هجرة الحبشة ودلالاتها:

كانت الهجرة إلى الحبشة أول هجرة في الإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث واجه أتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صوراً من العذاب والتنكيل والتضييق لمخالفتهم قومهم في دينهم، فلجأ هؤلاء المؤمنون إلى الخروج من أرضهم وديارهم طلباً للأمن في الدِّين. وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد من قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41]؛ هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين ظلمهم المشركون بمكة، وأخرجوهم، حتى لحق طائفة منهم بالحبشة[1].

وجاء الأمر بالهجرة تحقيقاً لحفظ المسلم على دينه، كما أشار قول الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].. قال ابن كثير – رحمه الله -: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدِّين. ثُمَّ قال: ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك[2].

ففي ظل تنامي أذية عتاة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه في صور من العدوان والبغي الذي بلغ حدَّ القتل والتعذيب والحبس، وتفاقم الأمر حتى تآمر كفار قريش لفتنة كل داخل في دين الرسول الكريم، بل أرادوا قتله صلى الله عليه وسلم: {وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]؛ فنبا بالمسلمين المقام في مكة وضاق بهم الحال بها في السنة الخامسة[3]. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما يصيب أصحابه من البلاء وأنه لا يقدر على أن يحميهم ويمنعهم مما هم فيه، قال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)”[4].

و”كان الرحيل إلى الحبشة تسللاً في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه”[5]. وقد استطاع المهاجرون الأوائل الوصول إلى الحبشة والإقامة فيها فترة من الزمن، لكنهم عادوا إلى مكة بعد أن سمعوا بإسلام قريش، ولم يكن ذلك صحيحاً، فوجدوا الأمر خلاف ما بلغهم؛ فلاقوا من قومهم من العذاب والتنكيل أشد مما سبق، “فلم يرَ الرسول صلى الله عليه وسلم بدّاً من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى إلى الحبشة. وكانت الهجرة الثانية أشق من سابقتها؛ فقد تيقّظت لها قريش وقررت إحباطها”[6].

وقد كانت وراء هاتين الهجرتين دوافع قوية ألجأت المؤمنين لمفارقة أرضهم وأهلهم ومالهم.. فقد أصبحت مكة الآمنة المطمئنة مرتعاً للقتل والتعذيب والتنكيل والاضطهاد على أساس من (اختلاف العقيدة)؛ فأصبحت الحياة في مكة وبين ظهراني قريش بالدِّين الجديد الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ أمراً متعذراً يتلبسه الخوف والجوع والضيق والأذى وتهديد النفس والعرض، فلم يكن دافع الهجرة مجرد اختلاف العقيدة وتباين الدِّين، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الصحابة ظلوا ثابتين بمكة نظراً لأن الأذى لم يبلغهم في ذلك الوقت، أو نظراً لظروف البعض التي لم تمكّنهم من الهجرة؛ كالفقر، أو لكونهم موالي لكفار قريش، كما هو حال صهيب وبلال، وهذا ما يؤكده ابن إسحاق بقوله: فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم[7].

وقد بلغت صور التعذيب ما ذكره ابن إسحاق عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يُعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدة الضُّرِّ الذي نزل به، حتى يُعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن الجُعل ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجُعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم! افتداء منهم مما يبلغون من جهده[8]. والأمر لم يتوقف على التعذيب الجسدي، بل كان من شأن أبي جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنَّبه وأخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك.. لنسفّهن حلمك ولنُفيِّلنَّ – أي نُقبِّح - رأيك، ولنضعنَّ شرفك! وإن كان تاجراً قال: والله لنكسدنَّ تجارتك ولنهلكنَّ مالك! وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به[9]!

فنجد أن الأذى كان قد بلغ جميع المؤمنين وإن بمستويات وصور مختلفة، حتى ذكرت كتب السيرة والسُّنة الشيء الكثير من أساليب التعذيب والتنكيل والقتل والاضطهاد بحسب الفرد والحال، وأشار القرآن الكريم إلى هذا الحال بإذنه للمؤمنين بإظهار الكفر إذا اضطروا إلى ذلك: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

فتحولت مكة المكرمة من دار أمان وبيئة استقرار وواحة طمأنينة، إلى دار خوف وعدوان وبغي واضطهاد. وأصبح أصحاب الدعوة الجديدة لا يستطيعون العيش بصورة طبيعية داخل مجتمعهم الذي رفض القبول بهم وإعطاءهم مساحة من الحرية التي يمارسون في ظلها حقهم في اختيار العقيدة وممارسة الشعائر، وإعلان ذلك بأسلوب سلمي يقوم على العرض الفكري والحوار الموضوعي والجدل العقلي والآيات والبراهين الكونية الخارقة، مع التزام أسمى الأخلاق وأكرم الخصال في العلاقات الاجتماعية عموماً. وفي مقابل ذلك لم يثبت لهؤلاء الذين فارقوا قومهم إلى الدِّين الجديد أن هددوا الاستقرار الاجتماعي والأمن العام ومصالح المجتمع الدنيوية، المبنية على أسس نافعة أو طبيعية، وإن كانت لهم مواقفهم العقدية من التصورات الشركية والسلوكيات المخالفة لدينهم الجديد، بل تحمّلوا الظلم والجور والعدوان في سبيل إقناع قومهم بالحق الذي آمنوا به واستحقاقه لأن يصبر الإنسان من أجله على الأذى والتعذيب، وأن يضحّي لتجليته بماله ومكانته ومصالحه ونفسه.

