خلق الله الكون ووضع له نظاماً لا يحيد عنه؛ فالشمس تشرق في الصباح وتغرب في المساء، منذ خلق الله الأرض والسماء، وهكذا سائر الكواكب: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: ٠٤]؛ فالكل يسير وَفْقَ نظام الملك العلاَّم، وكذا أجرى الله النظام لكل مخلوق خَلَقَه، ولا يستطيع أي أحد كائناً من كان أن يتدخل، أو ينازع في تدبير علاَّم الغيوب: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: ٢٢].
إن الذي قال: {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: ٠٣]، هو الذي وضع نظام هذا الخليفة؛ فهو أعلم بما يصلحه وما يبقيه، وهو المحيط به عِلْماً، وهو الذي قال - عز من قائل -: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: ٧٩]، والحياة الطيبة لا تكون إلا بالسير على النظام الذي وضعه الله، فإذا حاد الإنسان وانحرف عن هذا النظام فستكون حياته متعِبَة مرهِقَة، مصداقاً لقول الله - تعالى -: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.
وبهـذا يتبين لنـا أن أعـدل القـوانين وأصـحَّها هو قانـون السـماء الـذي وضـعـه مـن يعلـم مـآلات الأمـور والأحــــوال - سبحانه وتعالى - وأن أي نظامٍ وضعيٍّ يخالف قانون السماء فلا حاجة للبشرية إليه، وكلما تخلَّى الناس عن النظام الرباني دبَّ في المجتمع الشح والخوف والفقر والأنانية والتفكك.
وهذا ما دعاني للحديث والنظر في أثر المؤتمرات والاتفاقيات الدولية على النظام الذي أراده الله - تعالى - للمؤسسة الاجتماعية «الأسرة».
إن هذا الموضوع جِدُّ خطير، ورضي الله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ حيث يقول‏:‏ ‏«إنما تُنْقَض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية‏»‏‏.‏ إن من لا يعرف خطورة هذه المؤتمرات والاتفاقيات قد يحمِّل الأمة الشيء الكبير، ومن أخطرها ما يتعلق بالأسرة .
لقد ظهرت هيئة الأمم المتحدة بوجهها الجديد المستبد؛ حيـث تعقـد المؤتمـرات الدوليـة من أجـل تقنين وتشـجيع كل ما هو فاسد ومرفوض، توجِّهها وتدعمها الصهيونية العالمية، ولا يتصوَّرَنَّ عاقل أن مثل تلك التوجهات يمكن أن تُصلِح الشباب، أو تجعلَه أداةَ بناءٍ في مجتمعاته، أو أن تَحُلَّ مشكلات المرأة، بل إنها إفساد للمرأة على وجه الخصوص، وسعي لتغيير وظيفتها الطبيعية.
إن قوانين الحرية المزعومة للمجتمع إنما تعود بالإنسان إلى عهد الرقيق، كما أن تلك التوجهات تدمر العلائق الأسرية، وتفسد ما بين الأبوين وأبنائهم، حين تَحرِم الوالدين من أي حق في رعاية أبنائهم أو توجيههم أخلاقياً؛ فتتفكك الأسر، ويتشرد الأبناء.
وأشير هنا إلى بعض أجندة وتوصيات بعض تلك المؤتمرات والاتفاقيات؛ فمن ذلك:
أولاً: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو):
حيث نادت بالمساواة، أو ما يعبَّر عنه بـ (الجندر)، وبناءً على هذه المصطلحات تمَّت الدعوة إلى:
- إباحة الزواج من الجنس المخالف.
- إضعاف أهم عنصر في استمرار الأسرة؛ ألا وهو التناسل.
- إباحة الشذوذ.
- إسقاط القِوامة والولاية.
-  تمييع قضية الأمومة ومشروعية القرار في البيت.
