يفد بعض طلاب العلم من دول متعددة من مختلف أنحاء العالم للدراسة في الجامعات الإسلامية في الخليج ومصر والسودان... وغيرها. ويدرسون الفقه في بعض المواد على أصول المذهب السائد في مكان الدراسة، ثم يعودون إلى بلدانهم للدعوة والتعليم والخطابة، فهل المطلوب أن يُغير هؤلاء الطلاب المذهب السائد في بلدانهم إلى المذهب الذي درسوه؟!

ونظير هذا أنَّ بعض الطلبة ربما تعلم القرآن على قراءة حفص عن عاصم مثلًا، فهل المطلوب أن يقرأ بها في بلده خلاف القراءة السائدة كقراءة ورش أو قالون أو الدوري أو غيرها؟!

وفي السياق نفسه تنتشر الجمعيات الدعوية الخليجية التي تعمل في دول متعددة حول العالم، وتؤسس المراكز والمساجد والمعاهد العلمية التي تعنى بنشر العلوم الإسلامية، فهل المطلوب منها أن تنشر مذهبًا فقهيًا معينًا على حساب المذاهب الفقهية السائدة في تلك البلدان؟!

الحقيقة أنَّ قريبًا من هذا قد يحدث من بعض الجمعيات وطلبة العلم بقصد أو بغير قصد، وليس هذا من الفقه في شيء، فأكثر الخلاف بين المذاهب الأربعة في المسائل الفقهية هو من الاختلاف السائغ، ولا ينبغي أن يؤدي إلى خصومة ونزاع وتفرق، وقد كان بعض الأئمة المتبوعين يترك اجتهاده في بعض المسائل الفقهية للتأليف وجمع الكلمة، وهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ترك نقض الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام[1]، خشية أن يفهم الناس - بسبب حداثة عهدهم بالشرك - فهمًا غير صحيح، فتكون المآلات غير محمودة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قراءة البسملة: «وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها، إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدًا، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة»، ثم قال: «يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متمًا، وقال: الخلاف شر»[2].

وقد خطَّ الأئمة في ذلك منهجًا ينبغي تدارسه واقتفاؤه، ومن ذلك قول الإمام أحمد بن حنبل: «من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه، ويشدِّد عليهم»[3]، ونحوه قول ابن قدامة المقدسي: «لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات»[4].

والإصرار على غير ذلك يؤدي في الغالب إلى ثلاث مفاسد:

المفسدة الأولى:

إيجاد قطيعة مع المجتمع ومؤسساته الدينية والعلمية، فيشعر الداعية أنه منفصل عن النسيج المجتمعي وأعرافه السائدة. وتزداد هذه القطيعة بمبالغة بعض الدعاة المحليين حتى في اللباس، حيث يلبس هؤلاء الدعاة خلاف اللباس السائد في بلدانهم، وهذا خلاف السنة[5].

المفسدة الثانية:

نشر الاجتهادات الفقهية المخالفة للمذهب السائد خاصة في مسائل العبادات التي استقر العمل بها عند العامة يؤدي في بعض الأحيان إلى توجس وقلق، ثم إلى توتر مع بعض العلماء وبعض المؤسسات المحلية، خاصة أنَّ الصورة الذهنية التي تشكلت في بعض وسائل الإعلام ويتداولها بعض المناوئين تعزز من هذا التوجس، وقد يصل ذلك إلى مرحلة الخصومة والنزاع، وربما أدى إلى منع بعض الدعاة من الإمامة والخطابة، لأن الناس يرون أنَّ ذلك الداعية يستهدف تغيير ما تعارفوا وتربوا عليه، ومن فقه الإمام مالك بن أنس أن أبا جعفر المنصور لما أراد أن يلزم الناس بالأخذ بموطئه، نهاه، ورأى أن ردَّ الناس عمَّا اعتقدوه شديد، فلا ينبغي عسفهم عليه ومصادمتهم به، حيث قال: «يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإنَّ ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم»[6].

وقد تنبه القاضي أبو يعلى الحنبلي لمثل هذا، حيث «قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده فأخبره، فقال: إن أهل بلدك كلهم يقرؤون مذهب الشافعي، فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟! فقال: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت. فقال له: إن هذا لا يصلح؛ فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدًا يُعيد معك ولا يدارسك، وكنت خليقًا أن تثير خصومة ونزاعًا؛ بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى»[7].

المفسدة الثالثة:

عندما اجتهد بعض هؤلاء الدعاة في التنبيه على بعض البدع والضلالات المتوارثة في بعض المجتمعات خاصة في توحيد العبادة، انقدح في ذهن بعض الخاصة وكثير من العامة أنَّ ذلك من فرائد المذهب الحنبلي القادم من الخارج، وربما أسموه بالوهابية ونحوها، فنفروا منه ولم يتقبلوا ذلك الخطاب الدعوي والعلمي، ووصفوه بالتشدد، وربما استغل ذلك بعض المغرضين للتحريض عليهم!