حتى لقد كانت هذه الصورة المتقابلة من التعامل تثير في نفوس العقلاء تساؤلاً حول مصداقية التشويه الذي كانت تُصوِّر به قريش دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل كانت تدفع بكثير منهم إلى استقصاء الصورة بكل أبعادها من خلال القدوم إلى مكة والاتصال بالرسول، أو بأي من أتباعه، للتأكد من طبيعة هذا الدِّين الجديد، ومن ثمَّ تكون النتيجة الإيمان به واتِّباع حامل الرسالة غالباً.

إزاء هذا الواقع الذي آلت إليه الحال في مكة، كان لا بد من إيجاد مخرج للمؤمنين لكي لا يتحول الصبر الذي أُمِر به المؤمنون في مكة من بُعده الإيجابي - الذي تحدث عنه سيد قطب في الظلال[10] - إلى بُعد سلبي يقضي على حملة الدعوة وأتباعها، ومن ثمَّ على الدعوة ذاتها. وهذا المخرج ليس بعيداً عن الرؤية الواقعية والخيارات الممكنة المتاحة، حتى إن لم تُمثِّل الحل الأمثل والمثال النموذجي لما يطمح إليه المؤمنون؛ فحكمة الله تعالى في عباده المؤمنين من وراء الابتلاء أن يوسعوا مداركهم، ويعمّقوا نظرتهم، وألا ييأسوا من روح الله، وأن يأخذوا بالأسباب التي بثها هو سبحانه وتعالى في الأرض للوصول إلى النتائج مستعينين به، ثُمَّ بما منحهم من قدرات ومواهب، وأتاح لهم من ظروف وفرص، حتى يتهيَّؤوا لقيادة الأمم الأخرى، ويقيموا حضارة إنسانية على قدر من الإيمان وقدر من الوعي وقدر من الإيجابية، يقول تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء: 100][11].

فلو تهيّأت للمؤمنين أسباب النجاح والفوز بمعجزات إلهية وكرامات ربانية دون اجتهاد منهم، لركنوا في جميع شؤونهم في الحياة إلى هذه المعاني، وفوتوا مراد الله بهم، وعطلوا مواهبهم التي وهبهم الله إياها، فإن الإنسان إذا شعر أن عليه في الظروف الصعبة - ورغم محبة ومعية الله تعالى له - أن يبذل الأسباب ويوظف المواهب والقدرات ويستغل الفرص والظروف؛ أدرك مقدار نعم الله تعالى عليه وسعة رحمته، واكتشف الكون وسنن الطبيعة والحياة من حوله، فازداد إلى جانب إيمانه معرفة وإيماناً آخر ما كان له أن يصل إليه من دون الابتلاء.

ولذلك نجد أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب المــُعِينَةِ على مواجهة هذا الحال المتأزم والوضع المأساوي من خلال التفاتته إلى أساليب جديدة وأماكن جديدة وخطط جديدة، مستفيداً من الواقع القائم من حوله، فكانت الهجرة إلى الحبشة أنموذجاً لهذا التعاطي الإيجابي مع المحنة، الواقعي في تخطيطه، المتاح في إمكانياته، المحقق للقدر المعقول من أهداف حملة الرسالة، حيث عجزوا عنها في مكة، فجاءت الإشارة منه إلى أتباعه للهجرة إلى الحبشة – وهي يومئذ دار كفر! -، معللاً اختياره بأن فيها “ملكاً لا يظلم عنده أحد”[12]، فليس اختياره صلى الله عليه وسلم للحبشة اعتباطاً منه – حاشاه -، ولم يثبت فيه أنه وحي من الله، فلم يبقَ إلا أن يكون اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم استناداً إلى معرفة وتقدير للأوضاع المحيطة ببيئته الاجتماعية والدعوية، وهذا بالفعل ما ظهر من خلال القصة التي يوردها أصحاب السير والمؤرخون حول رُسُل قريش إلى النجاشي الذين بُعِثوا في طلب أتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

فقد حكت أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها - أنهم لما نزلوا بأرض الحبشة جاوروا فيها “خير جار”، و”أمنوا على دينهم”، و”عبدوا الله دون إيذاء أو سماع شيء يكرهونه”! بل كان من شأن النجاشي مع رُسُل قريش أن رفض هداياهم، وقال: “لاها الله [أي لا والله] إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عمَّا يقول هذان في أمرهم”[13]! فسمع من الطرفين وتبيّن القضية ورفض طلب رُسُل قريش بتسليمهم إلى قومهم، وقال: “أنتم شُيوم بأرضي [أي آمنون] مَن سبَّكم غَرِمَ”، وأعاد هدايا قريش معتبراً إياها (رشوة). وبذلك يظهر مدى مبدأية هذا الحاكم وإنصافه وترفعه عن المصالح المادية في مقابل هذه الصفات[14].

وكان مما ظهر من كلام جعفر للنجاشي قوله: “فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا في ديننا، ليَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنَّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيُّها الملك”[15].

