إن ما نراه من شراكة بين أحرار العالم وأبراره في السعي الجاد لفك الحصار عن غزة رمز العزة، لهو أمر جدير بالاهتمام والدراسة، وهو بداية مباركة، نسأل الله لها الدوام والاستمرار وأن تكون نقطة انطلاق لشراكة أوسع وأشمل؛ لتحقيق صالح الإنسانية على وجه الأرض.
الحصر: التضييق، والحبس[1].
والحصر: حَصَرَهم في البلد؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد منعهم عن الانفساخ والتصرف في الأمور[2].
والهدف من الحصار: هو التمكُّن من المحاصَرين؛ للقضاء عليهم أو إضعافهم، أو إصابتهم باليأس والإحباط من تحقيق النصر المنشود.
 
في التاريخ عِبْرَة للمؤمنين:
حصار قُرَيْشٍ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطلِبِ:
لَـمَّا «أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَجَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، وَفَشَا الْإِسْلَامُ، ولما رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرَه - صلى الله عليه وسلم - يَعْلُو وَالْأُمُورُ تَتَزَايَدُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَتَعَاقَدُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُكَلمُوهُمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ؛ حَتى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ. يُقَالُ: كَتَبَهَا مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمٍ. وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ. وَالصحِيحُ أَنهُ بَغِيضُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَشُلَّتْ يَدُهُ، فَانْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إلاَّ أَبَا لَهَبٍ؛ فَإِنهُ ظَاهَرَ قُرَيْشاً عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. وَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ لَيْلَةَ هِلَالِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْبَعْثَةِ، وَعُلِّقَتْ الصحِيفَةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَبَقُوا مَحْبُوسِينَ وَمَحْصُورِينَ مُضَيَّقاً عَلَيْهِمْ جِدّاً، مَقْطُوعاً عَنْهُمْ الْمِيرَةُ وَالْمَادةُ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَتى بَلَغَهُمْ الْجَهْدُ وَسُمِعَ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ.
شجاعةُ الأحرار الكارهين للحصار وسعيُهم لفكِّه:
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَاضٍ وَكَارِهٍ، فَسَعَى فِي نَقْضِ الصحِيفَةِ مَنْ كَانَ كَارِهاً لَهَا، وَكَانَ الْقَائِمُ بِذَلِكَ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ؛ مَشَى فِي ذَلِكَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِي وَجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَطْلَعَ اللهُ رَسُولَهُ عَلَى أَمْرِ صَحِيفَتِهِمْ، وَأَنهُ أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ جَوْرٍ وَقَطِيعَةٍ وَظُلْمٍ إلاَّ ذِكْرَ اللهِ، عَز وَجَل[3].
إن في هذا الحدث لعبرة للمؤمنين المرابطين؛ أن الله جاعل لهم من الحصار فرجاً ومخرجاً، ونقطةَ انطلاق لحرية كاملة، وأن الله مستخلفُهم في الأرض؛ فناظر ماذا يعملون؟
وإن في الأرض أحراراً يريدون أن تعلوَ القيم الإنسانية وتنتشرَ وتسودَ العالمَ، بل إنهم على استعداد أن يُعَرِّضوا أنفسهم للموت من أجل أن تَعُمَّ قيم الخير والعدل والحرية جميع العالم، وقد حدث منهم ذلك في سفينة أسطول الحرية «مرمرة».
وإن على العقلاء والحكماء والعلماء وأصحاب الرأي في هذه الأمة، أن يشيدوا بهذه الشراكة، ويدعوا لتوسعتها وشمولها واستمرارها، ويكونوا هم الروح التي تسري في هذه الأمة؛ فيحيوها بالقرآن، ويسيروا بها على هدي خير الأنام.
وعلى رجال الأعمال كذلك أن يدعموا هذه السفن المتجهة لفك الحصار عن غزة؛ وإلا لم يجدوا لهم أنصاراً يوم لا ينفع مال ولا بنون. قال - تعالى -:  {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِـمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [البقرة: ٠٧٢].
قال الشيخ رشيد رضا - رحمه الله -: «وَالظَّالِمُونَ فِي مَقَامِ الْإِنْفَاقِ، هم الذين:
- ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛ إِذَ لَمْ يُزَكُّوهَا وَيُطَهِّرُوهَا مِنْ هَذِهِ الْفَحْشَاءِ والْبُخْلِ، أَوْ مِنْ رَذَائِلِ الرِّيَاءِ وَالْمَنِّ وَالْأَذَى.
- وَظَلَمُوا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ بِمَنْعِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ لَهُمْ.
- وَظَلَمُوا الْمِلَّةَ وَالْأُمَّةَ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَبِمَا كَانُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً لِغَيْرِهِمْ؛ فَظُلْمُهُمْ عَامٌّ شَامِلٌ.
فَهَلْ يَعْتَبِرُ بِهَذَا أَغْنِيَاءُ المسْلِمِينَ وَهُمْ يَرَوْنَ أُمَّتَهُمْ قَدْ صَارَتْ بِبُخْلِهِمْ أَبْعَدَ الْأُمَمِ عَنِ الْخَيْرِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؟
أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَجْهَلُونَ أَنَّ المالَ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَصَالِحِ الأمَمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ شَاؤوا لَانْتَشَلُوا هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ وَهْدَتِهَا، وَعَادُوا بِهَا إِلَى عِزَّتِهَا[4].
وقال ابن عاشور – رحمه الله -: «وَنَفْيُ الْأَنْصَارِ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْي النَّصْرِ وَالْغَوْثِ فِي الْآخِرَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا بَخِلُوا بِنَصْرِهِمُ الْفَقِيرَ بِأَمْوَالِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْدِمُهُمُ النَّصِيرَ فِي الْمَضَائِقِ، وَيُقَسِّي عَلَيْهِمْ قُلُوبَ عِبَادِهِ، وَيُلْقِي عَلَيْهِمُ الْكَرَاهِيَةَ من النَّاس»[5].
وعلى كل مسلم أن يدعم بما استطاع: من قول أو فعــــل أو نفقة مهما كانت صغيرة؛ كما قال - تعالى -: {وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٢١]؛ فالجزاء يكون على أحسن عمل عمله المرء.
إن على المشارك في هذه السفن المتجهة إلى غزة لفك الحصار أن يتذكر قوله - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِـحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ}. [التوبة: ٠٢١]؛ فعلى الظمأ أجر، وعلى النَّصَب أجر، وعلى المخمصة أجر، وعلى إغاظة العدو أجر؛ لأن الله يحب من وليِّه إغاظة عدوه.
 فتقرَّب إلى حب ربك بإغاظة عدوِّه، ونُصرَة وليِّه.


[1] غريب القرآن: ص120.
 
[2] الفروق اللغوية: ص 190.
 
[3] زاد المعاد: 2/20.
 
[4] تفسير المنار: 2/ 67.
 
[5] التحرير والتنوير: 3/ 66.