حين يتحدث الشخص عن (التسليم للشريعة) أو (تحكيم الشريعة) أو (الانقياد للشريعة)، فإن ثمّ سؤالاً حاضراً سيأتيه بعد أن يفرغ من حديثه مباشرة، يقول له: الشريعة على فهم مَنْ؟

هذا السؤال له حضور مدهش، وتبنى عليه تصورات ضخمة، وأصبح عامل تشكيك في كثير من الأحكام الشرعية، وأقوى ما فيه هو لغته السهلة السطحية التي تنساب إلى النفوس فتقف حائلاً صلباً دون التسليم لكثير من الأحكام الشرعية، وربما يصل الأمر لترك التسليم لأصل الشريعة.

(1)

فحوى هذا السؤال والغاية المضمرة منه هو أن وجود اختلاف بين الناس في تفسير الشريعة يعني أنها ستكون محل شك وارتياب ورفض، وحينها فلا معنى للحديث عن هذا (المفهوم) ما دام أن ثمّ خلافاً فيه.

هل (تحكيم الشريعة) هو المفهوم الوحيد الذي جرى فيه اختلاف بين الناس؟

هل هذا الاختلاف هو حالة غريبة اختصت بها الشريعة فقط؟

كل المفاهيم والقيم التي تسود بين الناس يجري فيها الاختلاف والتنازع، وفيها جزئيات وفروع يتفق المختلفون فيها على أنها محل نظر واجتهاد، ويتنازعون أيضاً في تحديد ما هو محل اجتهاد وما ليس كذلك، وما دار بخلد أحدٍ في يومٍ من الدهر أن وجود هذا الاختلاف يعني إلغاءها أو الشك في مضمونها.

الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وغير ذلك من القيم السائدة في عصرنا؛ وقع فيها اختلاف كبير، وتعدّدت المدارس والاتجاهات فيها، ولم يقفز عليها أبداً سؤال (على فهم مَن؟).

لم يقولوا هذا؛ لأن العاقل يعرف بداهة أن وجود اختلاف في التفسير لأي فكرة أو مذهب أو قيمة لا يجعلها ملغاة لا معنى لها، فالاختلاف موجود في كل الأفكار.

فإذا كان الاختلاف في تفسير حاكمية الشريعة يؤدي إلى التشكيك فيها، فالاختلاف في الديمقراطية والحرية يجب أن يؤدي إلى إلغائها والتشكيك فيها.

(2)

سيقول بعضهم: بل هناك محاكم دستورية ومجالس برلمانية ومؤسسات حقوقية يرجع إليها وتحسم الخلاف.

جميل، إذن فالمسلك الصحيح مع (الاختلاف) أن تبحث في كيفية التعامل معه لا أن تجعله سبباً لإلغاء الفكرة، وبناءً عليه فالسؤال الصحيح أن يقال: كيف نتعامل مع الخلافات داخل مفهوم تحكيم الشريعة مع تسليمنا وانقيادنا له؟ وليس أن نلغي المفهوم أو نشكك فيه لوجود اختلافاتٍ فيه!

(3)

حين تفحص هذا السؤال جيداً وتنظر في اللوازم المترتبة عليه، سيبدو لك كم هو مثير للشفقة من تهزه مثل هذه التساؤلات:

فمعنى هذا أن الشريعة التي جاء الأمر بالحكم بها ليست إلا لغزاً معقداً وعملية مستعصية ومسلكاً وعراً لا نعرف كيف الوصول إليه، فالله تعالى يأمرنا بالحكم بما أنزل: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، لكننا لا ندري كيف نحكم؟! ويحكم ربنا بالكفر والفسق والظلم على من ترك الحكم بما أنزل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤]، {هُمُ الظَّالِـمُونَ} [المائدة: 45]، {هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: ٧٤]، لكننا لا ندري هذه الأوصاف تقع على مَن؟ ويثني ربنا على حكمه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، فيصبح شيئاً حسناً لا نعرف ما هو.