بل بلغ من شأن الصحابة الذين أقاموا بالحبشة أن دعوا الله تعالى للنجاشي بأن يظهره الله على عدو له، فقد جاء في أثر أم سلمة: “فوالله إنا لعلى ذلك [أي الحال] إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. قالت: فوالله ما علمتُنا حزنَّا حُزناً قط كان أشدَّ علينا من حُزنٍ حزِنَّاه عند ذلك، تخوفاً أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيأتي رجل لا يَعرِفُ مِن حقِّنا مَا كان النجاشي يَعرِف منه. قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثُمَّ يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سِنّاً. قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثمَّ سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثمَّ انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. قالت: فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي وأهلك الله عدوه ومَكَّن له في بلاده. قالت: فوالله ما علمتُنا فرحنا فرحة قط مثلها”[16]، وهذا في الظاهر قبل إسلامه، فإنه أسلم متأخراً كما في بعض الروايات[17].

لقد مثَّلت الحبشة بهذا الوضع الذي يأمن فيه المرء على نفسه وماله وعرضه، ويمكنه في ظل نظامه السياسي اختيار العقيدة وإظهار الدِّين وممارسة الشعائر في حدها الخاص - للفرد والجماعة؛ بلداً جاذباً للفئة المؤمنة التي لاقت الاضطهادات والمضايقات في أرضها ومجتمعها، فبلغ عدد الذين هاجروا إلى الحبشة نيفاً وثمانين فرداً.. خرجوا أرسالاً إلى الحبشة. كما مثَّلت الحبشة – أيضاً - بيئة طبيعية لهذه الفئة المؤمنة للعيش الكريم الذي تتوافر فيه أسباب الرزق وسبل التعايش، وهذا الأمر لم يكن ليتم لولا شخصية النجاشي التي صبغت نظام حكمه الملكي بالعدل والرشد، ولم يكن اختلاف العقيدة أو الجنس ليُغيِّر من تعامله مع الآخر، ما وفَّر الأمن والاستقرار السياسي وضمان الحقوق والحريات لكل قاصد للحبشة.

هذا الواقع في الحبشة كان الأظهر تميزاً – فيما يبدو - من الوضع السائد في إمبراطورية الروم وفارس وما يتبعهما؛ لذا جرى اختيارها عمَّا سواها. كما أن علاقة قريش بكثير من قبائل العرب ومكانتها بينهم تجعل من اختيار مناطق القبائل العربية للهجرة مخاطرة لا تحمد عقباها، وقد رأينا كيف أن قريشاً لم تألُ جهداً في إعادة من هاجروا عنها إلى الحبشة رغم بُعْد المسافة واختلاف البيئة، فكيف لو كانت الهجرة إلى قبيلة عربية وبيئة قريبة؟!

وسواء كان هذا الاختيار بتوجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم أو نتيجة تدارس بينه وبين أصحابه وتداول في الأمر وتقليب لوجهات النظر، وهو (الأكثر مشورة لأصحابه)؛ فقد حقق مصلحة كبرى للمهاجرين باستمرار عيشهم وضمان سلامتهم محافظين على عقيدتهم ومؤدين لشعائر دينهم الجديد.

وقد ذهب سيد قطب – رحمه الله تعالى - في الظلال إلى أن هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من الهجرة كان البحث “عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة”، مستنكراً أن يكون سبب الهجرة هو “مجرد النجاة بأنفسهم”، نافياً أن يكون لهذا الرأي “قرائن قوية”، مدعّماً قوله بأنه “لو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس وجاهة وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة، لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية ما يعصمهم من الأذى ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين”. وقد وافق الأستاذ منير الغضبان[18] - وغيره - سيد قطب فيما ذهب إليه.

غير أن هذا الرأي وإن كانت له وجاهة في النظر، لكنه من دون شك يخالف ما ثبت في الروايات التي تشير إلى أن الهجرة لم تكن ابتداء لهذه الغاية، لعدة أسباب:

أولاً: أنه لو صح ذلك لكانت هناك خيارات أخرى أولى من الحبشة تصلح مهاجراً لنشر الدعوة، منها اليمن لقربها واتفاق بيئتها ثقافة ولغة مع أهل قريش! فالحبشة ظلت على نصرانيتها قروناً طوالاً، ولا تزال.

ثانياً: أنه لم يؤثر لمهاجري الحبشة نشاط دعوي يذكر في أوساط المجتمع الحبشي، وكُلُّ ما هنالك أنَّ النجاشي أسلم في آخر عهده، وأما من دخل في الإسلام من أهل الحبشة سوى النجاشي – إن ثبت ذلك - فمرده – والله أعلم - إلى الأخلاق والتعامل الذي أبداه المسلمون استناداً إلى عقيدتهم ودينهم؛ وإلا لثارت حفيظة القساوسة والأحباش على دينهم، ولوقع صدام وصراع جديد للمهاجرين الغرباء عن الأرض، كيف وقد أرادوا الخروج على النجاشي – نفسه - عندما شعروا بإسلامه؟!

ثالثاً: أن اللغة تمثل حاجزاً مهماً في ذلك الوقت بين المهاجرين وأهل البلاد الأصليين، والغالب أنَّ المهاجرين لم يتمكنوا من إتقان لغة الحبشة بما يفسح لهم نقل المفاهيم والقيم والتعاليم الإسلامية بسهولة إليهم خلال فترة وجيزة، مع وجود دين منافس أساساً! وفي حال أنَّ بعض الأحباش كانوا يعرفون العربية لتواصلهم مع العرب – كما يرى بعض الكُتَّاب والباحثين -، إلا أنَّ ذلك ليس بكاف لاختيار الحبشة على ما سواها من البلدان المجاورة للعرب.

