سُنة الاستئصال (وهي الانتقام الإلهي العام) كانت هي السُّنة العاملة في الأقوام السابقين على نزول التوراة على موسى - عليه السلام - فقد أغرق الله - تعالى - المكذبين من قـوم نـوح - عليه السلام - بالماء المنهمر من السماء والعيون المتفجرة من الأرض وأنجى المؤمنين في الفُلْك؛ كما أرسل على قوم عاد الريح العاتية التي سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وأخذ قوم ثمود بالصيحة وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة، وقوم لوط بالخسف والحجارة المسوَّمة. يقول - تعالى -: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].

وبحسب هذه السُّنة الإلهية فإن الله - تعالى - قد تولى بنفسه الانتقام من المكذبين الظالمين؛ وذلك بتسليط الظواهر الكونية: كالمطر المهلك أو الريح العقيم أو غير ذلك، عليهم، ولم يأمر الرسل وأتبــاعهم بمواجهة المكذبيــن المعــانــدين أو بمــدافعتهــم، إلــى أن أرســل نـبيَّه مـوسـى - علـيـه السلام - وأنزل عليه التوراة بعد هلاك فرعون وجنوده، وأمر فيها بمجاهدة الظالميــن ومــدافــعة المفسدين. قــال - تعالى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]. يقول ابن كثير (يخبر - تعالى - عمَّا أنعم به على عبده ورسوله موسى - عليه السلام - من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه). وقوله - تعالى -: {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة (أي: بعقوبة استئصاليــة)؛ بل أمــر المؤمنـين أن يقاتلــوا أعداء الله مــن المشركيــن، وعــن أبــي سعيــد - رضــي اللــه عنه - مرفوعاً إلى النبي  - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى، عليه السلام»؛ فبعد هلاك فرعون وجنوده في البحر انتهى العمل بسُنة الاستئصال العامة واستبدلت بسُنة المدافعة ومقاتلة أهل العناد والباطل لردعهم وردهم عن عدوانهم وظلمهم. وأمر موسى - عليه السلام - قومَه بدخول الأرض المقدسة؛ وهي التي كان يسكنها ويسيطر عليها الجبارون. قال - تعالى -: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْـمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 21 - 22]. والأرض المقدسة هي فلسطين وقيل: أريحا. وفي قوله - تعالى -: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} إشارة إلى أن الله - تعالى - قد كتب لهم التمكين فيها وليوقنوا بالنصر على عدوهم، وحذرهم موسى - عليه السلام - من تولية الأدبار فتكون الخسارة ولا تكون لهم دولة ولا تمكين إلا أنهم جبنوا وامتنعوا عن ملاقاة الجبارين، لكن من هم الجبارون؟ ولماذا أمر موسى قومه بقتالهم؟

الجبارون: هم الكنعانيون، وهم قبائل عربية نزحت من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام وأسسوا فيها ممالك صغيرة في مدن مستقلة أشهرها بيسان وأريحا والقدس، وجاء في روح المعاني للآلوسي (إن بني إسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله - تعالى - بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبارون الكنعانيون)، ويرى ثقات المؤرخين أن أهل فلسطين هم من أنسال الكنعانيين الذين هاجروا من جزيرة العرب إلى فلسطين (2500 قبل الميلاد) وقيل قبل ذلك، وسُمُّوا بالجبارين؛ لأنهم كانوا أقوياء الأبدان طوال الأجسام، غير أنهم كانوا يعبدون آلهة وثنية من دون الله - عز وجل - وكان دينهم يتسم بالقسوة في طقوسه ويهتم بالعناصر الجنسية؛ فالإله «بعل» عندهم هو العنصر المذكر والإلهة «عنت»، والإلهة «عشتاروت» هما العنصر الأنثوي وتجتمع فيهما البَكارة والأمومة؛ على الرغم من تعارض هاتين الصفتين. وحسب ما جاء في موسوعة اليهود واليهودية (الباب الخامس) فإن الإله «بعل» يتزوج الإلهة «عشتاروت» فينتج عن هذا التزاوج الخضرة التي تكسو الأرض في الربيع، ولعل هذا الشرك والإفك المبين والعقيدة الفاسدة هو السبب والمبــرر الــذي من أجله أمر موسى - عليه السلام - قومه بدخول الأرض المقدسة التي قد عم فيها الشر وساد فيها الشرك بالله - عز وجل - كي يُعبَد الله وحده ولا تُعبَد تلك الآلهة التي كان الجبارون يتقربون إليها ويعظمونها؛ وهو من باب مدافعة أهل الفساد والشرك والتكبر في الأرض بغير الحق.

