والفطنة تمكنه من التفكير في قضايا الأمة وإيجاد الحلول المناسبة لها»[7]، فهذا مجمل الصفات المطلوبة في الإمام، وأما الحديث عن شرط القرشية فذاك مطلوب في الخليفة أو الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»[8]، وقوله: «إن هذا الأمر في قريش»[9] أما رئاسة الدول التي تعد إمارة وليست بخلافة فلا يشترط فيها ذلك.

لكن هذا يدل على أن رأس الدولة - سواء أكان خليفة أم لم يكن خليفة - ينبغي أن يكون متكئًا على قوة تساعده على أداء مهامه وتمنع بعض المغامرين من الخروج أو الانقلاب عليه كأن يستند إلى قبيلة قوية أو إلى جماعة لها وجود قوي على الأرض أو وقوف مؤسسات الدولة المختلفة معه كالجيش والشرطة والقضاء والإعلام ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في سقيفة بني ساعدة غداة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع الصحابة لاختيار من يخلفه في قيادة الدولة: «إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب دارًا ونسبًا»[10].

وقد فسر ابن خلدون ذلك بضرورة أن يستند ولي الأمر إلى عصبية أي ما يتعصب به ويتقوى ويدل لأهمية وجود القوة التي يستند إليها الإمام قوله صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه»[11]، الثروة: الكثرة والمنعة.

وقد أجمل الماوردي تلك الشروط فقال: «وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة.

والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض.

والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.

والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.

والسابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه»[12].

الفرع الثاني: واجبات الإمام:

هناك واجبان أساسيان تتفرع عنهما واجبات تفصيلية يلزم الخليفة القيام بهما وما نصب إلا من أجل تحصيلهما، وهما:

 1- حراسة الدين وحفظه من أن يزاد فيه أو ينتقص منه وهو أهم ما يُعتنى به ويحافظ عليه.

 2- سياسة الدنيا به إذ لا تمضي الأمور على الاستقامة وتتحقق الأهداف العامة إلا بذلك، وهذه تتناول المصالح الدنيوية جميعها، واتخاذ الخطوات التنفيذية والتنظيمات العملية لتحقيق ذلك حتى ينتقل الأمر من مجرد وصايا نظرية ونصائح إلى تصرفات وإجراءات عملية ملزمة تبعًا لقانون واضح ومستقيم لتطبق في الواقع المعاش.

وتتفرع عن هذين الواجبين الكبيرين أمور كثيرة أجملها الماوردي بقوله: «الذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:

أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.

الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.

الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم؛ ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.

والرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.

والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا.

والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة؛ ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله.

والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف.

والثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.

التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.

العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقًا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)»[13].

مما تقدم ذكره يتبين أن الخليفة تجب عليه أمور لا يجوز له أن يتخلى عنها أو يتقاعس عن الإتيان بها، وأنه مسؤول عنها أمام الله ثم أمام الأمة وأن المسؤولية تقع عليه كاملة في القيام بها، فحتى إن أناب عنه البعض أو وكلهم وفوض إليهم بعضًا من مهامه لتعذر القيام بها من قبله من غير معين يساعده، لكان عليه المتابعة وتفقد الأمور حتى يتبين له أنها تسير على النحو المرضي الموافق للشريعة ويحقق المصالح العامة للأمة ولا يجوز له أن يتشاغل عن ذلك ولو بزعم العبادة فإن قيامه على أمر الأمة وحفظ دينها وتحقيق مصالحها ودرء الغوائل عنها أفضل وأعظم أجرًا من نوافل العبادات، فإن التقرب إلى الله تعالى بالواجبات مقدم على التقرب بالنوافل إذا لم يمكن جمعهما معًا قال تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»[14].

انقسام واجبات الخليفة:

1- هذه الواجبات منها ما هو ديني صرف كحفظ الدين على أموره المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة ويتفرع عن ذلك: إقامة المدارس والمعاهد والكليات التي تدرس فيها هذه الأمور، ونصب القضاة الذين يقضون بالكتاب والسنة بين الناس، والمفتين الذين يفتون الناس فيما ينوبهم من قضايا ونوازل، وإزالة الشبه التي تقع لبعض الناس وردعهم عن التمادي في باطلهم بعد إقامة الحجة وإزالة العذر.

والعناية بالمساجد التي يؤدي فيها المسلمون صلواتهم من نظافة وفرش وترميم عند الحاجة ونصب الأئمة لها، وتحري أهلة الشهور وخاصة ما تعلقت به العبادة كشهري الصوم والحج. وتيسير سبيل الحج والإعانة عليه.

وكذلك جمع الزكاة ممن وجبت عليه وصرفها في مصارفها الشرعية وهذا واجب ديني إضافة إلى كونه واجبًا اقتصاديًّا.

والدعوة إلى الله تعالى بكل سبيل وإعانة الدعاة إلى الله على ذلك. وجهاد من أبى وعاند بعد الدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة حتى يسلم أو يسالم بالالتزام بعقد الذمة ويلتزم إعطاء الجزية.

وحفظ الآداب والأخلاق العامة ونشر الفضائل وإزالة المنكرات في شتى مناحي الحياة.

