كان يتحدث في محاضرة عامة فاستطرد قليلاً منتقداً بعض مظاهر الغلو في مفهوم شرعي معين. لم يرق كلامه لصاحبي فأبدى انزعاجه من هذا الاستطراد. سألته مستفهماً: هل تراه قد قصّر في حكمه فتوسع في مفهوم الغلو، أو وقعتَ منه على بغي أو ظلم لأحد؟ فلم يذكر لي شيئاً من ذلك، إنما كان محور انتقاده يدور حول المسلك التالي، وهو: (أن نقد الغلو في زمن انتشار التهاون والتفريط والعبث بالشريعة تصرف غير حكيم، فلا حاجة حقيقية إليه إلا لإرضاء السلطات الحاكمة، أو البحث عن مصالحة مع تيارات فكرية معينة، أو لتحقيق مصالح شخصية. كما أن نقد الغلو قد يفهم لدى كثير من الناس بفعل أدوات التغريب الإعلامية بأنه هو المفهوم الشرعي المعتدل، فمواجهته ليست بالضرورة مواجهة للغلو، كما أنك حين تواجه الغلو فإنه يمكن توظيف كلامك للإساءة للمفهوم الشرعي). وختم بأن الغلو في النهاية هو دعوة لتعزيز مفاهيم شرعية، ولو أخطأ الشخص فزاد فيها وغلا فسيبقى أنه أسهم في تعزيز قدر من الشريعة، فينفعنا مقصده ولا يضرنا غلوه.. انتهى كلامه.

وهو يثير سؤالاً مهماً: أحقاً أنه لا إشكال حقيقياً مع الغلاة، وأن النقد العلني لهم لا يحركه حاجة حقيقية لخطرهم وإدراك واقعي لإشكالاتهم، وإنما يُحرك بفعل أهواء وشهوات ومصالح شخصية؟

وهل فعلاً لا نجد للغلو في مشهدنا المعاصر أي خطر على مفاهيم الشريعة، بل إنه وإن كان سلوكاً خاطئاً فهو يصب في النهاية في معين تعزيز المفاهيم الشرعية ونصرتها وتعميقها بين الناس؟

إن هذا الحديث السالف يضمر حساسية من نقد (الغلو) و(الغلاة) بسبب حالة التجني الشائعة التي لا تميز بين حالات الغلو والتفريط والاعتدال، فتنسب إلى الغلو كل مستمسك بالدين، وتصف أهل العلم والدعوة والجهاد والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالغلو لمجرد أنهم استمسكوا من الدين بما لا يوافق شهواتهم، وهي حساسية متفهمة، غير أنها حين تصل لحد الاستهانة بأمر الغلو وإشكالات الغلاة، بل تجعل مصير هذه الإشكالات أن تنقلب برداً وسلاماً؛ فهي حساسية نفسية متجاوزة حكم الشريعة، فالتحذير من الغلو منهج شرعي جاءت فيه نصوص كثيرة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه أي حديث في التحذير من أي فرقة من الفرق الحادثة في الإسلام من باطنية وشيعة وقدرية وجهمية ومعتزلة، بينما صح عنه في الخوارج عشرة أحاديث.

وهو شيء ملفت يشير إلى وجود إشكالية معينة في الخوارج لا توجد في غيرهم تقتضي هذا التخصيص. ويمكن أن نتلمّس الحكمة في تخصيص الخوارج في أن النفوس تنفر من الاتجاهات التي تميل إلى التهاون والتفلّت من أحكام الشريعة، بينما تقدّر من يظهر التدين والاستمساك بالشريعة بما يجعله يتقبل بعض مظاهر الغلو تقديراً منه لأصل التدين المقبول، كما أن الغلاة عادة لا يمكن اتهامهم في صدقهم وبحثهم عن الحق واجتهادهم في الطاعة وتنزههم عن المطامع الدنيوية بما يعطي لتجاوزاتهم مشروعية مهما بلغت من السوء.