أما الاستشهاد بأن المهاجرين كانوا من ذوي القوة والوجاهة والمنعة، فقد أسلفنا أن الأذى والاضطهاد بلغ كافة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وإن تفاوتت نسبته بينهم، وأن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه جاءت استجابة لهذا الواقع كما أثبتت الروايات، ولم يكن لهجرة الفقراء والضعفاء إلى الحبشة معنى مع واقع ضعفهم وفقرهم، خاصة أنَّ احتمال تعرّضهم لفتن أعظم مما لاقوه في بلادهم وبين قومهم وارد، وهم في مقابل ذلك لا طاقة لهم بالقيام على شؤونهم وحاجتهم مستقلين فضلاً عن أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم إن نابهم خطر؛ أما الموالي فإنهم مملوكون واختلاف الدِّين لا يسقط أبداً حق مالكيهم فيهم، فتحريضهم على الهجرة هو فتح لأزمة وإعطاء مبرر لكل من رغب أن يتملص من هذا الواقع للخروج منه تحت ذريعة اتِّباع محمد والهجرة مع أصحابه. ولم يَكُن شأن النبي صلى الله عليه وسلم لا في مكة ولا في المدينة أن يدعو إلى خفر العقود والمواثيق وإبطال لوازمها إن كانت صحيحة.

وهناك قول آخر يبرر اختيار الحبشة لكونها بلداً نصرانياً.. وأن النصارى أقرب لأهل الإسلام كونهم أهل كتاب، وهو تبرير مستبعد جداً؛ أولاً لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يشر إليه من قريب ولا من بعيد، كما أن الأحباش كانوا متعصبين لديانتهم كما اتضح في محاولة أبرهة الأشرم صرف وجوه العرب عن الكعبة إلى (كنيسة القليس) التي ابتناها في صنعاء ونادى العرب للحج إليها، ثمَّ محاولته هدم الكعبة عام الفيل، وهي أحداث لا تزال في وعي أهل مكة خاصة؛ ولو كان المقصود ذلك لكانت الشام باعتبارها بلداً مجاوراً وفيها نصارى أقرب مذهباً.

فلم يبقَ تبرير لاختيار الحبشة إلا ما أسلفنا من كونها بلداً آمناً متعايشاً يحكمها نظام عادل مستقر، وهي معطيات مناسبة للجوء إليها. كما أنه لم يكن للحبشة أي ارتباط سياسي أو اقتصادي بقريش يمكنها من ممارسة ضغوط على نظامها الحاكم، فهي دولة مستقلة وذات موارد وقوة عسكرية، بل إن الحبشة في ذلك الحين تمثل وجهة مستبعدة في فكر قريش لهجرة المسلمين، خاصة للنظرة العنصرية التي كان ينظر بها العرب للأحباش!

أما معرفة المسلمين بالحبشة فيبدو أنها نشأت نتيجة ظهور الحبشة كلاعب دولي في اليمن جنوب الجزيرة العربية، ونتيجة أن مكة ضمت في نسيجها الاجتماعي موالي من الحبشة[19]، ولأنه وجد من تجار قريش من كان يقصدها للتجارة، فهي بلاد منفتحة اقتصادياً يقصدها التجار ويأمنوا بها، وتمثل نقطة عبور إلى ما وراءها من بلاد إفريقيا، فكانت أشبه بمركز للتجارة الدولية والعابرة شرقي إفريقيا؛ وقد أشار الإمام الطبري إلى شيء من هذا في معرض حديثه عن هجرة الحبشة بقوله: “وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاهاً من الرزق وأمناً، ومتجراً حسناً”[20].

وقد مكث المهاجرون في الحبشة قرابة 14 عاماً أو يزيد، حيث لحقوا بالرسول الكريم في المدينة بعد صلح الحديبية في أواخر السنة السادسة أو السابعة للهجرة؛ ويُظهر ذلك مدى الأمن والطمأنينة الذي حظوا به في الحبشة بحيث طاب لهم العيش فيها، حتى وُلِدَ لبعضهم فيها بنون.

لقد كان من نتاج هذه الهجرة المباركة، والثبات الذي أبداه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة البلاء والفتن، بدءاً بالمخاطرة بأرواحهم في خضم البحر، وقصدهم بلداً لم يألفوه، والقول في عيسى – عليه الصلاة والسلام - ما يعتقدونه أمام ملك الحبشة وقساوسته، وانتهاء بتمسّكهم بدينهم رغم طول المكث؛ إسلام النجاشي – رحمه الله تعالى -، ورغم أنه لم يرد تحديدٌ لسنة إسلامه، ولا يُعرفُ كيف كان ذلك، ومتى؟ غير أن كتب السير سجلت لنا أنَّ النجاشي بعد إسلامه اصطدم بقومه، حيث أرادوا الخروج عليه، لكنه أظهر لهم بقاءه على النصرانية وظل كاتماً إيمانه حتى مات. يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى - عنه: “وكان قد أسلم، ولم يقدر على إظهار ذلك خوف الحبشة”[21].

