تتردد على مسامعنا في هذه الأيام، ونقرأ في بعض الصحف وأجهزة الإعلام وفي أماكن متفرقة من العالم الإسلامي دعاوى غريبة وكأنها حَمْلة منظمة ضد كل ما هو إسلامي؛ محمِّلة الإسلام وِزْر التخلف والجهل الذي تعاني منه بلاد المسلمين وأن المخرج من ذلك هو إبعاد ما تبقى للمسلمين من إسلامهم؛ حتى لو كانت بعضَ مظاهرَ ورسوم، والدعوةُ إلى تطبيق مذاهب وافدة وشعارات مشبوهة وعقائد باطلة. والراصد لهذه الدعاوى وتلك الحملة يجدها في غضون الأشهر القليلة المنصرمة كالآتي:
 
1 - الغارة على الحجاب الشرعي: ففي إيقاع منسجم متناغم مع العالم الغربي نجد منظومة متكاملة تتحرك في مواقع وأوساط رسمية وإعلامية - وكأن يداً واحدة تحركها - لمنع المنتقبات من دخول الجامعات وبعض الوزارات. ومتابعات وتصريحات تعبِّر عن انزعاج شديد من انتشار النقاب بين فتيات ونساء المسلمين؛ فهو يمثل خطراً على المد العَلماني، وعودةً إلى الوراء، وأنه اتهام للرجل بأنه لا يستطيع التحكم في غرائزه؛ فهو رمز لضعف الرجل[1]. والعجيب - كما عودنا العَلمانيون - أنهم يكيلون بمكيالين؛ فينادون بالحرية ويقبلونها في السفور ويرفضونها في الحجاب؛ لا يزعجهم التبرج ثم يتكلمون عن التحرش وكأنهما قضيتان منفصلتان.
2 - الدعوة إلى بناء الدولة المدنية الحديثة: فقد دار الحوار مع بعض العَلمانيين حول أهمية بناء الدولة المدنية التي تفصل بين الدين والسياسة، والتي تقوم أساساً على التشريع في ظل رقابة الرأي العام، وعلى مبدأ المواطنة[2]، وبعضهم الآخر أبدى انزعاجه من محاولات (تديين) الدولة؛ بمعنى فرض الطابع الديني على الدولة، وهو أمر في غاية الخطورة، ويمكن أن يؤدي إلى كارثة[3].
والإسترتيجية التي تفرض نفسها على جميع أبناء المجتمع هي تدعيم الدولة المدنية في مواجهة دعاوى الدولة الدينية التي ترجع إلى دستور وقانون يشكلان معاً إطارها المرجعي بوصفهما من صنع البشر، ولا بد من مراجعة الدستور الذي يمثل الإطار المرجعي الرئيس للدولة المدنية؛ بحيث لا يكون هناك أي نص ملتبس يشير إلى الدين (فالدين لله والوطن للجميع)[4].
لا شك – فيما أرى - أن جهاتٍ غربية ترصد التطورات والأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في بلدان العالم الإسلامي، وتتابع التوجهات العَلمانية ومدى نجاحها في فرض آرائها إعلامياً وشعبياً؛ وهو ما جعل صيحفة الغارديان البريطانية تصرح بأن العَلمانية أصبح لها جذور راسخة وانتشار في بلدان العالم الإسلامي، وأن هناك حَراكاً سياسياً في صالح العَلمانية.
3 - الدعوة إلى إحياء المذهب الأشعري: فقد عُقدَت عدة ندوات ومؤتمرات أكد المشاركون فيها على ضرورة استدعاء تراث أبي الحسن الأشعري لمواجهة الجمود والتفرق والتخلف الذي أصاب المسلمين، ومن أجل وحدة الأمة الإسلامية، مؤكدة أنه سيؤدي إلى تصحيح مفاهيم العقيدة، وتضييق الفجوة بين المذاهب الإسلامية[5].