وجدير بالذكر أن بعض الجماعات اليهودية يدَّعون أن العبرانيين ليسوا إلا كنعانيين وأن الإسرائيليين المحدثين هم الكنعانيون الجدد. وظهرت (في أربعينيات القرن الماضي) حركة تسمى حركة الكنعانيين؛ وهي حركة سياسية ثقافية ذات نظرة خاصة للتاريخ اليهودي، وينطلق دعاتها من أسطورة مفادها أن اليهود لما عادوا من مصر إلى أرض كنعان لم يجدوا قبائل معادية لهم أو مختلفة عنهم، بل وجدوا شعباً يتكلم العبرية ويشبههم في الملامح والخصائص البدنية؛ وبهذا تكون للأمة الإسرائيلية الجديدة - بزعمهم - جذور راسخة في الأرض الفلسطينية، وهي جذور تمتد إلى العبرانيين القدامى قبل أن تنتشر بينهم اليهودية؛ فالكنعانية فكرة إحياء جديد للقومية الإسرائيلية. وفي مقابل فكرة القومية الإسرائيلية ظهرت فكرة الوطنية الإسرائيلية في الخريطة السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل، ولا شك أن الوطنية الإسرائيلية في فكرتها وقوَّتها أخطر من القومية الإسرائيلية؛ ذلك أن دعاة الوطنية الإسرائيلية يؤمنون بأنه لا وطن لهم إلا في إسرائيل، فهم يدافعون عنها بقوة وبسالة، والمسألة بالنسبة لهــم مسألة حــياة أو مــوت (نكون أو لا نكون)؛ فهم لا يشعرون إطلاقاً بأي إحساس بالذنب إزاء ما وقع وما يقع بالفلسطينيين من اغتصاب أرضهم وتكسير عظامهم وقتل أطفالهم ونسائهم حتى لو كان الحرق وإذابة أجسامهم بالفوسفور الأبيض واليورانيوم.

ولقد تأكد ذلك في حربهم الأخيرة ودفاعهم عن ممارساتهم العدوانية الشرسة ضد أهل غزة.

إن اليهود - خصوصاً في التاريخ الحديث الذي تخلف فيه المسلمون - يعرفون كيف يصلون إلى أهدافهم، وكأنهم يلعبون في الميدان وحدهم، وهم يحاولون – كذباً وتلفيقاً - أن يفرضوا واقعاً مزيفاً بتزوير التاريخ وطمس الحقائق وهم – لا شك – واهمون؛ لأن غفلة المسلمين لن تستمر طويلاً؛ فقد أيقظتهم الأحداث الأخيرة.

إن الجبارين الذين خافهم وهابهم بنو إسرائيل هم العرب الكنعانيون، وهم ساكنو فلسطين قبل أن تدخلها الأجيال التالية للجيل الناكث عن الجهاد الذي قال لموسى - عليه السلام -: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].

