يكثر الحديث عن التدخلات الإقليمية والدولية في العراق عند كل استحقاق سياسي، سواء كان انتخابات أو غيره من القضايا التي تمسّ أمنه أو سيادته. وأمام هذه الحقيقة التي أصبحت معروفة للقاصي والداني، نجد أنفسنا نقف حائرين وعاجزين عن فهم هذه الحقيقة بصورتها المؤلمة، والتي ربما لا يوجد شبيه لها في دول العالم الآن.

فإذا كان هذا هو حق الدول الإقليمية والدولية بأن تبحث عن مصالحها وتحاول جاهدة تحقيقها بغض النظر عن مصالح الدولة العراقية وشعبها الذي يعيش في تخبط قل نظيره بين شعوب العالم؛ فأين نحن من كل ذلك؟ أين نحن كشعب وما يسمى (الأحزاب، والتيارات، والائتلافات والكيانات... إلخ)، من هذه التسميات التي لم ينزل بها سلطان لا سماوي ولا أرضي؟ فكل هذه التشكيلات وغيرها تعيش بصورة غير قانونية، فلا يوجد قانون ينظم عملها ويعرف مصدر تمويلها، فهي خارج أي سيطرة قانونية مهما كانت مرجعيتها، مثلها مثل أغلب الأجهزة الحكومية، ومنها التشكيلات الأمنية التي تعمل خارج نطاق القانون، كونها لا تمتلك قانوناً أو تشريعاً يشرعن وجودها وعملها.

فإذا كان أغلب إن لم نقل كل دول العالم يعرف الأحزاب والائتلافات التي تتشكل لتشكيل الحكومات، فهل نمتلك أحزاباً بالمعنى المتعارف عليه عالمياً، وقانوناً يحدد بعض أمور عملها، وأهمها: طرق تمويلها وارتباطها بالخارج، وربما سنجد من ينبري للرد علينا وسيعدد أحزاباً عراقية ويبدأ بسرد تاريخها العريض الطويل من النضال ضد النظام السابق!

أين الوطن من كل هذه المسميات والحكومات المتلاحقة التي لم ولن تعد قانوناً ينظم عمل الأحزاب؟ هذا القانون الذي يوضح معالم الخريطة السياسية، ويضع حداً للمال السياسي، الذي لا أحد من المشاركين باللعبة السياسية (العرجاء، العمياء، المقعدة، والمصابة بكل العاهدات الجسدية والنفسية)؛ لا أحد من كل هذه النماذج يريد أن يكون هناك قانون للأحزاب يبين تمويلها وحجم الميزانية التي تصرفها أيام الانتخابات لشراء الأصوات، ومن ثم شراء النواب، نعم شراء النواب، لتشكيل حكومة تحظى برضا المحيط الإقليمي والدولي، هذه الحقيقة التي لم نسمع عنها في أي تجربة (ديمقراطية) في أسوأ تجارب العالم.

هذه النقطة التي من خلالها تفتح الحدود على مصراعيها للتدخلات الإقليمية والدولية ولأكثر من 85 جهاز مخابرات من مشرق الأرض ومغربها، بحسب تصريح نائب مخضرم من الائتلاف الشيعي.. ففتحت كل العملية السياسية والعراق الذي بيع بكل ما فيه من حجر وشجر وبشر، ما فوق الأرض وما تحتها وبثمن بخس، بمباركة من يسمون أنفسهم سياسيين.

إذن فإن ما يجري اليوم في العراق من تدخل في الانتخابات من قبل وبعد، لم يعد سراً على أحد، حتى المواطن الذي لم يعد له من هم إلا البحث عن لقمة العيش التي يسد بها رمق أطفاله، مَنْ رفض بيع صوته أو باعه بوعد أو قبض ثمنه نقداً أو بما جاد عليه اللؤماء، وإن كان على حساب أمنه وحياته وسرقة قوته وقوت عياله.

