تعد البوذية من الديانات الحاضرة الغائبة في العالم الإسلامي، بل في العالم بأسره؛ فعقائدها وطقوسها وأفكارها تتسلل صامتة، وجل هذه العقائد يُصدّر في لباس غير لباسها الحقيقي. ومن الأمور التي شاعت كذباً عن هذه النحلة، أن أتباعها قطيع من الحملان الوديعة التي لا تؤذي بهيمة، بل لا تعضد شوكة. حتى إن المرء ليعجب لكثرة ما سمع من حب البوذية للسِّلم، كيف يمكن أن تتحول حمائم السلام هذه إلى وحوش كاسرة؟ والحقيقة أن هذا كله من التزييف المتعمد الذي نجح في تمريره الرهبان البوذيون في المشرق والمغرب على حد سواء.

فها هو المختص في الدراسات البوذية والعنف «مايكل جيريسون» يحدثنا في مقال له بعنوان «رهبانٌ يحملون السلاح»[1]، عن الواجهة المزوّقة التي استطاع البوذيون أن يخدعوا بها العالم بأسره، فيقول إنه منذ بداية إدراكه وجود تلك الواجهة الخادعة عام 2004، بدأ يراجع قراءته الأولى للبوذية، تلك القراءة التي «حجبت بُعداً عريضاً وتاريخياً للتقاليد البوذية، وهو [بُعد] العنف»، ثم تبيّن له أن الرهبان المدججين بالسلاح في تايلاند، على سبيل المثال، هم «مثال معاصر لسابقة تاريخية طويلة الأمد». لكن مفكري البوذية الذين صدّروها إلى بلاد الغرب، أمثال الـ «دالاي لاما»، «عرضوا جوانب معينة من تقاليدهم البوذية بينما استبعدوا جوانب أخرى». من هذه الجوانب التي أخفوها: موقفهم ممن يخالف ملتهم، وقدرُه في أعينهم. ولعل استعراض بعض نصوص أسفارهم «المقدسة» كفيل ببيان المراد.

يقول «جيريسون»: «لقد قامت الأديرة البوذية بدور القواعد العسكرية، وقاد الرهبان ثوراتٍ، ووظفت المبادئ البوذية من قبل رؤساء الدول لتكون خطباً حربية. بعض أعمال العنف هذه تستند إلى الكتب البوذية [المقدسة]، والبعض الآخر يستدعي الرموز البوذية»[2].

وقد جاء في سِفر «نيرڤانا سُوترا» – أو «سِفر النيرڤانا» (أي «الفناء الصوفي»)، وهو سفر يحكي آخر أيام «بوذا» –، أن بوذا قتل ذات مرة أحد كهنة البرهمة لمَّا نال من أسفار «ڤايبوليا» المقدسة، وقال: «لذا لم أهبط إلى الجحيم بسبب ما صنعت... عندما نَقبل وندافع عن نصوص ماهايانا نكتسب فضائل لا تحصى».

فلما عوتب بوذا في ذلك أجاب: «لقد هبط البرهمي بعد موته إلى جحيم أڤيتشي، فاستفاد ثلاث خطرات... لقد أدرك أن الأمور أخذت هذا المنحنى لأنه سبّ نصوص ڤايبولا، ولأنه لم يؤمن، ولأن الملك [بوذا] قتله... ثم وُلد في عالم (الحقيقة كما هي). هناك عاش عشرة أحقاب... هكذا منحتُ هذا المرء في سالف أيامي حياة عشرة أحقاب؛ فكيف يقال إني قتلته؟»[3].

فتأمل مبدأ رجال الدين البوذيين في قتل الخصوم! إنهم يزعمون أن قتل من لا يعتقد عقيدتهم هو من قبيل قتل الرحمة كي يتطهروا في الجحيم فتنتقل أرواحهم إلى عالم الحقيقة، فهو في الحقيقة لا يعد قتلاً. إنه لا يختلف عن الإجهاز على البهيمة التي تعاني داء عضالاً. وهذه ذريعة خطرة يستترون وراءها ليحصدوا أرواح البشر، لا سيما المسلمين منهم، كما فعلوا ويفعلون في تايلاند وبورما.