وقد ذكر ابن إسحاق بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا! وخرجوا عليه. قال: فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سُفناً وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هُزمتُ فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرتُ فاثبتوا. ثُمَّ عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثُمَّ جعله في قِبَاءٍ عند المِنكَب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصَفُّوا له. فقال: يا معشر الحبشة! ألست بأحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد! قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي – ووضع يده على صدره على قبائه -: هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئاً! وإنما يعني ما كتب. فرضوا وانصرفوا[22].

ونتيجة كتمانه إيمانه ووفاته في بلاد لا يوجد فيها من يصلي عليه، خاصة وقد عاد المسلمون المهاجرون إلى المدينة، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه في المدينة، ودعا أصحابه للصلاة عليه، فجاء في البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي صاحب الحبشة يوم الذي مات فيه فقال: (استغفروا لأخيكم)[23]؛ وفي رواية أخرى: ثُمَّ تقدم فصفوا خلفه فكبَّر عليه أربعاً[24]. فكان الوحيد الذي صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب.

نخلص مما سبق أن الهجرة الأولى للصحابة - رضوان الله عليهم - كانت معالجة لوضع قائم، وأن المسلمين أجروا مفاضلة بين بيئة وبيئة، وبين ظرف وظرف، وبين حال وحال؛ فأما البيئة المفضولة فهي مكة بما تمثله من موطن عيش وأرض مولد ونشأة، وقريش بما تعنيه من أهل وعشيرة وقوم. وأما البيئة المفضَّلة فهي الحبشة بما تمثله من بلد (غريب) ومجتمع (مختلف)؛ لا لشيء سوى لاختلاف الظروف بين هاتين البيئتين: فالأولى أصبحت ترفضهم، وتهدد مصالحهم وأمنهم وأرواحهم، وتضيق بهم ذرعاً، وتنوع لهم صنوف الاضطهاد والتنكيل، لاختيارهم ديناً خلاف الدِّين السائد تصوراً وشعائر؛ والأخرى ترحب بهم، وتُأمِّنُ مصالحهم وأرواحهم وحركتهم، وتفسح لهم في اختيارهم للدِّين الذي به يؤمنون، والشعائر التي يمارسون. فالحال في البيئة الأولى مع غربتهم فيها أفضل من الحال في البيئة الثانية مع انتمائهم إليها. فقد جرى التفاضل إذاً بين بيئتين يسود فيهما دين مخالف ونظام مغاير لكن لإحداهما ميزات تفوقت بها عن الأخرى.

ويستفاد من قصة الهجرة أن وصف العدل يقوم بغير المسلم كما يقوم بالمسلم، وفي هذه الحال يكون الوصف به نسبياً؛ لأن العدل الأكمل إنما هو في التزام شرع الله وتنفيذ أوامره وتطبيق أحكامه، فقد جاء في اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم للحبشة: (إنَّ بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحدٌ عنده)[25]. والشيء ذاته يُقال عن وصف الصلاح، فقد جاء في بعض الروايات وصف (النجاشي) – قبل إسلامه - بالصلاح[26]، وقد ظهر ذلك في مواقفه من بكائه عند سماعه القرآن، وتصديقه بشهادة القرآن في عيسى – عليه الصلاة والسلام -، ورفضه الرشوة التي قدمتها قريش. وقد جاء عن ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: (الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة)[27].

كما يُستفاد من حادثة الهجرة إلى الحبشة ثبات المسلمين على عقائدهم وهم يخاطبون النجاشي في شأن ما يؤمنون به من جهة، وفي شأن عيسى بن مريم – عليه الصلاة والسلام - من جهة أخرى، كما جاء في المرويات.. فإعلان العقيدة والمبادئ بصورتها الحقة في ظل العيش بين ظهراني المشركين، هو الأصل إذا كان مقدوراً عليه وأمنت الفتنة. وهذا الثبات أثَّر دون شك في النجاشي وفي أهل الحبشة، فدخل هو وبعض من قومه – كما جاء في بعض كتب السير والتاريخ - في الإسلام، وإن لم يقدروا على الإعلان به[28].

ويُستفاد أيضاً خطأ من رأى أن الهجرة كانت بدافع توسيع نطاق الدعوة، فمن المعلوم أن هذا لم يرد في أحاديث أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يثبت في الآثار المنقولة عنهم، ولو كان ذلك صحيحاً لاسْتَعْدُوا بذلك نصارى الحبشة ووقعوا فيما فروا منه، ولَعُرِفَ ذلك وانتشر عنهم؛ أما استشهاد أصحاب هذا الرأي بإسلام النجاشي وغيره من أهل الحبشة، فلا يعدو أن يكون إسلامهم نابعاً عن اتصالهم بالمهاجرين واطلاعهم على عقائدهم وأخلاقهم وعبادتهم وما كان لديهم من القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا نتيجة قيامهم بالدعوة علانية وبهدف التغيير بين ظهراني نصارى الحبشة، بل جاء أن النجاشي كتم أمر إسلامه، فكيف يكتم الملك إيمانه في سلطانه ويجاهر به الغرباء داعين إليه؟!