ثانياً: ومن توصيات تلك المؤتمرات الدولية (تمكين المرأة):
 وهي منزلة فوق المساواة؛ حيث تكون المرأة حاكمةً على الرجل، ومتمكنة من الحكم السياسي، ويدخل في ذلك الوصول إلى أعلى درجات السلطة السياسية، وهذا لا يخفى ما فيه من مصادمة للفطرة والاختلافات البيولوجية.
ثالثاً: اتفاقية (عالم جدير بالأطفال)، وترك الحبل على الغارب، والحرية المزعومة، ذات الخلفية النسوية المتطرفة:
 ففي هذه الاتفاقية جرى التأكيد على ما يسمى بالحقوق الإنجابية، والسلوك الجنسي الآمن، وقواعد الإنجاب، فيتعاملون مع الإنسان كفرد وليس كحلقة في سلسلة، وفي هذا فتحٌ لباب الشذوذ والإباحية، وإلغاءٌ لحدود الله في المسائل ذات الحدود.
كما أن هذه الاتفاقيات والمؤتمرات تتعامل مع الأفراد كموادَّ استثمار اقتصادي، وليس كمهمة إنسانية؛ فليس هناك مراعاة لحاجة الإنسان إلى الحب والحنان والرعاية.
وقد استطاعت تلك المؤتمرات والاتفاقيات الدخول إلى المجتمعات من بوابة مغرية، كبيرة؛ ألا وهي ما يعبِّرون عنه «بالعنف الأسري»؛ فكل ممارسة تخالف مصطلح الحرية، يعتبرونها عنفاً أسرياً.
ويُدخِلُون في مصطلح «العنف الأسري» ما يلي:
- بقاء الفتاة عذراء حتى الزواج.
- منع وصول الخدمات الصحية والإنجابية للمراهقين.
- منع المرأة أوالفتاة من أن يكون لها شريك؛ «أي: عشيق أو صديق».
- اتخاذ عقوبات ضد الشواذ، ومَنْعُهم من الاندماج في المجتمع.
- تزويج القاصرات.
- عمل الفتاة لدى أهلها.
- كون ميراث المرأة على النصف من ميراث الرجل.
- الطلاق المفرد من جهة الزوج.
- المهر وتأديب الابن.
وقد أوصت تلك الاتفاقيات بإيجاد ما يسمى بالخط الساخن؛ من أجل أن يشكو الابن أباه، وتشكو البنتُ أمَّها. إن هذه الاتفاقيات تعكِّر صفو المفاهيم الدينية؛ بحيث تبدو وكأنها هي الظالمة في أصلها؛ فمبـدأ المساواة - مثلاً - أتـى باعتبـاره «عـدلاً» بينمـا «العـدل» ليـس فـي المساواة  بالضـرورة، وهـذا يؤدي إلى خلـق فجـوة و جفوة بين المسلمين وبين دينهم. والمؤرِّق لكل مسلم أن تفعيل هذه البنود يمرَّر بطرق مختلفة؛ سواء على مستوى الحكومات أم الأفراد، كما يمرَّر ويروج لكثير من هذه المفاهيم المخالفة للإسلام عن طريق وسائل الإعلام؛ وينتج عنه تشرُّب مجتمَعِي لهذه المهاترات ثم تُتَّخَذ قيماً وثقافة.
كما تروِّج هذه الاتفاقيات والمؤتمرات لحتمية الصراع بين الرجل والمرأة، وتدعو إلى الاعتراف بالأشكال المتعددة للأسرة (ذكر مع ذكر، أنثى مع أنثى، أسرة ذات عائل وحيد)؛ وكل ذلك عن طريق الأمم المتحدة، والهدف الهيمنة على العالم من خلال التدخلات؛ ولذا من الضروري رَفْضُ الوصاية على الشعوب والحكومات.
إن نظام الأسرة في الإسلام يتسق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها: من رغبة في تكوين علاقة سويَّة من خلال زواج شرعي بين «ذكر وأنثى»، وما ينتج عن ذلك من عمليات الحمل والإنجاب، وتحمُّل كلٍّ من الزوجين مسؤولياته في حدود ما أقرَّه الشرع المطهر، وما يتناسب وإمكانات كلٍ منهما.