فأحكام الله التي وصفها في القرآن بأنها هدى ورحمة وبيان وشفاء، صارت بسبب الاختلاف - بلازم هذه الطريقة - شيئاً غير محدد لا يدرى ما حقيقته ولا ما هي أحكامه؟ فعجباً أن تكون القوانين الوضعية الصادرة من العقول البشرية بهذا الوضوح والجلاء بينما يعجز المسلم عن معرفة أحكام ما أنزل الله!

وحين يغدو التحاكم إلى الشرع الذي هو أصل قطعي جاءت الدلائل الكثيرة فيه بهذا الإيهام والتعقيد، فمعنى هذا أن غيرها من الأحكام هو مثلها أو أشد تعقيداً من باب أولى.

هذا السؤال هو تعبير عن حيرة تمكّنت من قلوب بعض الناس فاختلّت لديهم التصورات، فصار يشكك في قطعية أصل تحكيم الشريعة، وهذا السؤال إنما نشأ أولاً لدى «التيار العلماني» الذي لديه مرجعية أخرى مختلفة تماماً عن مرجعية الشريعة، فكان جهلهم بحقيقة الشريعة راجعاً لإعراضهم التام عنها، غير أن كثافة عرض هذا السؤال بأشكال مختلفة جعلته يتسلل إلى فئات أخرى ليست في الأصل علمانية.

(4)

يقول صاحب هذا السؤال: ما الشريعة التي تريدون أن نتحاكم إليها؟

وهذا تركيب خاطئ للموضوع؛ لأن الواجب على المسلم أن يسلم أولاً للشريعة ثم يبحث عن أحكامها، لا أن ينظر أولاً في الأحكام ثم يختار بعد هذا هل يؤمن بها أم لا!

ليس هذا منهج المؤمنين: {إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْـمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]؛ فالمسلم متبع لأمر الله، فهو مؤمن إيماناً تاماً بأن حكم الشريعة هو العدل والخير والرحمة التي تسعده في الدنيا وتنجيه في الآخرة، فمهمته هي في البحث عن هذه الأحكام لتطبيقها والالتزام بها؛ لأنه مسلِّم بأنها من عند حكيم خبير عليم. أما من يريد النظر في الأحكام أولاً ثم ينظر بعد هذا في قرار التسليم لها، فقد قلب صورة التسليم رأساً على عقب!

فالطريقة المستقيمة في موضوعنا هنا أن نتفق جميعاً على ضرورة تحكيم الشريعة ثم نتباحث في مفهوم الشريعة ومساحة الاختلاف والاتفاق فيها وكيفية تطبيق ذلك.

(5)

المطالبة بتحكيم الشريعة هي استمساك بهوية الأمة ودينها وثقافتها، حديث عن القانون الذي حكم المسلمين في زمنٍ طويل امتد عشرات القرون، حكمهم شرقاً وغرباً، نفذ حكمه في دول وحكومات وأجيال كثيرة، فلسنا أمام لغز معقد تم اكتشافه حديثاً ولا ندري كيفية التعامل معه؟ فإبراز حاكمية الشريعة بهذا الغموض والشذوذ هو من التشويه العلماني الذي يريد ستر موقفه الفاضح من مرجعية الشريعة، وإلا فحكم الشريعة هو الأصل وليس الاستثناء، إنما الغريب والشاذ والمنبوذ هو حكم الأمة بالقوانين الوضعية، فهذا هو الفيروس الغريب الذي حُقنت به الأمة كرهاً بعد الاستعمار، وفرضته الأنظمة المستبدة من دون رضا الأمة ولا اختيارها، ونفذ على الأرض بقوة الحديد والنار.

يتحدث الفقيه القانوني الشهير د. عبد القادر عودة أنه: [يوم أباحت الحكومة المصرية المسلمة الخمر لم يكن في مصر واحد في كل مائة يعرف ما هي الخمر، ولم يكن في مصر كلها شخص واحد يطالب بإباحة الخمر أو يشكو من تحريمها][1]، فهذا الجسد الغريب الذي لا ينسجم مع الأمة ولا يمكن أن يدوم عليها، هو المفهوم الشاذ المستنكر المنبوذ وليس مفهوم الشريعة التي كانت هي المتسيّدة طيلة ثلاثة عشر قرناً.