وهذا ما يفسر لك تأخّر الكثير عن إعلان النكير على انحرافات الغلاة في مواطن كثيرة والبحث عن تأولات ومخارج لتجاوزاتهم، حيث إن الشخص يرى فيهم من الصدق والتضحية وحب الدين ما يتهيب من الطعن فيهم، وقد يشاركهم ويغض الطرف عنهم، فيكون هذا سبباً يضاعف من خطرهم.

فجاء التحذير النبوي لئلا يكون لاجتهاد الشخص في العبادة أو صدق نيته أو تضحيته للدين، أثر في تبرير أي تجاوز عن حدود الشريعة من أي أحد كان.

إشكالية السكوت عن نقد الغلاة - بعلم وعدل - أنه يجعل هذه التجاوزات جزءاً من المساحة الاجتهادية للمفهوم الشرعي، فإن كان لدى فئةٍ ما تمييز لأخطاء الغلاة عن المفهوم الصحيح، فإن ثمّ فئات أخرى لا تميز بما يجعل من السهولة اعتناقها أفكار الغلاة، كما أن جمهوراً واسعاً من الناس قد يرفض بعض مفاهيم الشريعة بناءً على ما يراه من تصرفات بعض الغلاة، فالقول بعدم الحاجة إلى نقد الغلاة وهمٌ كبير يخالفه ما جاء في الشريعة من التحذير من الغلو ومن تخصيص فرقة الغلاة دون غيرها من الفرق الحادثة، وهو جهل بالواقع وما يحدث من تجاوزات كبيرة بسبب أفعال الغلاة، ولئن كان ثمّ تفريط وتجنٍّ ظاهر في نقد الغلو وتوظيف ظاهر له، فإن هذا الموقف المنحرف الذي يجب التحذير منه والتفطن له يجب أن لا نبني عليه موقفاً خاطئاً آخر يتهاون في موضوع الغلو.

وحتى لا يكون الكلام مرسلاً، سنأخذ مثالاً تطبيقياً هنا لأحد المفاهيم الشرعية، وهو (تحكيم الشريعة)، ونفحص الأثر السلبي للغلو وتطبيقات الغلاة عليه. وطالما كتب العلماء والدعاة والعاملون للإسلام في تعزيز مفهوم تحكيم الشريعة والإجابة عن شبهات المعترضين، وكتبوا في نقد المناهج والمذاهب والتيارات المناهضة لها، وهي جهود مشكورة مباركة أسهمت في تعميق هذا الأصل الشرعي في النفوس، وضيّقت من مجال تمدد الأفكار المناهضة للشرع، إلا أن ثمّ خللاً يجب العناية به، وهو إزاحة مناهج الغلو وتفسيرات الغلاة عن تحكيم الشريعة، وإظهار النقد العلني الصريح لتطبيقات الغلاة؛ حتى لا تختلط بالمفاهيم الشرعية ولا تلتبس على الناس، فإن مسالك الغلو تثير على مفهوم تحكيم الشريعة إشكالات كثيرة تسهم في إضعاف المفهوم عند الناس، وتحرك دوافع الشبهات عليه، وتضع عراقيل كثيرة أمام الوصول الحقيقي إليه. ويمكن تلخيص أبرز هذه الإشكاليات فيما يلي:

الإشكال الأول:

أن من طبيعة الغلو أنه منفر للناس عن الدين، وفي الغلاة من الحدة والغلظة والجهل وسوء الظن ما يجعلهم مشاريع تفريق وتمزيق للأمة لا يمكن الاجتماع معهم، وإذا كان ربنا تعالى قد أثنى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، فصفات اللين والرفق ضرورة لجمع الناس وتأليف قلوبهم، فكيف بحال من يفقدها ويزيد عليها الجهل والتكفير وإساءة الظن، فلا شك في أنه سيكون شرارة تفريق وشتات. والتفرق ليس من الشريعة في شيء، وتألف القلوب يحتاج من العقل والحكمة وإحسان الظن والتأول للمسلمين والتماس المخارج لهم ما يكون به المرء قادراً على أن يجمع معه الموافق والمخالف، وأن يكسب القريب والبعيد، بل يحيد كثيراً من الأعداء ويخفف كثيراً من الخصومات، وهو ما لا تحسنه العقلية الغالية التي تبدأ بإثارة الخلافات والشقاقات مع أقرب المقربين لها، فهي عاجزة عن الوفاق مع أقرب الناس إليها فكيف يرجى لمثلها أن تقود مجتمعاً وتؤسس نظاماً وتحكم فئات متباينة!