2- ومنها ما هو أمني: سواء مما يتعلق بالأمن الداخلي كتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين وإقامة الحدود لتصان المحارم وتحفظ حقوق العباد، وهذا يحتاج إلى نصب القضاة الذين يحكمون بالشريعة ويكونون مستقلين فيما يصدر عنهم من أحكام بحيث لا يتأثرون بشيء فيما يصدرون من أحكام، وإيجاد جهاز شرطة قوي وقادر على تحقيق المصالح المناطة به وإمدادهم بكل ما يحتاجون للقيام بواجباتهم.

وكذلك الأمن الخارجي كتحصين الثغور وحفظ حدود الديار من الاختراق من قبل الأعداء، وهذا يستلزم وجود جيش قوي وقادر مزود بالأسلحة المناسبة مع ما ينضاف إلى ذلك من التدريب وتحديث الأسلحة.

وأيضًا الأمن الفكري كحفظ عقول الناس من الأقوال والأفكار المخالفة لصحيح المنقول أو صريح المعقول ومنازلة الغزو الفكري القادم من الفضائيات أو شبكة المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يتبع ذلك من إنشاء ولاية للحسبة الفكرية تعنى بمتابعة الأفكار والأقوال التي يتم تداولها في وسائل الإعلام المتنوعة والكتابات؛ حتى يأمن الناس على عقائدهم وعقولهم.

 والذي لا شك فيه أن القيام بذلك يحتاج إلى هيئات مساعدة وتنظيمات إدارية ومؤسسات إشرافية ورقابية، وبذلك يتبين أن الواجبات المنوطة بولي الأمر كثيرة ومتشعبة وقابلة للاتساع بحسب ما يلزم للقيام بالواجبات الأساس.

3- ومنها ما هو اقتصادي: حيث يعنى بحفظ ثروات المسلمين وتنميتها، وما يستتبع ذلك من إقامة المشروعات الزراعية والصناعية بحسب بيئة المجتمع، وإنشاء الأجهزة والإدارات التي تعمل على تحقيق ذلك، ثم توزيع هذه الثروات بين المسلمين بالعدل حيث لا تستأثر بالخيرات فئة ويحرم منها آخرون، ومنع المعاملات المحرمة كالربا وكل ما جاء في باب البيوع المحرمة والعقود المحرمة كذلك.

4- ومنها ما هو إداري حيث يستعين بالأكفاء النصحاء القادرين على تحقيق خطة وطموحات الدولة فيوليهم الولايات ويضع التنظيمات المناسبة التي تعين على ذلك، ثم هو بعد ذلك يتصفح الأحوال ولا يتشاغل عن متابعة الأمور لا بدنيا ولا بعبادة، فهذا وما شاكله مما يجب على الإمام القيام به.

ويستحدث من الأنظمة والتدابير الموافقة للأحكام الشرعية ما يعين على القيام بكل ما وجب على أحسن حال من حيث الدقة والأمانة وسرعة إنجاز الأعمال.

5- ومنها ما هو سياسي وهو القيام على أمور الأمة بما يصلحها وما يترتب على ذلك من إشراك الأمة في تحمل مسؤولية أمانة الحفاظ على دين الأمة وإصلاح دنياها ومشاورة أهل الشورى في تحقيق ذلك وترك الاستبداد بالأمور، وكفالة حرية الأمة في اختيار ما تستريح إليه مما تقره أحكام الشريعة، وتمكينها من حقوقها، ومنع الفساد وتضييق سبله إذا لم يمكن منعه كليًّا.

6- ومنها ما هو اجتماعي كرعاية أخلاق الناس ودفع المنكرات وإشاعة المعروف وبالجملة كل ما ورد فيما يقوم به أهل الحسبة، مع تعيين المحتسبين الأكفاء للقيام بتلك المهمة وإعانتهم عليها بتوفير كل ما يحتاجون إليه.

 

:: مجلة البيان العدد  338 شوال  1436هـ، يوليو  - أغسطس  2015م.


[1] الجويني، غياث الأمم 106-107.

[2] أحكام أهل الذمة لابن القيم 465/1 طبعة دار الكتب العلمية بلبنان.

[3] شرح النووي على صحيح مسلم 229/12.

[4] الجويني غياث الأمم 314.

[5] صحيح البخاري باب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم} [الشورى: ٨٣]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: ٩٥١]، وأن المشاورة قبل العزم والتبين؛ لقوله تعالى: {فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: ٩٥١]، فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله.

[6] أخرجه البخاري رقم 4073.

[7] الإمامة العظمى 240 د. عبدالله الدميجي.

[8] أخرجه أحمد في المسند رقم 12307 وغيره، وذكر ابن حجر أنه متواتر.

[9] أخرجه البخاري رقم 3500.

[10] تاريخ ابن جرير الطبري 3/205-206.

[11] أخرجه الترمذي في سننه وقال: حسن وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وقال الألباني: حسن صحيح وأخرجه أحمد في المسند وقال الأرناؤوط : حسن، وأخرجه غيرهم.

[12] الأحكام السلطانية ص8.

[13] الأحكام السلطانية 17-18.

[14] أخرجه البخاري في صحيحه رقم 6502.