(6)

عامة من يعلق لافتة (الشريعة على فهم مَن؟) ليس لديهم عناية بأحكام الشريعة ومصادرها، ولا اهتمام بخلافات الفقهاء وأدلتهم ومناهجهم، فيرى أن مجرد وجود أفهام مختلفة كافٍ لعدم العناية بأصل تحكيم الشريعة، ولو أنه استحضر أن تحكيم الشريعة أمر رباني نص عليه الله في كتابه في أكثر من موضع، فلا يمكن لمثل هذا أن يكون لغزاً، ثم اجتهد في تتبّع المسائل والنظر في الأدلة ومدارسة العلماء؛ لتوصّل إلى جزم ويقين قاطع بالفهم والمنهج الذي يقوم عليه تحكيم الشريعة، أما أن يعرض الشخص عنها فلا يذكرها إلا في سياق المحاججة والمجادلة، فمن الطبيعي أن يكون لديه حيرة في التعامل مع الفهم؛ لأن القطع بتحكيم الشريعة يحتاج إلى علم وعناية وحرص، وحين تكثر الشبهات ويتتبّع الشخص الإيرادات، فإن القطع بالشريعة يحتاج لعناية وحرص أكبر، فالقطع والظن أحوال تأتي على قلب الإنسان بحسب علمه وحرصه واجتهاده، فالعالم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يصل إلى اليقين في كثير من الأحكام ما لا يمكن أن يصل إليها العامي من الناس، والمقبل على الشيء المهتم بتفصيلاته يصل إلى الجزم بقضاياه ما لا يصل إليه المعرض عنه.

فسؤال (على فهم مَن؟) هو في الحقيقة تعبير عن حالة إعراض وكسل وضعف في البحث والعناية بتحكيم الشريعة، علاجها يكون بأن يبحث ويجتهد ويسعى حتى يزيل هذه الإشكالات، لا أن يستجمع في قلبه كل ما يمكن من الشبهات والإيرادات ثم يتعجب من عدم وجود فهم قاطعٍ للشريعة؟ فمن أين يأتيك القطع ولم تسر على طريقه ولم تبذل أسبابه؟

(7)

إذا ثبت بطلان هذه الطريقة في التفكير، وظهر حجم الفساد الذي يحويه منطق التهوين من الشريعة بدعوى وجود خلاف فيها، يبقى تساؤل مهم يقول: ما الموقف إذن من الخلاف الموجود في الشريعة؟

الجواب يتضح بإدراك ثلاثة مستويات مهمة في فقه هذا الخلاف:

الأول: أن ثمّ مساحة قطعية من الشريعة ليس فيها أي خلاف، بل هي من المجمع عليه بين فقهاء الإسلام، فهي مساحة تثبت فساد الدعوى المزعومة، فليس كل الأحكام مختلف فيها.

فالفقهاء يختلفون في تفصيلات كثيرة في الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولا يقول عاقل إن وجود اختلاف فيها يدل على أنَّ كل ما في الصلاة والزكاة والحج هو محل خلاف!

الثاني: أن الخلاف في بعض أحكام الشريعة هو خلاف في حدود معينة، مع اتفاقهم على أن الخلاف لا يتجاوز هذه الحدود، فحين يختلف الفقهاء مثلاً في حكم صلاة الجماعة فإن خلافهم سيكون محصوراً حول وجوبها أو استحبابها، فمساحة الخلاف لا تتجاوز الوجوب والاستحباب، وليس معنى خلافهم هنا أن يسمح بدخول تفسير جديد يجعلها أمراً مباحاً أو مكروهاً أو محرماً أو فاسداً! أو يجعل صلاة الجماعة مفهوماً آخر يختلف عن الذي يعرفه الناس!

وخلاف الفقهاء في حد المال الذي يحصل به قطع يد السارق هو محدود بأقوال معينة لا تتجاوز سقفاً معيناً من المال ونوع المال، فلا يصح أن يكون خلافهم في هذه الجزئية تجويزاً للخلاف في حكم السرقة أو نوع عقوبة السارق؟

وقل مثل هذا في بقية المسائل التي يختلف فيها الفقهاء في أي باب فقهي آخر.