والإسلام ينظر للأسرة على أنها الوحدة الأساسية للمجتمع، وكلما كانت الأسرة قوية متماسكة، كلما زاد تأثيرها الإيجابي على المجتمع والعكس صحيح، لقد أدرك مفكرو الغرب أهمية الأسرة في بناء المجتمع وتقدُّمه.
لذلك أعلن كارل ماركس مقولته: (اهدموا الأسرة)؛ لأنه كان يعتبرها إحدى معوقات الإنتاج والتقدم.
إن ارتفاع نسبة الأشخاص المتعايشين بلا زواج شرعي أدى إلى معاناة البشرية من جراء انتشار الأمراض الفتاكة؛ لذلك فإن بعض المتخصصين أطلقوا صيحات التحذير من العلاقات الجنسية المؤقتة، وقالوا: «علاقة جنسية واحدة تكفي»، وهو ما يعني بمفهومنا الإسلامي: الزواج الشرعي.
إن بعض الدعوات التي تنادي بها تلك المؤتمرات وتوصياتها تؤدي إلى نشر الإباحية والانحلال، والقضاء التام على القيم والأخلاق، ومن ثَمَّ تفكيك الأسرة، والأسرة هي الحصن الأخير في وجه الدمار؛ فإذا سقط هذا الحصن، ضاعت الأمة وفنيت.
يجب علينا جميعاً إصلاح الأسرة من الداخل؛ فالأمور داخل أُسَرِنا ليست على ما يرام، والأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة تاهت وضاعت، وضلت الطريق ولا سيما في العقود الأخيرة، كما أن لدينا أزمةَ رجولة في المجتمعات الإسلامية الآن؛ وهي أزمة تشكَّلت عبر سنين طويلة، ولم تظهر فجأة؛ والسبب فيها - والله أعلم - حدوث خلل في الأدوار داخل الأُسَر؛ حيث بدأت المرأة تَحُل تدريجياً محل الرجل في الأدوار والمهام، متخلية عن مهمتها الأساسية في الأسرة؛ وهي تربية الأبناء، حتى صار خروج المرأة إلى سوق العمل هو الأصل، وتفرُّغُها لتربية أبنائها هو الاستثناء، وهو ما أدى إلى انسحاب الأسرة من دورها التربوي والاجتماعي والنفسي، وتخليها عن هذا الدور في مقابل ما يسمونه تحقيق المرأة لذاتها؛ وقد أدى ذلك إلى ما نراه من ارتفاع مخيف في نِسَبِ الطلاق في الزيجات الحديثة، ولا يمكننا أن نُغْفِل كذلك تعرُّض النساء في بعض الأسر إلى سوء المعاملة من قِبَل الأزواج؛ نتيجة لغياب القيم الإسلامية الأصيلة عن المجتمعات؛ وهو ما شكل ثغرة ينفذ من خلالها أولئك الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الترويج للاتفاقيات الدولية، وادِّعاء أنها تمثِّل الحل الأوحد والأمثل لمشاكل المرأة والطفل في المجتمع.
إن الحل الأوحد هو الرجوع للأصل والنظام الذي نزل من عند الحكيم العليم.
لله الأمر من قَبْلُ ومن بَعْدُ:
مع أن هذا الواقع محزن مؤلم، لكن لا ينبغي أن يكون محبطـاً ومثبطاً عن العمـل للإصـلاح؛ فقد جـرت سنة الله - تعالى - أن الباطل مهما عمَّ وطمَّ فنهايته حتمية؛ لأنه يحمل أسباب سقوطه بين أحشائه، ولا بد لأهل الحق من المدافعة بما آتاهم الله من أسباب؛ ليميز الله الخبيث من الطيب.


(*) مديرة القسم النسائي بمركز باحثات لدراسات المرأة، ومحاضرة في جامعة الملك سعود.