كل هذا سنجده متجسّداً أمام المواطن البسيط قبل المثقف عندما يرى أو يسمع عن الزيارات المكوكية من وإلى هذه الدولة أو تلك، والتي بدأت ملامحها بزيارة مدحت المحمود، رئيس المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى، إلى إيران، ولم يستبعد أحد من المحللين والمراقبين أن هذه الزيارة مرتبطة بنتائج الانتخابات، وإن أنكر الرجل ذلك، وما سيتبعها من عمليات إقصاء شملت في مرحلة سابقة العديد من خصوم ومنافسي المالكي من المشاركين في العملية الانتخابية، وهو ما فعله هادي العامري، قائد فيلق بدر والعضو البارز ضمن قائمة (دولة القانون) للمالكي، حيث أنكر أن تكون زيارته مرتبطة بنتائج الانتخابات وعملية اختيار رئيس الوزراء، وإذا كانت الصورة لم تتجسد بعد بصورتها الحقيقة أو ما ظهر منها على الشاشة، فإنها لم ولن تختلف عن سابقتها من الأحداث التي تبدأ وتنتهي في واشنطن وطهران، وهذه الصورة كانت منذ اللحظات الأولى للإعداد لاحتلال العراق في العام 2003، وأمام هذا الطرف تكوّن لاحقاً طرف آخر يتمثل بأنقرة، التي يعتقد البعض أنها كانت تمثل عواصم أخرى في المنطقة العربية، ومنها دول الجوار للعراق، نقول كانت... لأن الأوضاع ربما لم تعد كما كانت بين تركيا ودول الخليج، بسبب ما يجري في كل من سورية، وبشكل خاص مصر، وفي كلاهما استحقاق انتخابي سيأتي باستحقاقات دولية وإقليمية.

إذن ربما سيضعف هذا التدخل الإقليمي واختلاف المصالح بين تركيا ودول الخليج، والتي تعد الزيارة لهم من قبل النواب السنة تهمة ربما تستحق الإقصاء وإلغاء النتائج، في ظل هيمنة المالكي على مدحت المحمود المستعد دائماً معه لتغيير الخريطة لصالحه، وهذا يجعل الفائزين من العرب السنة غير مستعدين لهذه المجازفة، خاصة أن موقف هذه الدول لم يكن بالشكل الذي يمكن للمحسوبين عليها - إن وجدوا - أن يضحوا باستحقاقاتهم مقابل نيل رضاهم، أو أنهم سيقفون بوجه أي تداعيات سلبية ستنالهم من جراء هذه الزيارة أو حتى باتصال مباشر. ويأتي تصريح حسن العلوي المرشح السابق عن القائمة العراقية لانتخابات (2010) (الممثلة للعرب السنة) آنذاك، ليؤكد ما ذهبنا إليه بأن دول الخليج لم تدعمهم في هذه الانتخابات بعد أن كانت دعمتهم في الانتخابات السابقة، والكلام لحسن العلوي.

ولذلك؛ فإن تركيا ستجد نفسها هي الأخرى أمام استحقاق لم تكن تتوقعه، ليس فقط بسبب الوضع الإقليمي المحيط بها، بل لأن العرب السنة عاقبوا ممثليهم وباستحقاق على فشلهم الذريع، ليس فقط في تحقيق مطالبهم بل بأنهم سبب فيما يحدث في الأنبار اليوم من حرب بمعنى الكلمة شنها المالكي على معقل مهم من معاقل أهل السنة، بل ربما يعد أهمها، بسبب تصريحات أعضاء «متحدون»، أمثال: محافظها (أحمد خلف)، وقائد الصحوة فيها (أحمد أبو ريشة)، وهما كانا يمثلان ركناً مهماً من أركان الحراك الشعبي فيها، بل إن المحافظ كان المسؤول الأمني للساحة.

فإذا كان الكل قد أعاب على النائبة (وحدة الجميلي) تصريحها في لقاء مع قناة الرشيد بـ «إن المالكي أرحم على أهل السنة من باقي السياسيين الشيعة»، فنحن معها في هذا الرأي، فمن سيأتي غير صاحب الدريل (صولاغ) وزير الداخلية (2005 - 2006)، أو رئيس وزرائه (إبراهيم الجعفري)، أو حرامي البنوك وعراب الاحتلال صاحب قانون احتلال العراق (الصادر من الكونغرس الأمريكي)، وهو عراب البيت الشيعي، وهو صاحب أسوأ ميليشيات قدمت مع الاحتلال بعد أن تلقت تدريباً في أوروبا، وهو من نهب وسرق كل خيرات العراق من مصارف وتحف ووثائق للمخابرات العراقية السابقة وكل الوزارات والدوائر المهمة، أو نائب رئيس الجمهورية لشؤون الإعدامات (خضير الخزاعي)، أو الطائفي المسموم وزير التعليم العالي (علي الأديب)... والقائمة تطول، وكلهم أمام استحقاقات إقصاء وقتل وتهجير أهل السنة، ليس من بغداد فقط كما صرح بذلك الجعفري، بل من كل العراق.