كما أن هذا الغلو سيقطع الطرق أمام إمكانية الوصول إلى سلطة أو قوانين تلتزم بالشريعة؛ لأن الغلو لا يملك صفات التؤدة والأناة والحكمة التي تؤهله لجمع الناس نحو غاية الشريعة، إنما يفتح من الخصومات والإشكاليات ما يزيد التحديات تعقيداً وتعميقاً، وواقع الحال في بعض البلدان خير شاهد؛ فقد كان الناس في فأل كبير أن تقام فيهم دولة عادلة مستهدية بروح الشريعة وأحكامها تخلف الإرث الاستبدادي الطاغي، إلا أن حضور بعض الغلاة بدد هذا الأمل كثيراً بعد أن أهلك الحرث والنسل.

لقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أطال في الصلاة فألجأ بعض الناس لمفارقة صلاة الجماعة، وقال له: يا معاذ! أفتّان أنت؟ حرصاً منه صلى الله عليه وسلم على ألا يكون سبباً في تنفير الناس من العبادة، وهي مفاهيم لا يعبأ بها الغلاة عادة، إذ إن معاني تنفير الناس غير مستحضرة عادة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قالها في تنفير شخص معين ومن عبادة معينة فكيف بمن ينفر مجتمعات كثيرة من أحكام وأصول كبرى، بل ربما من أصل تحكيم الشريعة كله.

الإشكال الثاني:

أن طبيعة الغلو فيه من الشدة والكلفة والعناء ما يشق على النفوس أن تستمر عليه، ولئن تحملته بعض النفوس فإن عامة النفوس غير قادرة عليه، وإن تحملته بعضها فما أسرع ما تنفض عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). وتحكيم الشريعة فيه كلفة وشدة بحد ذاته، وفيه من الصعوبات والتحديات المعاصرة الشيء الكبير؛ فالنفوس بحاجة إلى تدرج ورفق حتى تتقبل هذه الأحكام وتعتادها، فحين يراد تطبيقها بلا أي اعتبار لذلك فإنه سيكون ثمّ مشقة شديدة تؤدي إلى إفشال أي محاولة لذلك، ويكون سبباً للتنفير منه، فما بالك حين يزاد في أحكامها فإن النفوس قطعاً لن تحتمل.

الإشكال الثالث:

أن الغلو في تحكيم الشريعة يدفع إلى أفعال وأقوال ومواقف ليست شرعية يتوهم أصحابها أنها علامة على الصدق والتضحية في تحكيم الشريعة، وهي تصرفات مغالية مضرة بتحكيم الشريعة، فيشيع اتهام المخالفين لهم بالتقصير في تحكيم الشريعة والتهاون فيها، ويتسبّب في التهاون في تكفير الناس بناءً على أخطاء في الموضوع لا تقتضي التكفير، أو تكون ثمّ موانع لم يلتفت إليها، أو ربما تكون تصرفات اجتهادية لا تحتمل الخطأ، كما أن صوتهم العالي في اتهام الآخرين يستدعي من الآخرين الدفاع عن أنفسهم وإثبات براءتهم من هذه التهمة بما يتحول معه (تحكيم الشريعة) من كونه أصلاً شرعياً نسعى لحشد الناس عليه وتأليف قلوبهم عليه وإزالة ما يعيق عن الوصول إليه؛ إلى كونه أشبه ما يكون بحالة مزايدة يثبت كل طرف أنه أصدق من الأطراف الأخرى في تحكيم الشريعة، وهو ما يفسر لك ظاهرة الحرص على القيام بأي فعل معين يثبت به البدء بتحكيم الشريعة مما هو مفسدة يقينية؛ لأنها لم تراعِ أي شروط ولا ضوابط، فما إن يتمكن من الحكم في محافظة صغيرة إلا ويبدأ بعد أيام قليلة إقامة التعزيرات الشديدة على معاصٍ يكثر التفريط فيها؛ كترك صلاة الجمعة والجماعة أو التدخين ونحوها، ولا يكتفى بهذا، بل يتم تصوير هذه المقاطع ونشرها للعالم كله، في صورة لا يشك عاقل فضلاً عن فقيه عالم بالشرع في أنها صورة منافية للشريعة وليست من تطبيق الشريعة في شيء، بل هي مفسدة غالبة تؤدي إلى تنفير الناس من تحكيم الشريعة وتخويفهم من أي حكم يريد تحكيم الشريعة. وتعجب كيف خفيت مثل هذه المفسدة مع ظهورها البيّن على من قام بها.. ولعل حالة الحرص على تطبيق أي حكم لإثبات وجود تميز وإرادة لتحكيم الشريعة، هو الذي يفسر مثل هذه العجلة التي ستكون أكبر عائق عن تحكيم الشريعة.

هذه اللغة المغالية في تحكيم الشريعة التي تتهم الناس وتكفرهم وتضللهم على اجتهادات معتبرة، أو تبالغ في نقدهم عن مواقف خاطئة لا تستحق مثل هذه المبالغة؛ هي لغة تصرف نظر الدعاة والعلماء عن مفهوم تحكيم الشريعة وكيفية تطبيقه والتحديات التي تواجهه ومجالات الاجتهاد والنظر فيها؛ إلى الاكتفاء فقط بالاستمساك بأننا نريد تحكيم الشريعة ونرفض ما عداه، فيكون تقصيرنا في فهم التفصيلات وإيجاد الوسائل والتفكير في الحلول ضعفاً عن تطبيق الشريعة يعيق مجال الوصول إليها.

كما أن هذه اللغة الغالية تحوّل بسبب طريقتها في الخصومة كل القضايا المتعلقة بتحكيم الشريعة إلى أصل قطعي يعتبر أي نقاش أو اجتهاد فيه هو وقوع في الكفر وخوض في حماه، وتترتب عليه أحكام المفاصلة التامة واستحلال الدم والمال؛ فتتحول القضايا الاجتهادية التفصيلية في كيفية تطبيق الشريعة وفي مسائل كثيرة من تطبيق الشريعة إلى أصول قطعية محكمة لا يجوز التعرض لها، وليس بإمكان العالم المجتهد أن ينظر فيها؛ لأنه يخشى من تسلط الجهال والعوام عليه بالتكفير، فتتحول حينها المسائل الاجتهادية مما وقع فيه خلاف من قضايا الشريعة أو مما يحتمله الخلاف، لغلبة المفاسد على المصالح، أو لعدم الإمكان؛ تتحول كلها إلى قضايا قطعية محكمة، وهي زيادة مؤذنة بالفشل وعدم القدرة على تحكيم الشريعة.

وحتى يتضح المراد أضرب بمثال؛ فحكم أخذ الجزية مسألة شرعية لا إشكال فيها، إلا أن إمكانية تطبيق ذلك في الواقع تحتاج إلى اجتهاد في النظر لمدى إمكانية تطبيقها، ولمراعاة المفاسد المترتبة عليها. وطريقة الغلو في تحكيم الشريعة تجعل من المحال بحث مثل هذه المسألة بحثاً فقهياً؛ لأن هذا يعتبر تعطيلاً للشريعة ومناقضة لأصل يقتضي التكفير.