الثالث: أن ثمّ منهجاً شرعياً في كيفية التعامل مع الخلاف، وفي كيفية الوصول إلى القول الذي يجب العمل به. هذا المنهج قائم على الرجوع إلى الكتاب والسنة من قبل المجتهدين، والبحث في دلائلهما عبر منهجية فقهية توصل لمعرفة مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم قطعاً أو ظناً، فهذا المنهج طريق قطعي مجمع عليه لا يختلف فيه المسلمون، نعم؛ قد يختلفون في النتيجة والحكم المختار، لكن منهجهم في الانطلاق من الشريعة واعتماد مرجعيتها منهج واحد، وحينها فما يقع بينهم من اختلاف هو راجع لاختلافهم في تطبيق المنهج، وهو شيء يختلف تماماً عن الشخص الذي لا يعترف أساساً بالمنهج ثم يقول أنا مثلكم أختلف كما تختلفون!

يتضح المقصود أكثر بالمثال التالي:

حين لا يعرف المسلم الاتجاه الصحيح للقبلة، فإن المنهج الشرعي أن يجتهد في الوصول إلى غلبة الظن للاتجاه الصحيح، فيمكن أن يستفيد من الأدوات الحديثة أو ينظر في منازل الشمس والقمر أو يسأل من يثق به حتى يحدد اتجاه القبلة ثم يصلي فيكون مصيباً مثاباً ولو أخطأ، ويمكن أن يختلف معه شخص آخر فيصلي في اتجاه مختلف عنه فيكون مصيباً ومثاباً مثله، بخلاف الشخص الذي يأتي فيقول أنا سأصلي إلى أي جهة أريد، وكما حصل اختلاف بينكما في تحديد القبلة فهذا يعني أنه لا وجود لقبلة معينة، فصلى حينها لأي اتجاه، فصلاته باطلة ولو أصاب القبلة؛ لأنه ينطلق من منهج باطل.

(8)

هذه المستويات الثلاثة تثبت أن المطلوب ليس اتباع رأي معين ولا فرض اجتهاد محدد، إنما الواجب هو اتخاذ مرجعية الشريعة وليس مرجعية عالم معين أو جماعة معينة أو بلد معين؛ فتحكيم الشريعة لا يلزمك بفهم معين يختص به أحد أو جماعة من الناس، إنما يلزمك بالشريعة، أن لا تتجاوز قطعياتها وأن تسلك المنهج الصحيح في الوصول لأحكامها.

والمسلم وسط بين طرفين، فلا يجوز أن يجعل تحكيم الشريعة والانقياد لها مبنياً على الخضوع لرأي شخص معين أو مذهب معين أو جماعة معينة – مهما بلغ فضلها وعلمها وجهادها - ويحكم على من يخالفها في حدود الخلاف السائغ بأنه قد حاد عن الشريعة وغير منقاد لها، فهذا من الغلو، والزيادة في اتباع الشرع ليست هي من تحكيم الشريعة ولا التسليم لنصوصها، بل هي معارضة صريحة لها.

وفي المقابل، فإن وجود مثل هذا الغلو والزيادة لا يسوغ لغيرهم أن يحيد الشريعة ويجعلها مهملة لا تحمل شيئاً ولا تقول شيئاً ولا تلزم بشيء ما دام أن فيها خلافاً.

(9)

هذا السؤال (على فهم مَن؟) هل هو متجه إلى الفهم الذي يجب تطبيقه أم إلى أصل تطبيق الشريعة؟

إن كان السائل يعارض فهماً معيناً، فالاتجاه الصحيح أن يبحث لنا عن الفهم الصحيح، لا أن يكون جهله بالمكان الصحيح دليلاً على عدم وجود المكان.

فالمطلوب حينها أن نجتهد في البحث عن الفهم الصحيح، وأن نتحاور في المفهوم الأرجح، ولو حصل بيننا خطأ أو غلط أو تقصير فهو خير ممن يلغي مرجعية الشريعة لعدم وجود فهم صحيح لديه.