وثمة مبدأ آخر يبرر رهبانُ البوذية من خلاله قتل خصومهم، وهو إيمان البوذية بأن الوجود مجرد وهم، وأن الحقيقة لا تُدرك إلا بتحصيل النيرڤانا (أي الفناء في الإله). وعليه؛ فكل من لم يؤمن بالبوذية ولم يستنر بنورها، فقتله في هذه الحياة ليس قتلاً حقيقياً؛ لأنه حادِثٌ في عالم الوهم. وهذه الضحايا التي تذبح على أيدي الرهبان يشار إليها في اللاهوت البوذي باسم «إتشانتيكا» (icchantika)، وتعني: المحجوبين عن النور[4].

يتساءل سفر «نيرڤانا سوترا»: «لم لا يوجد خير في الإتشانتيكا؟»، ويجيب عن ذلك بقوله: «أيها الصالح؛ لأن الإتشانتيكا مقطوعون من أصل الخير. فكل الكائنات تمتلك خمسة أصول كالإيمان، إلخ. أما أولئك الذين من طبقة الإتشانتيكا فهم مقطوعون عن ذلك [الأصل] إلى الأبد. لذا؛ فإن المرء قد يقتل نملة فيبوء بإثم إيذائها، أما قتل واحد من الإتشانتيكا فلا يُعد ذنباً»[5].

وفي سفر «سوستيتاماتي باريبريتشا» – الذي يوصف بأنه الدليل إلى «كيفية القتل بسيف الحكمة» –، يبيّن المستنير «منجوشري» لبوذا أن المقتول إنما هو اسم وفكرة، فإن استطاع القاتل أن يُخلي ذهنه من هذه الأفكار والأسماء أثناء القتل، فلا يُعد ذلك قتلاً، بل لا وجود لقتل ولا قاتل على وجه الحقيقة، «إذ ليس ثمة سيف ولا كارما ولا عقاب»، وإنما هو من قبيل الخيال[6].

وأخيراً.. من مبادئ تبرير القتل عند رهبان البوذية أن بعض المخالفات قد تؤثر – بزعمهم – في ميزان الكون (دهارما «Dharma»)، ما يحتم التدخل بالسيف لإنقاذ سلام البشرية. يقول «برنارد فور»: «من الحجج التي تُستدعى غالباً لتبرير القتل [عند البوذيين]، الزعم بأنه إن هُددت الدهارما لزم القتال بشراسة ضد قوى الشر. وفكرة المعركة الكونية بين قوى الخير والشر تمنح البوذية بعداً أخروياً كانت تفتقده في الأصل. هذا المبدأ: أعني الترويج للحاجة إلى العنف في سبيل حفظ الاتزان الكوني يتجه إلى تطوير نوع من نظرية الحرب العادلة»[7].

خلاصة القول: إن البوذيين لا يقاتلون بلا عقيدة، والمذابح البشعة التي يقومون بها ضد المسلمين العزل في شرق آسيا نابعة من اعتقادهم بأن من سواهم ممن لم يبلغ درجة الاستنارة حقيق بالقتل، وأقل قدراً من النملة، وما دام القاتل لم يُشكِّل صورة ذهنية للمقتول (كما يعلمنا تلاميذهم من المروّجين لقانون الجذب وقوة الوجود)، فهو غير موجود أصلاً، فلا بأس من قتله للحفاظ على ميزان الكون.

 

:: مجلة البيان العدد  326 شوّال 1435هـ، أغسطس  2014م.


 [1] http://religiondispatches.org/monks-with-guns-discovering-buddhist-violence/.

[2]Buddhist Traditions and Violencein The Oxford Handbook of Religion and Violence (NY: Oxford University Press, 2013), p. 42.

[3] نيرڤانا سوترا: 22.

 [4] Chinese Buddhist Encyclopedia, «icchantika»  

( http://www.chinabuddhismencyclopedia.com ).

[5] نيرڤانا سوترا: 40.

[6]Buddhist Traditions and Violence”, 52.

 [7] Buddhist Warfare (Oxford University Press, 2010), p. 212, 213.