هجرة المدينة.. الأسباب والدوافع:

مثَّلت الهجرة إلى المدينة المنورة منعطفاً كبيراً في مسيرة الإسلام الدعوية والحركية؛ فلماذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة؟ وما دوافعهم في ذلك؟ وما الظروف التي أحاطت بهجرتهم في مكة والمدينة؟

إن أول شيء يقابلنا في مسألة الهجرة إلى المدينة هي تلك العبارة التي أطلقها الرسول الكريم وهو خارج من مكة ومتجه إلى المدينة: (وَلَولَا أَنَّ أَهلَكِ أَخرَجُونِي مِنكِ مَا خَرَجتُ)[29]. وهذه العبارة عند الوهلة الأولى تصطدم مع ما تقرر في فكر القارئ من أن الهجرة كانت بترتيب من الرسول صلى الله عليه وسلم وبوحي إلهي! فكيف نجمع بين الأمرين؟!

إن المتأمل لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما قُصَّ عليه من سير الأنبياء، يجد أن مغزى البعثة والرسالة هو إقامة الحجة الكاملة على الأمة – المرسل إليها. ومن متطلبات هذه المهمة قيام الرسول بين ظهراني قومه يدعوهم ويبيّن لهم ويبلغهم ويحيطهم بنصحه وتوجيهه، وأن يتحمل ويصبر إزاء ما قد يقابله من أذى قولي أو فعلي مادي أو معنوي، طالما أن هذا الأذى داخل في قدرته وطاقته البشرية؛ لأن من طبيعة تغيير المجتمعات وإصلاحها أن يكون مُكلِفاً وصعباً وبطيئاً في التأثير.

وباستقراء القرآن الكريم وما فيه من قصص الأنبياء، ندرك يقيناً أن الله تعالى لم يأذن لأنبيائه ورسله بمفارقة أقوامهم إلا في ظل تهديد ينال وجودهم ويفوق طاقتهم ويضر بدينهم، بل عاتب – سبحانه - نبيّاً من أنبيائه وعاقبه على فراقه لقومه – رغم كفرهم - دون إذن من ربه. وقد رأى موسى – عليه الصلاة والسلام - من بني إسرائيل من الكفر والعناد والضلال والأذى الشيء الكثير، وهو مع ذلك كله صابر محتسب، يدعوهم ويعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقوم فيهم بشرع الله، ويسعى في إصلاح حالهم ورعاية مصالحهم، وقد عرف هارون – عليه الصلاة والسلام - هذا المنهج فالتزمه معهم عندما غاب موسى عن قومه، فقد أنكر عليهم عبادتهم العجل، وحاول أن يعيدهم إلى طاعته: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي 90 قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْنَا مُوسَى} [طه: 90-91]، إلا أنَّ افتتان غالبية بني إسرائيل بالعجل جعل موقفه ضعيفاً، حتى إنهم أرادوا الفتك به: {وَلَـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ 150 قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 150-151]. وإزاء هذا التهديد الذي تلقاه هارون لم يشأ أن يشعل فتيل صراع بينه ومن معه من بقية المؤمنين وبين الذين اتخذوا العجل إلهاً، وهم الكثرة الغالبة، فيستحيل الأمر إلى فتنة يتفرق معها بني إسرائيل: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا 92 أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي  93قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92 - 94]!

هذا المنهج النبوي ليس منهجاً خاصاً بموسى وأخيه مع بني إسرائيل، بل هو منهج الرسل جميعاً، وقد اتبعه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع قومه وهو يرى أصحابه وأتباعه يؤذون ويعذبون دون أن يرفع في وجه كفار قريش السيف، أو يدعو إلى ثورة مسلحة على هذا الظلم! فكانت معالجته تتفق مع سياسة الحرص على السلم الاجتماعي حتى مع تباين الدِّين؛ لذلك أوصى من استطاع من أصحابه من أهل مكة بالهجرة إلى الحبشة، وأوصى من كان من خارج أهلها أن يظل في قومه حتى يجعل الله تعالى لأهل الإيمان مخرجاً بمجتمع يستضيفهم ويؤويهم[30].

ومن حكمة منع هذا الأسلوب في التعاطي مع الخصوم رغم ضراوتهم في بيئة كمكة:

- “تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم على شخصه أو على من يلوذون به؛ ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره ودافع الحركة في حياته”.

- “وتربيته كذلك على ضبط أعصابه، فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته -، ولا يهتاج لأول مهيج، ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته”.

- “وتربيته على أن يتبع مجتمعاً منظماً له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به، مهما يكن مخالفاً لمألوفه وعادته. وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي لإنشاء «المجتمع المسلم» الخاضع لقيادة موجهة، المترقي المتحضر، غير الهمجي أو القبلي!”.

- و”لأن الدعوة السلمية كانت أشد أثراً وأنفذ في مثل بيئة قريش، ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه المرحلة - إلى زيادة العناد، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة؛ كثارات العرب المعروفة التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس، أعواماً طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها. وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبداً، ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى معها وجهته الأساسية، وهو في مبدئه، فلا تذكر أبداً!”.

- و”ربما كان ذلك أيضاً اجتناباً لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولاً إلى أولياء كل فرد، يعذبونه ويفتنونه «ويؤدبونه!». ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت.. ثم يُقالُ: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمداً يفرق بين الوالد وولده، فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي.. في كل بيت وفي كل محلة؟!”.