وعوداً على بدء فإن العقوبة على من كانت تركيا تعول عليهم لم تأتِ من هذا التصريح، بل بسبب تصريحات رافع العيساوي الذي خرج علينا أكثر من خمس أو ست مرات خلال الحملة الانتخابية ومن على شاشة قناة بغداد الفضائية، وهو يطالب المرجعيات الدينية السنية وشيوخ العشائر بأن يعلنوا أن الموجود في الفلوجة هم (داعش) فقط، وقالها صريحة في آخر لقاء له عشية الانتخابات: «لماذا أنا الوحيد الذي يعلن وجود (داعش) ويصمت رجال الدين وشيوخ العشائر عن ذلك؟»، وهو من خرج الناس لدعمه والوقوف معه ضد عملية اعتقال حمايته ومحاولة اعتقاله، وهو بذلك يؤيد موقف المحافظ وأبو ريشة الداعمين للحكومة بحربها ضد أهل السنة، وإن المالكي أرسل كل جيوشه وميليشياته العراقية والإيرانية متذرعاً بتصريح المحافظ في لقاء مع المالكي بمجلس الوزراء بوجود (30 - 40 إرهابياً)، حسب زعمه، في ساحة الاعتصام، ويأتي تصريح السياسي المخضرم والقيادي في متحدون (رافع العيساوي) ليعطي تبريراً من جديد وحجة دامغة بيد المالكي ومن يدعمه بأن من يوجد في الأنبار (الإرهاب) وحسب، فأي حجة وذريعة أكبر من هذا التصريح، وهو الذي كان يفترض به أن يدافع عن مئات القتلى والجرحى من الأطفال والنساء والمدنيين الذين سقطوا بالقصف المستمر بالصواريخ والبراميل المتفجرة، والواقعين تحت حصار مطبق شمل كل شيء من طعام ودواء وقطع كامل للكهرباء وكل شبكات الاتصالات.

وأمام هذه المأساة التي يعيشها أهل السنة والتي شارك فيه من يفترض بهم أن يمثلونهم؛ كانت العقوبة التي يستحقونها بجدارة، فلم يحصلوا إلا على 33 مقعداً، وبعضهم استطاع المالكي، بحسب تصاريح متواترة، أن يشتريهم. وهكذا فإن موقف تركيا ودول الخليج سيكون ضعيفاً في فرض شروطهم على اللاعبين الآخرين في أي مفاوضات ربما تجري الآن لتشمل المنطقة (العراق وسورية)، خاصة بوجود اللاعب الأكبر إيران.

وإذا كان «متحدون» والعرب السنة بكل قوائمهم قد فشلوا في الدفاع عن قضيتهم الناجحة التي تحمل كل معاني الحق، فإن المالكي استغل قضية الأنبار والفلوجة بشكل جيد جداً، ولم يترك سبيلاً من سبل الطائفية إلا واستخدمه بأبشع أشكاله، ولم يتضح ذلك من خلال فقط ما حصل عليه من أصوات (إن كان بالتزوير وهو الأكيد أو من دونه)، وهذا لا يلغي وجود مؤيدين له بعد أن حصل على لقب مختار العصر (المختار الثقفي)، وهو الاسم المحبب له؛ فقد استطاع أن يحصل على الموافقة الإيرانية من خلال دعمه بهذه الحرب بشكل مباشر من خلال مشاركة فيلق القدس الإيراني، وما يسمى (عصائب أهل الحق) المدعومة من قبل المرشد الأعلى في إيران، فقد كاد المالكي من خلال هذا الدعم وحتى من قبل خصومه السياسيين، أن يحقق انتصارات حقيقية بدخوله الفلوجة التي كانت عصية على الأمريكان، فكانت عصية عليه وعلى من يدعمه أيضاً.