ومعلوم أن هذا الجيل الذي جبن وتخلَّف عن الجهاد وآثر وَهْم السلامة أو السلام عوقب بالتيه في الأرض أربعين سنة، واستُبدِل هذا الجيل بأجيال أخرى {مِّنْهُمُ الصَّالِـحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} [الأعراف: 168]  ومرت عليهم قرون عملت فيهم سُنة: {وَإنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، وقد حكى القرآن الكريم قصة جيل تعرَّض للقهر والظلم والإخراج من الديار على يد الجبارين الكنعانيين أيضاً بزعامة ملك يسمى جالوت (أو جليات كما يسمونه)، وكانوا قد سرقوا التوراة واضطهدوا بني إسرائيل كما كانوا قد عبدوا الأصنام، فأحس اليهود بالظلم والقهر فقرروا قتال هؤلاء العماليق أو الجبارين الكنعانيين الفلسطينيين. قال - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ إلَى الْـمَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِـمِينَ} [البقرة: 246].

والقصة يطول شرحها؛ إذ تشتمل على معانٍ كثيرة وقواعد وسنن منها سنة الابتلاء وعوامل النصر، وكيف أن الله - تعالى - قضى أن ينصر الفئة المؤمنة الصابرة قليلة العدد على العدو الغاشم المتكبر الظالم. لكن الذي يهمنا في هذا المقام هو شيء آخر سأتحدث عنه بعد ذكر بعض أقوال المفسرين والمؤرخين باختصار شديد:

ذكر الطبري عن ابن عباس قوله: هذا حين رُفعَت التوراة واستُخرِج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم... وعن السدي: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت.

قال ابن كثير: (كان بين موسى وداود ما ينيف على ألف سنة) وجالوت هو أمير العمالقة الذين كانوا يسكنون بحر الروم بين مصر وفلسطين وكان وأصحابُه يعبدون الأصنام.

وقال ابن الأثير: (إن جالوت ملك الكنعانيين، وكان مُلْكه بين مصر وفلسطين؛ ظفر بهم وضرب عليهم الجزية وأخذ منهم التوراة فدعوا الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه)[1].

وفي تاريخ ابن خلدون ذكر أن الملك جالوت من الكنعانيين.

ولعل بدايات هذه القصة تشبه إلى حد كبير ما تعرض له بنو إسرائيل في مصر على يد فرعون الطاغية المفسد الذي علا وتكبر واستضعف بني إسرائيل وقتل أطفالهم واستحل نساءهم، فأراد الله - تعالى - أن يمنَّ على المستضعفين ويرفع عنهم الذل والظلم فأرسل إليهم موسى - عليه السلام - كما جاء في مطلع سورة القصص: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْـمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: ٤ - ٦].

غير أن هناك فارقاً بين ما جاء في أول سورة القصص من إرسال موسى - عليه السلام - لإنقاذ بني إسرائيل وبين الجبارين العمالقة، وهو أمر القتال والمدافعة الذي لم يكن قد فُرِض بَعدُ وإنما فُرِض بعد هلاك فرعون وجنوده ونجاة موسى ومن معه. ومن هنا ويتجلى واضحاً ما يلي:

1 - أن سنة الدفع (أو المدافعة) وهي قتال الظالمين والوثنيين المشركين، قد فُرضَت في التوراة وكانت بديلاً عن سنة الاستئصال العامة؛ وتعني أن الله - تعالى - قد كلف المؤمنين بإهلاك الظالمين والمشركين وتأديبهم لمنع الشرك بالله ورفع الظلم عن المظلومين والمستضعفين. وقد جاء في نهاية قصة طالوت وجالوت قوله - تعالى -: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

2 - أن على أهل الإيمان والتوحيد أن يقاوموا أهل الشرك وعبَّاد الطواغيت، وأن الله ناصرٌ عباده وأولياءه ومذلٌّ أعداءه وأعداء المؤمنين، لكن بشرط أن تتحقق في أهل الإيمان أسباب النصر وأهمها التوحيد الخالص والصبر والثبات حتى ينالوا النصر أو الشهاده.

3 - أن الابتلاء هو سنة الله - تعالى - في المؤمنين وفي القصة: {إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249]، ولا بد أن يفهم المؤمنون أن الابتلاء خطوة على طريق النصر والتمكين، وإلا فهو العقوبة والانتقام.