لا بأس، ليجتهد في اختيار ما يراه الفهم الأرجح، فهو خير له على أي حال من ترك الشريعة بالكلية، فليسلّم بهذا الأصل ولينقد لربه وليختر أي فهم، وحينها سيطالب أولاً بإثبات أن هذا الفهم هو الأسلم والأصوب، وسيحاكم إلى نصوص الشريعة لمعرفة مدى سلامة هذا الفهم، وحينها سيصل إلى الحق؛ لأنه سلك الطريق الصحيح، حتى لو أخذ بفهم خاطئ، فالخطأ في سبيل البحث عن الحق أهون من تضييع الحق كله.

وأما الإعراض عن الشريعة لعدم معرفة الفهم، فهو منهجية مختلة في التصورات، ولهذا يسلكها كثير من العلمانيين؛ لأنهم أساساً يرفضون مرجعية الشريعة، وإنما يتخذون الاختلاف في الفهم وسيلة نفاق ومداهنة لعموم المسلمين.

(10)

من الضروري جداً أن يعي المسلم هذا المعنى، أن يحافظ على أصل التسليم لله ورسوله، والرضا بحكم شرعه، والدعوة إليه، ولو كان لديه انتقادات على بعض الاجتهادات أو شك في بعض الأحكام المعاصرة أو الاجتهادات الفقهية، فسواء كان رأيه صواباً أو اجتهادياً أو حتى خاطئاً مخالفاً للإجماع؛ فهو خير من الإعراض والرفض الكلي للشريعة.

مشكلة كثيرٍ ممن يكرر مقولة «الشريعة على فهم من؟» أنه لم يسلّم أساساً بضرورة الالتزام والانقياد للشريعة، فما زال في نفسه إشكال حول تحكيم الشريعة، والواجب أن يسلم للأصل وينقاد له، وإن أخطأ في فهمٍ أو اجتهاد أو مسألة فهو خير على أي حال من كونه يعرض عن الأصل بالكلية لوجود إشكالات لديه حول بعض تفصيلاته.

ومن المهم جداً لدعاة الإسلام أن يوضحوا للناس مثل هذا المعنى، فهذا في نظري من أعظم مداخل العلمانيين في إفساد تصورات الناس، يلجون منها لهز أصل الخضوع والانقياد والتحكيم للشريعة، فيشيعون بعض الآراء السياسية التي أخطأ فيها بعض المعاصرين، أو التي وجد فيها خلاف، أو لا يكون ثمّ خلاف فيها لكن تقصر بعض النفوس عن فهمها أو التسليم لها، أو ليس لديك استطاعة على تطبيقها؛ فينفذون من هذه القضايا لهدم أصل تحكيم الشريعة، فيجب أن يكون واضحاً للناس جميعاً أن عدم قبول حكم لسببٍ ما – سواءً كان الشخص فيه معذوراً أو غير معذور، مصيباً أم غير مصيب - لا يجوز أن يكون سبباً لهدم الأصل الشرعي كله.

(11)

يجب أن نعي جيداً أن مفهوم (تحكيم الشريعة) تعرّض لتشويه كبير لدى قطاع واسع من عموم الناس ممن ليس لديهم نفاق ولا تكذيب لله ورسوله ولا يرغبون عن شريعة الله بديلاً، إنما نجح الخصوم على امتداد زمان طويل وبأدوات هائلة وبمكرٍ كبّار في تعميق الخوف من تحكيم الشريعة، من خلال إشاعة الاجتهادات الباطلة، أو الأحكام الغالية، أو تشويه المطالبين بها، فأصبح كثير من الناس لديه إشكال كبير ليس مع المفهوم وإنما مع الاجتهادات أو التيارات التي ستطبق هذا المفهوم، بحيث يشعر أنها ستكون غالية أو منحرفة عن الإسلام، أو لا يحسن الظن بها ولا يثق بمدى قدرتها على تنزيل أحكام الشريعة. وبغض النظر عن موقفهم هذا، وهل هو موضوعي منصف أم هو استسلام للآلة الإعلامية وتشرّب لتشويهاتها، إلا أن هذا واقع مشاهد وحالة ظاهرة يجب أن لا تغيب عن خطاب الإسلاميين، إذ يترتب عليه واجبات مهمة يجب على الخطاب الإسلامي مراعاتها في هذه القضية:

- أهمية أن يرسخ في وعي الناس ضرورة حب الشريعة والانقياد لها ولو كنتَ رافضاً لما تراه تطبيقاً خاطئاً لها.