والعوائد الفقهية الراسخة في المجتمعات ينبغي أن يترفق الدعاة في علاجها إذا كانت خلاف السنة، ويتلطفوا مع الناس في بيان وجه الحق فيها، وما تحلى الداعية بصفة أبلغ أثرًا من الرفق وسعة الصدر، فذلك السبيل الأمثل لاستيعاب الناس وكسب قلوبهم. وقد امتن الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وكانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه الصديقة عائشة - رضي الله عنها - قوله: «يا عائشة! عليك بالرفق، فإن الرفق لم يك في شيء إلا زانه، ولم يُنزع من شيء إلا شانه»[8].

وتقصد استفزاز المجتمع بما لم يعهده في فروع الفقه يؤدي في بعض الأحيان إلى مقابلة ذلك بالاستيحاش ثم التعصب والعناد، وربما استثار كوامن التحدي والإصرار، ومن اللفتات الجميلة التي نقلها الشاطبي عن أبي حامد الغزالي قوله: «أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام، بتعصب جماعة من أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها»، ثم علق الشاطبي على ذلك بكلمة جامعة تصلح أن تكون هدفًا دعويًا، فقال: «هذا ما قال، وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية، فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك، والله أعلم»[9].

إنَّ مراعاة أحوال المخاطبين والتلطف في التودد معهم، والحرص على تماسك المجتمع واستقراره، من المقاصد الدعوية المهمة التي تكون سببًا من أسباب النجاح والتأثير، وتوفر المناخ الملائم لنشر الدعوة، وتعزز ثقة الناس بالدعاة والخطباء، ولعل هذا من مقتضيات قول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»[10].

وحين يكون عمل الدعاة على جمع قلوب الناس على أصول الدين ومحكمات الشريعة، فإن ذلك أدعى للقبول والاستقرار، والقصور في ترتيب الأولويات وتبليغها جعل بعض المنتسبين إلى الدعوة يحملون لواء التفرقة والتنازع من حيث لا يشعرون. وفي ذلك يقول الإمام الشوكاني: «إنَّ هذه الشريعة المطهرة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، والموازنة بين أنواع المصالح وأنواع المفاسد، وتقديم الأهم منها على ما هو دونه، ومن لم يفهم هذا فهو لم يفهم الشريعة كما ينبغي»[11].

وفي كل مذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة أئمة أجلاء، وأعلام نبلاء، وفقهاء راسخون، نشروا العلم وعظموا السنة وحفظوا جناب التوحيد، فتدريس كتبهم، ونشر فضائلهم، والثناء عليهم، وحفظ مقاديرهم؛ من المداخل اللطيفة لتعزيز الثقة وتطمين المجتمع ومؤسساته الدينية.

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم

ومن اللطائف الجميلة التي يمكن الاستئناس بها في هذا الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لعدّاس: «من أي البلاد أنت؟» قال: أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» قال: وما يدريك ما يونس؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك أخي، كان نبيًا وأنا نبي»، فأكب عداس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجليه يقبلهما[12]؛ فالنفوس لها إقبال وإدبار، وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى منقبة كريمة من مناقب نينوى كانت مدخلًا إلى قلب عداس - رضي الله عنه -، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الدعاة والمصلحون.

 

:: مجلة البيان العدد  333 جمادى الأولى 1436هـ، فبراير - مارس 2015م.


[1] أخرجه البخاري، رقم (7243). ومسلم، رقم (1333).

[2] مجموع الفتاوى (22/407). والقواعد النورانية (ص 42 - 43).

[3] آداب الشافعي ومناقبه للمرازي (ص 44)، وحلية الأولياء (9/96).

[4] الآداب الشرعية لابن مفلح (1/186).

[5] درج بعض الدعاة على لبس اللباس الخليجي أو الأفغاني، وهذا خلاف السنة، لأنه مخالف لما يتزيا به الناس في بلدانهم، ونقل هذا عن غير واحد من العلماء، قال الطبري: «مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة» فتح الباري (10/306)، وقال ابن عقيل الحنبلي: «لا ينبغي الخروج عن عادات الناس، مراعاة لهم، وتأليفًا لقلوبهم، إلا في الحرام إذا جرت عادتهم بفعله، أو عدم المبالاة به، فتجب مخالفتهم رضوا بذلك أو سخطوا»، مطالب أولي النهى (1/279).

[6] الطبقات الكبرى لابن سعد (7/573)، وسير أعلام النبلاء (8/78).

[7] المسودة في أصول الفقه (ص 541-542).

[8] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، رقم (2594).

[9] الاعتصام، للشاطبي (2/230).

[10] أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، رقم (5).

[11] السيل الجرار (1/244).

[12] السيرة النبوية لابن هشام (1/420)، والبداية والنهاية لابن كثير (3/167)، وضعفه الألباني في تخريجه لفقه السيرة (ص 126).