غير أن من أعجب وأخطر الدعاوى التي أعيد طرحها هي الدعوة إلى تجديد علم الكلام لمواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة، أو إنشاء علم كلام جديد يعبِّر عن روح التدين الإسلامي ومقاصده[6]، وقد كرر فحوى هذا الكلام العالم المغربي د. حسن الوراكلي، والماليزي: د. محمد الطاهر الميساوي بالإضافة إلى بعض عُلماء الأزهر، غير أن ما لفـت الانتبـاه وأثار عندي قدراً هـائلاً مـن التعجـب هو ما صرَّح به مسؤول ديني رفيع المستوى وهو يثني خيراً على (د. حسن حنفي)، وأنه صاحب السبق في الدعوة إلى إحياء التراث الأشعري، وإنشاء علم كلام جديد من أجل مصلحة الوطن، ومن أجل التجديد والتنوير، والنظرة النقدية لثقافتنا الموروثة، وكذلك دعوته إلى إنشاء علم استغراب في مقابل علم الاستشراق، فيقول: (ولا يجوز لأي باحث في هذا الصدد أن يتجاهل جهود د. حسن حنفي؛ فقد بادر منذ عقدين من الزمان بمحاولة لتأسيس علم استغراب في إطار مشروعه الكبير عن التراث والتجديد)[7]، ولست بصدد بيان فكر حسن حنفي المفكر العضوي أو (سبينوزا) الشرق أو صاحب النموذج الجبهوي لإنجاز المشروع العربي النهضوي (الشبيه بطائر رأسه الليبرالية، وقلبه الناصرية، وجناحاه اليسار الإسلامي والماركسيون)، حسب ما وصفه به د. محمود إسماعيل في كتابه: نقد حوار المشرق والمغرب بين حنفي والجابري؛ ولكن الجديد هو ظهور هذا التناغم بين بعض علماء الأزهر وبين منظري العَلمانية والإسبينوزية الشرقية الناقدة للتراث القديم. يقول د. حسن حنفي: (وبدأت نواة الوحدة الوطنية الثقافية بين العَلماني المسلم في الجامعة، والمسلم العَلماني في الأزهر؛ بين المثقف الذي اكتشف الإسلام، والمسلم الذي اكتشف الثقافة وعادت إلى الأزهر روحه، وتصدَّر الحركة الوطنية أسوة بالجامعة العَلمانية)[8]، وبهذا ظهر التناغم وانكشف التوجه والموجِّه.
4 - الحوار حول السلفية: وهو الحوار الدائر الآن بعد الضربات المجهضة لتيار الإسلام السياسي؛ سواء كان الجهاد أم الإخوان. ولا أستطيع أن أحدد أو أكشف النوايا حول استدعاء التيار السلفي وأقطابه للنزول بهم أو به في الحَراك السياسي الدائر الآن؛ فهناك مقالات وتحليلات في هذا الشأن ولعلها محاولات لكشف وإظهار ردود الأفعال من جانب أو آخر؛ كالتي كتبها الكاتب عبد المنعم منيب الصحفي بجريدة الدستور وأثار ردود أفعال متباينة، ولا أستطيع أن أجزم بأن هناك محاولةً أو تفكيراً للقضاء على هذا التيار بعد أن أدَّى دوره في المرحلة المنصرمة.    


[1] على حدِّ قول مسؤولة رفيعة المستوى، جريدة المسائية: 6/5/2010م. 
 
[2] حسب ما ذكر المفكر السيد ياسين في جريدة الأخبار القاهرية في: 11/4/2010م. 
 
[3] حسب زعم المفكر جابر عصفور في حوار معه بجريدة الأخبار في: 13/4/2010م. 
 
[4] والكلام للمفكر جابر عصفور سالف الذكر.
 
[5] د.وهبة الزحيلي في الملتقى الخامس لرابطة خريجي الأزهر، اللواء الإسلامي العدد 1477: 13/5/2010م. 
 
[6] الباحث السوداني د. إبراهيم محمد زين، المصدر السابق.
 
[7] المصدر السابق. 
 
[8] دعوة للحوار، ص 31، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993م.