- والحاجة الماسة إلى شرح المفهوم وتوضيحه وإزالة التشويهات عنه.

- وضرورة إبراز مساحة الاختلاف والاجتهاد والإعذار في هذا المفهوم، وكلما نجحنا في تقديم المساحة الشرعية في الإعذار والاجتهاد، كلما أسهمنا أكثر في تعميق هذا المفهوم وسد منافذ العلمانيين عن إفساد الناس.

- إضافة إلى أهمية العناية بكيفية تطبيق الشريعة في أرض الواقع والتحديات التي تواجهها.

- مع ضرورة العدل مع هؤلاء الناس وعدم جعل شكّهم في التطبيق المعاصر لتحكيم الشريعة منازعاً لأصل تحكيم الشريعة.

الوعي الجيد بهذه القضية سيحقق للخطاب الإسلامي مكسباً كبيراً في جذب تيارات واسعة من الناس، وفي المحافظة على إيمانهم وتسليمهم لله ورسوله، وسيحول دون نفوذ «لصوص العلمنة» لاستنبات جذور الاستنكاف عن الشريعة في هذه البيئة الطاهرة.

(12)

إن تحكيم الشريعة الإسلامية ليس مجرد تطبيق أحكام متفرقة مشتتة لا يجمعها أي جامع، بحيث يتصور البعض أنه يمكن تذويب هذه الأحكام بالبحث عن أي فهم مختلف لها ثم لا يكون بعدها لتحكيم الشريعة أي معنى لأن الأحكام الجزئية فيها أفهام مختلفة!

هذا غلط كبير في تصور تحكيم الشريعة، فهو خضوع وانقياد لله، واتباع لشريعته، قد يغلط المسلم في اتباع الحق، وقد يقع في أخطاء، وقد يجهل بعض أحكام الشريعة، لكنه مؤمن بضرورة اتباع الشريعة، وسائر في طريقها، ومجتهد في تتبّع أوامرها ونواهيها، فحين يكون محافظاً على هذا الأصل فما يقع من أخطاء في طريق هذا سيكون أمرها أهون، فهي إما خطأ مغفور أو معصية، لكنها على أي حال خير من المعرض المستنكف الذي لا يسلم للشريعة أمرها ولديه عوائق وإشكالات مع أصل التسليم والانقياد للشريعة.

فحين نتفق على السير تحت راية الشريعة، ونجتهد في الانطلاق من أصولها وقواعدها، ونسلم الأمر لها؛ فما يحصل بعد هذا من خلافٍ حول بعض أحكامها، أو تنازع في تقدير المصالح والمفاسد، هو أمر إما داخل في الخلاف السائغ المحمود الذي يدور صاحبه بين الأجر والأجرين، أو حتى حين لا يكون خلافاً سائغاً فلن يخرج صاحبه عن كونه متبعاً ومطبقاً للشريعة.

(13)

إن التباين في تصورات الناس حول مفهوم الشريعة يجب أن يكون سبباً لتعزيز أصلين شرعيين:

الأصل الأول: ضرورة الانقياد لله ورسوله، والخضوع لأحكام الشريعة، وأن الاختلاف يجب أن لا يؤثر في ثبات الأصل المتفق عليه.

الأصل الثاني: ضرورة مراعاة الاجتهاد والاختلاف الواقع في مفهوم تحكيم الشريعة في ظل المتغيرات المعاصرة، وأن أصل تحكيم الشريعة لا ينافي وجود اختلافات في كيفية تطبيق الشريعة، وفي بعض أحكامها، وفي المصلحة والمفسدة المندرجة ضمن السياسة الشرعية، كما أنها تحتمل الاختلاف في مراعاة القدرة والإمكان.