ومثل هذا الاجتهادات لو قلت بتخطئة أصحابها، فالخطأ في بعض جزئيات الأحكام ليس مناقضة للأصل، فيجب أن تبقى هذه الاجتهادات وتبحث وتحرر حتى يتوصّل إلى الحكم الشرعي المعتبر، غير أن جو الغلاة يخنق مثل هذا الفضاء بما يؤدي إلى تحويل كل القضايا الاجتهادية إلى قضايا قطعية محكمة، وهي ليست كذلك.

فإشكالية الغلو أنه يفرض نفسه ومزاجه على الوضع العام، فتكون المراعاة لمزاجه العام لا لضوابط الشريعة، فيبتعد الشخص عن مجالات معينة هي مما تسعه الشريعة، بل قد تكون هي الصواب؛ وذلك خشية تعنيف الغلاة، فيحصل بسبب ذلك ضيق وعنت وتعطيل لمصالح شرعية ظاهرة بسبب انحراف الغلاة، فمثلاً: من الجائز شرعاً أن يعقد الصلح مع الكفار المحاربين وأن تجري معهم سفارات واجتماعات في سبيل الوصول إلى ما يحقق مصلحة المسلمين، ولئن كان ثم من يتخذها وسيلة لتحقيق مقاصد شخصية أو الخضوع لإملاءات الغرب والشرق؛ فإن هذا لا ينفي أصل الجواز ومصلحته، غير أن تعنيف الغلاة وصوتهم العالي يجعل أي أحد يفكر في هذا الموضوع معرضاً للتكفير والتعنيف، فتضطر كل القوى المجاهدة التي تقاتل المعتدين أن تمتنع عن وسيلة شرعية مباحة، وفيها مصلحة ظاهرة؛ مراعاة لمزاج الغلاة، وإن كان في الأصل ليس فيها أي شيء.

الإشكال الرابع:

توسيع دائرة التكفير والحكم على الناس بالردة، وهذا سلوك شائع جداً، فلِمَا لتحكيم الشريعة من قطعية ظاهرة، فإن من عادة كثير من الغلاة الانطلاق من أصل تحكيم الشريعة لتكفير من يختلف معهم بدعوى أنه لا يحكم الشريعة مع كونه يعلن صراحة تحكيم الشريعة ويقاتل في سبيلها، فيبحث الغلاة عن خطأ يقع فيه أو مسائل اجتهادية أو مراعاة للمصالح والمفاسد، فتوظف في إعلان التكفير والردة والمفاصلة مع أناس يعلنون تحكيم الشريعة، بما يؤدي بداهة إلى إضعاف أصل تحكيم الشريعة وإفشال مشاريع الوصول إليه؛ ولهذا فلا عجب أن تجد الناس يقبلون سراعاً إلى من يدعوهم إلى تحكيم الشريعة، أما حين يرون الاختلاف والاختصام والتكفير بينهم فإنهم سيتوجّسون خيفة من دعوى تسبب مثل هذا الاختصام؛ ولهذا فأكبر إشكال يوجه إلى مفهوم تحكيم الشريعة في حالتنا المعاصرة هو قولهم «الشريعة على فهم من؟»، وقولهم «إن ثم جرائم كثيرة ارتكبت باسم الشريعة». وهاتان الإشكاليتان يسهم الغلو بجدارة في تعميقهما، فهو يعمق الاختلاف ويجذر الاختلاف ويتسبب في ارتكاب موبقات باسم تحكيم الشريعة بما يجعله عائقاً من عوائق تحكيم الشريعة. وما زال المنحرفون يستشهدون بأفعال الغلاة لتخويف عموم الناس من مآلات القبول بتحكيم الشريعة.