إلا أن هذه الحقيقة لم تمنع من حصوله على أصوات تؤهله لأن يدعم مشروع إيران الداعم له، وهو ما تجسد في التصريحات الداعمة له من قبل مكتب المرشد الأعلى في إيران وقائد فيلق القدس (قاسم سليماني)، إضافة إلى كثير من التصريحات الصادرة عن مراكز القوى في إيران والتي عبر عنها من خلال التصريحات العلنية، أو ما تنشره وسائل الإعلام المرتبطة بمركز القوى في إيران، وهو ما تجسد بدعمه عسكرياً قبيل الانتخابات لتحقيق نصر عسكري يقوي موقفه على حساب باقي التيارات والأحزاب الشيعية.

يأتي كل ذلك أمام حقيقة أن المرجعية الدينية والسياسية في قم وطهران هي أعلى من مرجعية النجف، بعد أن أصبحت مرجعية إيران تمثل موقف الإمام الغائب، فمرجعية إيران تمثل نائب الإمام، وهو ما لا تمثله مرجعية النجف، ولذلك لم يكن موقفها من عملية التغيير قد نال استحسان من صوت للمالكي أو ساعد على عملية التزوير، وهؤلاء ليسوا بالعدد القليل، فهم منتشرون في كل مراكز ومحطات الانتخابات.

هذه الحقيقة هي ما ستطفو على السطح، وإن كل عويل وصراخ من باقي مكونات البيت الشيعي لن تأتي أكلها، خاصة بعد تصريحات الزعامات الكردية التي عادت من جديد ودائماً إلى برغماتيتها لتعلن أن لا خط أحمر على أحد، وإنما لها حقوق دستورية تريد أن تحققها (المادة 140 كركوك أو ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها وجميعها مع مدن ومحافظات أهل السنة العرب، والميزانية وقضية تمويل البيشمركة واعتبارهم جزءاً من الجيش العراقي بتسليحه وتمويله).

جاء هذا ومن أكثر من طرف كردي بعد تصريحات المالكي بأن لا خط أحمر على أحد إلا من وضعه على نفسه، ولا يريد أن يشارك بهذه الحكومة، وأن الأكراد سينالون كل حقوقهم الدستورية.

ماذا تريد إيران أكثر من أن تجد رجلها قد حصل على موافقة الداخل ليقوي موقفها الداعم له، وهو ما صرح به عمار الحكيم بأن رئيس الوزراء القادم يجب أن ينال موافقة القوى الداخلية والإقليمية والدولية، وحتى إن جاء غير المالكي فإنه لن يأتي إلا بموافقة ومباركة إيرانية - أمريكية.

وقد بيَّن حسن العلوي، مرشح التيار الصدري في هذه الانتخابات، أنّ لإيران دوراً بارزاً ومهماً في تحديد اسم رئيس الوزراء، حيث قال في لقاء مع قناة البغدادية الفضائية: «إننا نعيش في دولة الوصايا التي عشناها في زمن الاحتلال والانتداب البريطاني، حيث تقترح دولة الوصايا اسم رئيس الوزراء، وهو ما يحصل الآن، فإن الشعب العراقي هو من ينتخب، إلا أن إيران هي من تحدد اسم رئيس الوزراء».

وسيثار سؤال: أين أمريكا من كل هذا؟ وبداية لا بد من الاعتراف بأن الأشخاص لا يمثلون بأنفسهم قيمة لأمريكا بقدر ما يمثل موقفهم من خدمة مصالحها ومن يستطيع الحفاظ عليها أفضل من غيره. والشعارات التي ترفع في أمريكا لا قيمة لها في شعوب العالم الأخرى إذا ما كانت تصطدم بمصالحها. وأمام هذه الحقيقة الراسخة في ذهن السياسيين الأمريكان، فإن بقاء المالكي في السلطة لم ولن يشكل عبئاً عليها، وربما هو رجلها في هذه المرحلة، وإلا لماذا زودته بكل الدعم العسكري وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن يحقق انتصاراً في الفلوجة، ربما في جزء منه هو للانتقام من هذه المدينة الصغيرة بحجمها لكنها أذلت كل الكبرياء الذي تحمله دولة عظمى كأمريكا، لكن لو لم تكن ترغب في فوز المالكي لأجلت ذلك مع أي رئيس وزراء، لتعطيه زخماً وقوة يستطيع من خلالهما أن يكون زعيماً للمرحلة القادمة.

:: مجلة البيان العدد  325 رمضان 1435هـ، يوليو  2014م.