- و”ربما كان ذلك أيضاً لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم.. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة -؛ فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عاراً على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة.. بينما في بيئة أخرى من بيئات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة، وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!”.

- و”ربما كان ذلك، أيضاً، لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرة، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى لو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة، ولم يقم في الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعي.. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة، وليكون نظاماً واقعياً عملياً للحياة”.

- “فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها، ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك..

أولاً: لأن هناك مجالاً للتبليغ والبيان لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه، فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة وبقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصريف شؤونها السياسية، فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحاً ولا يثير حرباً ولا ينشئ علاقة خارجية إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان واضحاً أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة، فالمجال أمام الدعوة مفتوح، والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة.

ثانياً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد التفرغ - في هذه المرحلة - لقريش التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها! لذلك بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإرسال السرايا، وكان أول لواء عقده لحمزة بن عبدالمطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة”[31].

ولو افترضنا أن أهل مكة من قريش لم يواجهوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأساليب التعذيب والقتل والتضييق والحصار، مع بقائهم على الكفر، سامحين له ولأتباعه باعتناق الدين الجديد وممارسة شعائره والدعوة إليه؛ هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيلجأ إلى الهجرة ويقف من قومه هذا الموقف؟

الظن به صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يتلقى سيرة الأنبياء ويُلقَّن منهجهم، أن يثابر صابراً بين قومه طالما أن قريشاً لا تحول بينه وبين الناس، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تعتدي عليه وعلى أتباعه، فقد استأذنه ملك الجبال - يوم أن عرض نفسه على ابن عبد يَالِيل بن عبد كُلَال - أن يطبق على قريش الأخشبين – جبلين حول مكة -، فاستأنى وقال: (بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللهُ مِن أَصلاَبِهِم مَن يَعبُدُ اللهَ وَحدَهُ لاَ يُشرِكُ بِهِ شَيئاً)[32]. ومعلوم أن خروج من يعبد الله من أصلابهم يستغرق وقتاً قد يصل إلى عقدين من الزمن.

إن الهجرة لم تكن أمراً تعبّدياً واجباً ابتداء، منفصلاً عن الواقع الذي يحيط بالجماعة المسلمة، بل هي خطة وعلاج ومخرج لظرف فَرَضَ مثل هذا الحل وهذه الخطة. وما يستوقفنا فعلاً هو أن ذكر الهجرة في القرآن الكريم بادئ الأمر كان يتصل بالهجرة المعنوية وليس الحسية، يقول تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} [المزمل: 10]، ويقول سبحانه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: ٥].. فلم ترد أي إشارة إلى عزلة المجتمع ومفارقة الوطن بقدر ما كان التوجيه الإلهي يدعو إلى البُعد عن مظاهر الشرك والكفر ومعصية الله، وإلى عدم التصدي لأذى المشركين بأذى مثله والدخول في حالة من الاستفزاز والمهاترات التي تعيق عن القيام بواجب الدعوة والبلاغ، وتشغل عن مهامهما.

أما عند الحديث عن الهجرة الحسية، والتي تعني عزلة المجتمع ومفارقة الوطن؛ فإنها غالباً تقرن بالإشارة إلى أسبابها التي شرعت لأجلها، يقول تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195]، ويقول سبحانه: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْـمَلائِكَةُ ظَالِـمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً 97 إلَّا الْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً 98 فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً 99 وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْـمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 97 - 100]، ويقول عزَّ وجل: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41]، ويقول أيضاً: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110]، ويقول المولى: {لِلْفُقَرَاءِ الْـمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: ٨].

وهذا لا يلغي أنَّ الهجرة بعد قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة، كانت فرضاً على كل من أسلم واستطاع إليها سبيلاً، حتى إن لم يفتن في دينه أو يستضعف من قومه؛ لأن الهجرة والحالة هذه هي دخول تحت حكومة الإسلام التي ينوط بها إقامة الشعائر والشرائع في صورتها الكاملة، وتحقيق الأمن والعدل لإقامة حياة كريمة باتباع هذا الدِّين، وهذا يُخضع الإنسان للدينونة الكاملة لله، وهي دينونة واجبة شرعاً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فتكون الهجرة واجبة. أما في حال لم تقم للمسلمين هذه الدولة، فإنهم مضطرون للتعامل مع الواقع القائم بحسب قدرتهم، بما يمكّنهم من الالتزام بعقيدتهم، والقيام بشعائر دينهم، وممارستها بحرية، مع ضمان العيش الكريم لهم، آمنين على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وأن يعملوا على تقوية وجودهم بحسب السنن الربانية التي تتوافق مع عقيدتهم ومبادئهم التي يؤمنوا بها.

إن الهجرة في الإسلام أخذت صورتين مختلفتين: صورة يبحث فيها أصحابها على موطن آمنٍ يقيمون فيه شعائر دينهم ويلتزمون بعقائده ويدعون إليه بأمان وطمأنينة - إذا أمكنهم! -، كما حدث في هجرة الحبشة؛ وصورة يجد فيها أصحابها المأوى والنصرة في ظل مجتمع يدين بالإسلام ويعمل لأجله ويضحي في سبيله.. وهي التي يشير إليها قول الله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 72 وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ 73 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 74 وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 72 - 75].