وإذا كان ثمّ من ألغى (أصل تحكيم الشريعة) لوجود اختلافٍ فيه، فإن من الخلل في الجهة المقابلة من يجعل تحكيم الشريعة في نظام الدولة الحديثة وكأنه شيء قطعي محدد في كافة أحكامه لا يحتمل اختلافاً ولا تأويلاً، فيجعل أي اختلاف في بعض الأحكام أو تنازع في كيفية التطبيق أو اجتهاد في مراعاة القدرة والإمكان، أنه منازعة لأصل تحكيم الشريعة، فمع أن جزءاً كبيراً من هذا المفهوم مرتبط بالفقه وله علاقة وثيقة بالسياسة الشرعية، إلا أن ثم فئة تتعامل معه على أنه جميعاً أصل من أصول الإسلام ومعقد للولاء والبراء، فوضعت كافة التفصيلات الفقهية ضمن الأصل العقدي، وهو ما سهَّل على كثيرٍ من الناس أن يرمي علماء وفضلاء اجتهدوا في تطبيق الشريعة في الواقع المعاصر بحسب الإمكان والقدرة، فحكموا بكفرهم وردّتهم، ورأوا أنهم مبدلون للشريعة ومحادون لله ورسوله ورافضون لتحكيم الشريعة! مع كون الناس جميعاً يعرفون أن دافعهم الأساسي هو تحكيم الشريعة، فعدم التمييز بين (أصل تحكيم الشريعة) وبين الاجتهاد في تحكيم الشريعة في الواقع وما يحتف به من اجتهاد وتقدير وتأويل، هو المتسبّب في وقوع الإنسان في مثل هذا الغلو القبيح.

فمن المهم التمييز بين أصل تحكيم الشريعة والتسليم لها ورفض تحكيم ما يضادها، وبين كيفية تنزيل هذا الأصل في ظل الدولة المعاصرة؛ فالصورة الثانية تتضمن أحكاماً تفصيلية كثيرة وأحوالاً مختلفة ومسائل دقيقة، تحتاج إلى قدر عميق من الاجتهاد والفقه والموازنة والعلم المعاصر، ما ليس متاحاً لكل أحد، والخطأ فيها ليس كالخطأ في الجانب الأول، والخلل في عدم التمييز بين الجانبين يسهم في حالة غلو، وفي استنكاف ورفض للشريعة، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

(14)

العناية بهذين الأصلين تحافظ على أصل تحكيم الشريعة وتقوي من استمساك الناس بها وتزيل عنها تشغيب المنحرفين، فقد اعتاد التيار العلماني أن يوظف (الاختلاف الإسلامي) في تحكيم الشريعة لإسقاط حاكمية الشريعة مطلقاً، وأن يزيل عن نفسه شناعة رفض الشريعة، وأصبح يسوق نفسه على أنه رافض لتفسيرات متباينة وليس رافضاً للشريعة، كما اعتادت بعض التيارات الإسلامية المتأثرة بالتيارات العلمانية أن توظف هذا الاختلاف لإحداث مواءمة بين الرؤية الإسلامية والرؤية العلمانية للحكم، فتجعل هذا الاختلاف دليلاً على عدم لزوم أحكام شرعية ثابتة، ونفذوا منها إلى تأويل الأحكام الشرعية التي لا تلائم الثقافة العلمانية المعاصرة.

سؤال (الشريعة على فهم مَن؟) الذي يعتمد على (الاختلاف في مفهوم تحكيم الشريعة) وما يتبع ذلك من اختلاف النظر في كيفية تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع؛ هو أخصب مجال ينشط فيه هذان التياران، وإن تقديم رؤية شرعية معتدلة تحافظ على أصل تحكيم الشريعة وتراعي الاجتهادات المعتبرة وتقدر المصالح والمفاسد والقدرة والإمكان وتوسع الأعذار للمجتهدين؛ كافٍ لجعل هذه القضية أكبر كاشفٍ لحجم الخلل لدى من أراد توظيفها لنشر الانحراف.

:: مجلة البيان العدد  318 صفر 1435هـ، ديسمبر  2013م.


[1] الإسلام وأوضاعنا القانونية (ص 22).