4 - أن الله - تعالى - ناصر الفئة القليلة الصابرة المؤمنة؛ لأنه قد وردت آثار صحيحة أن عدة طالوت كانوا على قدر عدة أهل بدر[2]. وأنه إذا وُجدَت الفئة القليلة المؤمنة الصابرة فإن موازين القوى ومقاييس النصر والتمكين تتغير لصالح الفئة المؤمنة؛ ففي قصة طالوت فإن داود - وكان لا يزال طفلاً صغيراً - هو الذي قتل جالوت كما أن أبا جهل قُتِل على يد طفل صغير هو معاذ ابن عفراء[3] وقيل: ابنا عفراء معاذ ومعوذ. وهذه قاعدة مقررة في قوله - تعالى -: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].

5 - أنه على الفئة القليلة المؤمنة الصابرة أن تكمل إيمانها وتُعِدَّ عدتها ما أمكن لها ذلك بقدر وسعها وطاقتها، ثم عليها أن تثبت عند اللقاء وتلجأ إلى الله - تعالى - بالدعاء وطلب النصر وعند ذلك يأتي الغوث ويستجيب الله ويتحقق النصر. قال - تعالى -: {وَلَـمَّا بَرَزُوا لِـجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْـمُلْكَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 250 - 251].

جدير بالذكر أن سُنة المقاتلة أو المدافعة ظلت هي السّـُنة القائمـة المسـتمرة حتـى زمن عيسـى، عليه السلام وقد فرض الله - تعالى - القتال على النصارى في الإنجيل كما فرضه على اليهود في التوراة، لكن النصارى تركوا الجهاد وابتدعوا الرهبانية خوفاً من الموت أو القتل في الجهاد. قال - تعالى -: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27].

وظلت هذه السنة قائمة حتى فرضها الله - تعالى - على أمة الإسلام آخر الأمم. قال - تعالى -: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وفي سورة التوبة  قال - تعالى -: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْـجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] «لنعلم أن القتال وسيلة مقدسة عند اليهود  - مع أنهم أحرص الناس على حياة – لكنهم لا يقاتلون إلا {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14]، أو أنهم يعتمدون على الكذب وخداع أعدائهم بأنهم دعاة سلام حتى يطمئن عدوهم ويركن إليهم ويغفل أو يتغافل؛ حتى يعطوا لأنفسهم الفرصة للإعداد والاستعداد للانقضاض وقتما أرادوا وحددوا لقتل المسلمين ليتأكد لنا أن العقيدة القتالية عند اليهود وما يسمى بثقافة السلام عند العرب - أو حسبما يتحدثون دائماً في كل محفل ومؤتمر عن أهمية دفع عجلة السلام المعطلة - هما السبب الأساسي للعلو الأخير لليهود.

ويبقى سؤال، هو: هل لا زلنا نريد سلاماً مع اليهود؟ ومن المستفيد من معاهدات السلام، العرب أم القوم؟

إنه بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر، نزلت سورة الأنفال، وجاء فيها قول الله - تعالى -: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ...} [الأنفال: 60]، مشيرة إلى أنه على المسلمين في حال السلام أن ينشغلوا بإعداد العدة وتقوية الجيوش وبناء الإنسان المؤمن المجاهد، لكن اليهود يعملون بالتوراة المحرفة، والمسلمون لا يفهمون القرآن ولا يعملون به مع كل الأسف، وسيعلم الناكثون المتخلفون عن الجهاد أي منقلب ينقلبون.



[1] الكامل في التاريخ: 1/71.

[2] انظر صحيح البخاري: باب عدة أهل بدر، عن البراء - رضي الله عنه - يقول: حدثني أصحاب محمد  - صلى الله عليه وسلم - ممن شهدوا بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلثمائة): 3/232، دار إحياء التراث.

[3] انظر فتح الباري باب قتل أبي جهل: 7/234.