يميل مشروع الغلو عادة إلى توسيع دائرة التكفير، ثم يرتب على التكفير استحلال الدم وإلغاء كافة حقوق الإسلام، ولا يمكن أن تلغى هذه الأحكام مع القول بأن الفعل ليس بكفر فيحدث تهاون كبير في التكفير. ومن يوسع دائرة التكفير على العلماء والدعاة والمجاهدين فسيكون موقفه ممن هو في دونه أشد، فلن يكون مثل هذا جديراً بأن يحكم مجتمعاً مسلماً إلا ويكون وبالاً عليه، وسيتذرع في تبرير وباله بأنه تحكيم للشرع، فيزيد هذا المفهوم في وعي الناس تشويهاً وتلبيساً.

الإشكال الخامس:

أن المتأثر بأفكار الغلاة يكون في كثير من الأحيان مفرطاً في فهم الواقع وإشكالياته وأدوات التأثير فيه، وهو ما يسبب تفريطاً في أمور ثلاثة:

1- الحكم على الأدوات المعاصرة، فيبادر إلى رفضها ولا يستفاد من كثير من وسائلها المباحة.

2- عدم العناية بضرورة تقديم خطاب سياسي للمشروع الإسلامي وأهدافه بلغة مناسبة تقوي من أنصاره وتخفف من خصومه وتفتح مصالح واسعة له، وهو شيء يرفضه بعض الغلاة ولا يفرق بين قول الحق وتقديمه للناس، فيرى أن كل ما يعتقد أنه حق يجب أن يقدمه دون أي اعتبارات أخرى، كما أن بعضهم لا يرى إمكانية أن ينجح الشخص في كسب أنصارٍ أو التخفيف من خصومات أو تحييد عداوات إلا بعد أن يتخلى عن ثوابته ويقصر في تحكيم الشريعة، فلا يتفهم أساساً وجود حاجة إلى خطاب سياسي شرعي.

3- التقصير في دراسة حال الناس مع مفهوم تحكيم الشريعة، وما أثمره المكر الكبّار على تشويه أحكامها وتحريف مفاهيمها، بما يساعد على كيفية تهيئة البيئة المناسبة وتجاوز التحديات، وهو ما لا يفكر فيه كثيراً من يستخف بميزان المصالح والمفاسد، فلا يعبأ أساساً بدراسة حقيقية للواقع الذي ينتج معرفة دقيقة لها.

الإشكال السادس:

أن الغلو في المفهوم الشرعي جهل في الحقيقة بهذا المفهوم، فالغالي في أي مفهوم أو حكم لم يعرف الشريعة أساساً، فهو كما يقال: كيف يحكم بما أنزل الله وهو لا يعرف ما أنزل الله؟

كما أن مستلزمات النظر الفقهي: مراعاة المصالح والمفاسد، ومراعاة القدرة والإمكان؛ وهي أصول شرعية قطعية معتبرة، وقد يحصل اختلاف في تحقيق مناطها، ويبقى مجالاً اجتهادياً مهماً، إنما من يهمل النظر في هذا السياق وتكون غايته تطبيق الحكم بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى؛ فهو في الحقيقة جهل بالشريعة وإن ادّعى صاحبها تحكيم الشريعة.

هذه جملة من الإشكالات التي يثيرها الغلو في وجه تحكيم الشريعة، فيحدث خللاً في جهات ثلاث يقتضيها تحكيم الشريعة في الحالة المعاصرة:

- جهة العلم بمفهوم الأصل وحدوده.

- جهة مراعاة الشروط الشرعية عند تطبيقه.

- جهة النظر في كيفية الوصول إليه.

فيكون للغلو دور سلبي سيئ في إحداث الخلل في هذه الجهات كلها.

وهذه المرتكزات الثلاثة تتطلب من الاعتدال الفكري والنضج العقلي ما لا تتقبله حالة الغلو أبداً، بل تبالغ في رفضها وفي التشنيع على أصحابها وترميهم بسببها بالتضليل والتفسيق والتكفير، بما يجعل منهج الغلو عائقاً من عوائق الشريعة، فزيادته في تحكيم الشريعة ستكون سبباً في إضعافها ووضع العوائق في طريقها.

:: مجلة البيان العدد  323 رجب 1435هـ، مايو  2014م.