ولكل واحدة من هاتين الصورتين تكاليفها وأعباؤها، كما أن لها أهدافها وغاياتها؛ والخلط بين هذه وتلك يؤدي لدى البعض إلى خطأ في التقدير وخطأ في السلوك.

:: مجلة البيان العدد  325 رمضان 1435هـ، يوليو  2014م.


[1] نقل ذلك القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن عن قتادة، انظر: الهجرة الأولى في الإسلام.. فقه المرويات، سليمان بن حمد العودة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1419هـ، ص5.

[2] الهجرة الأولى في الإسلام، ص6.

[3] انظر: الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، دار الحديث –القاهرة، ط 1992م، ص90.

[4] فقه السيرة النبوية، محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر المعاصر- بيروت، ط11، 1991م، ص91.

[5] فقه السيرة النبوية، البوطي، ص115.

[6] فقه السيرة النبوية، البوطي، ص 118.

[7] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/ 226-227.

[8] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/225-226.

[9] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/225.

[10] انظر إلى كلام سيد قطب في تفسيره للآية 77 من سورة النساء في الظلال، ص712- 715.

[11] ومن عجيب ما يتأمله الإنسان في قصة انتشار الإسلام أو انتشار دعوات التجديد في إطاره، هي صور الهجرة التي لجأ لها بعض المسلمين هرباً بدينهم ليعيشوا في مجتمعات جديدة، فيشاء الله تعالى أن تتحول مجتمعات وشعوب بحالها في تلك البلدان إلى الإسلام، وهذا ينطبق على شعوب شرقي آسيا وشرقي إفريقيا ومظاهر الدخول في الإسلام مؤخراً في الغرب بفعل هجرات المسلمين إليها اضطراراً في الغالب!

[12] هذا الأثر أورده ابن هشام في السيرة النبوية، وابن كثير في البداية والنهاية، وأخرجه البيهقي عن أم سلمة – رضي الله عنها - قالت: «لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه)؛ فخرجنا إليها أرسالاً - أي جماعات - حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً». وفي السلسلة الصحيحة (ج7/577) الأثر برواية ابن إسحاق وهو معضل بحسب ما حكم عليه العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله تعالى -؛ وفيها الأثر برقم (3190) بلفظ: «إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده....»، وإسناده جيد كما حكم الألباني، وصححه في فقه السيرة للغزالي.

[13] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/235. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، ج5/290.

[14] وفي تصورنا أن هذه الأخلاق وهذا المستوى الفكري هو الذي أسهم في اقتناع النجاشي بالإسلام ودفعه للقبول به ديناً له.

[15] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/ ص235-236.

[16] السيرة النبوية لابن هشام، ج1/236-237؛ وقد أخرجه أحمد في مسنده بإسناد صحيح. انظر تخريجه في: الهجرة الأولى في الإسلام، ص19.

[17] ففي رواية أم سلمة - رضي الله عنها - بطولها عند الإمام أحمد ما يفيد أن ذلك كان قبل الهجرة الثانية إلى الحبشة، وقبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وليس فيه إشارة لإسلامه، وإلا لاشتهر ذلك بمكة. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي، كتاب المغازي والسير، باب الهجرة إلى الحبشة؛ وقال: أخرجه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق وقد صرح بالسماع.

[18] انظر: المنهاج الحركي للسيرة، ج1/67، 68.

[19] كحاضنة الرسول – عليه الصلاة والسلام - أم أيمن وبلال بن رباح.

[20] تاريخ الطبري: ج2/328.

[21] الهجرة الأولى في الإسلام، ص148، نقلاً عن جوامع السيرة: ص63.

[22] السيرة لابن إسحاق.

[23] البخاري، برقم: 1327.

[24] البخاري، برقم: 1328، وأخرجه مسلم في صحيحه.

[25] سنده صحيح حسبما ذكر مؤلف (الهجرة الأولى في الإسلام) وأحال إلى (القصيمية.. دراسة نقدية لنصوص السيرة النبوية لمحمد الصويان). انظر: ص21، 38.

[26] فقد جاء في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدثهم أن في الحبشة ملكاً صالحاً يقال له النجاشي «لا يظلم أحد بأرضه»، وكان يُثني عليه عندهم. انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري: ج2/328، وتفسير الطبري: ج9/249، وتفسير ابن كثير: ج2/311.

[27] مجموع الفتاوى: ج28/63. وفي بعض أقواله: «ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة».

[28] انظر: الهجرة الأولى في الإسلام، ص142- 160.

[29] أخرجه أحمد والحاكم في مستدركه.

[30] رغم أن وجهة نظر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - كما جاء في كتب السير، مختلفة؛ فقد أُثِرَ أَنه قال بعد اعتداء صناديد قريش له بعد إسلامه: «افعَلُوا ما بَدَا لكم فَأَحلِفُ بِاللهِ أَن لو قد كُنّا ثَلَثَمِائَةِ رَجُلٍ لتَرَكنَاهَا لكم أَو لتَرَكتُمُوهَا لَنَا».

[31] جميع ما سبق نقلاً عن: في ظلال القرآن لسيد قطب، دار الشروق، القاهرة: ج3/1438- 1439.

[32] أخرجه البخاري، برقم: 3231، ومسلم، برقم: 1795.