وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالنصر، ووعدُ الله حق لا يتخلف فمن أصدق من الله قيلًا ومن أصدق منه حديثًا. قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]، كما قال: {وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]، وقال: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51]، فضمن الله لهم النصر في الدنيا والآخرة.

 ونصر الله لعباده أمر متقرر شرعًا وقدرًا لا يرتاب فيه مؤمن صادق الإيمان، لكن النصر له أسباب واقعية تجتلبه وتحوله من وعد حق إلى واقع حقًا، وهو ما يمكن تسميته بشروط النصر؛ هذه الشروط بعضها مذكور مع الوعد نفسه وبعضها مذكور في مواضع أخر، والمذكور في مواضع أخر هو مع النظر السديد تفصيل لما هو مذكور مع الوعد؛ وإنما نص عليه استقلالًا لأهميته من جانب وربما يغفل عنه الناس من جانب آخر. فالنصر مضمون ومقرون بصفة الإيمان فمن لم يحقق الإيمان الواجب فلا ينتظر عونًا من الله تعالى، والإيمان ليس قولًا فقط بل أهم ما يميزه هو وجود العمل الذي يصدق القول - عمل القلب وعمل الجوارح، قال تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 2} [الأنفال: ٢]، وقال تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِىنَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور: 62]، وقال تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]؛ وهذه الآيات تبين أن الإيمان لا يكون إيمانًا حقًا ولا يكون صاحبه صادقًا فيما يدعيه حتى يجمع العمل إلى القول والتصديق القلبي الذي يدل على اليقين والاطمئنان.

 والإيمان هو الذي عُلق به وعد الله لعباده بالنصر والتمكين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: ٥٥]؛ فالإتيان بالإيمان الواجب والعمل الصالح أول شروط نصر الله لعباده المؤمنين، وما يترتب على الإيمان من الإخلاص لله وتقواه في السر والعلن.

والمؤمن لا يكون مؤمنًا حقًا إذا ترك الجهاد في سبيل الله أو أهمله: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات: 15]؛ فجعل التصديق وعدم الشك والارتياب قرينًا للجهاد في بيان محددات الإيمان، ولا يتمكن العبد المؤمن من الجهاد بالنفس من غير استعداد وإعداد العدة، ومن ثم قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]؛ فصار الإعداد للجهاد دليلًا على عزم المؤمن على الجهاد في سبيل الله، وأن عدم الإعداد دليل على عدم إرادة الجهاد؛ كما قال تعالى في بيان ذلك: {وَلَوْ أَرَادُوا الْـخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46]، فأصبحت شروط تحقيق النصر على أعداء الله تكمن في تحقيق ثلاثة أمور مجتمعة: تحقيق الإيمان، والجهاد في سبيل الله، وإعداد العدة له. وإذا كان الإيمان شرطًا رئيسًا في حصول النصر وتأييد الله لعباده المؤمنين وعونه لهم وإمدادهم بالملائكة التي تقاتل في صفهم فإن تحقيق الإيمان وحده لا يكفي في حصول النصر إلا عند العجز عن تحقيق الأسباب الدنيوية من إعداد عدة وتسليح وتدريب وإنفاق. وما دام المسلم لا يعجز عن إعداد العدة للجهاد فيجب عليه الإعداد والاستعداد؛ وإلا كان تقصيره في هذا الجانب تقصيرًا في تحقيق شرط واجب من شروط النصر قد يمنع الله بسببه نصره عن عباده المؤمنين، بل الإعداد واجب ولو كان الجهاد ساقطًا للعجز عنه؛ قال ابن تيمية: «يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز»[1]، ولا يكفي أن يقول المرء أنا مؤمن وأحب دين الله وأتمنى نصره وظهوره على الدين كله وأدعو بحصول ذلك بالليل والنهار ثم يقعد عن إعداد العدة الممكن له إعدادها؛ لأن من أمر بهذا هو من أمر بذاك وطاعته واجبة في الأمرين. وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم  يعد العدة كأفضل ما يكون الإعداد، والصحابة كذلك؛ ثم يدعون الله ويستغيثون به ويستنصرونه على عدوهم، ولم يكونوا يقتصرون على الدعاء ويهملون أو يقصرون في العمل بالأسباب، قال تعالى في شأن غزوة بدر: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 123 إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْـمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ 124 بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْـمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ 125وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْـحَكِيمِ} [آل عمران: 123- 126]، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  العدة ورتب الجيش ثم لجأ إلى الله تعالى بالليل يصلى ويدعوه ويستنصر به، بعدما قام بما يمكنه من اتخاذ الوسائل التي يتمكن بها من مواجهة عدوه، ولم يركن إلى الدعاء فقط ويقول إني رسول الله وهو ناصري؛ روى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم  القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْـمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة»[2].

فدعاء الله والاستغاثة به والاستنصار بقوته لا يستغني عنه أحد ولو ملك كل أسباب القوة؛ فهو القائل: {إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160]، ومع الدعاء والاستغاثة بالله لاستنزال النصر الذي يدل على أن المؤمن الصادق في إيمانه يؤمن أن الأمر كله للَّه ومع ذلك فلا يستغنى عن الإعداد وترتيب أوضاع المقاتلين، قال تعالى: {وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْـمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: ١٢١]، إضافة إلى ما تقدم فإنه لا غنى عن الصبر في المواجهة والثبات واحتمال الشدائد برغم ما يمكن أن يقع من خسائر في بداية المواجهة فإن العبرة بالنهايات لا البدايات، فإن أي مواجهات لا بد أن تحدث فيها خسائر فلو تراجع المسلمون أو انهزموا مع أول الخسائر لأبيدوا واصطلموا؛ ومن ثم حضهم الله تعالى على الثبات فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، وقال: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]، وكان الفرار من ميدان القتال عند ملاقاة العدو من كبائر الذنوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات...»، وذكر منها الفرار من الزحف أو التولي يوم الزحف؛ فتحقيق النصر على عدو الله ورسوله والمؤمنين يلزم له أمور منها الإيمان الصادق وتقوى الله والإخلاص له والجهاد في سبيله والإقدام والثبات والصبر وترك التخاذل والانهزام - حتى لو وقع في صف المسلمين جراحات؛ فإن الجراحات لا يخلو منها طرف من الأطراف المتقاتلة: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140]، والبقاء صفًا واحدًا وعدم التنازع: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال: 46]، وعدم الاستماع للمنافقين أو المخذلين الذين يثبطون عباد الله أو اصطحابهم وإشراكهم في الجهاد: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47]، فيكون من نتيجة اتباعهم والاستماع لهم وإشراكهم تمكين الفاسدين والفاسقين وتوهين أمر الدين.

نصر الله من نصر دينه وخذل من خذله.. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أولياؤك ويذل فيه أعداؤك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.. اللهم اجعلنا منهم.

 :: مجلة البيان العدد  332 ربيع الآخر 1436هـ، يناير - فبراير 2015م.


[1] مجموع الفتاوى (28/259).

[2] أخرجه مسلم رقم 1763.