اللغة ما هي إلا أصوات يعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم؛ فاللغة هي الإنسان، وأقرب تعريف دارج للإنسان أنه حيوان ناطق؛ إذن فاللغة خير دليل على القدرة العقلية المفكِّرة في حقائق الأشياء التي اختص الله - سبحانه - بها الإنسان دون بقية المخلوقات الأخرى.
ولغتنا العربية إنما كانت إحدى اللهجات العربية التي ظهرت في جزيرة العرب، ولكن ما الذي أوصلها إلى هذا التسامي العظيم الذي عزَّ وجوده في بقية لغات الأرض؟ إنها حقيقة لا ينكرها أحد مهما لجَّ في عداوته للجنس العربي، إنه القرآن الكريم الذي منح العربَ الوجودَ والذكرَ والتمجيدَ الأبدي، وأكسبهم فنون العلم والثقافة على اختلاف دروبها.
إننا أمام إعجازٍ هزَّ أركان الوجود البشري بلغته، وفصاحته، وبلاغته، وتركيبه، وأساليبه؛ فلو قُدِّر للحياة العربية وموروثاتها اللغوية أن تعيش بعيدة عن القرآن الكريم لما تجاوزت الفترةَ الجاهليةَ إلا بمقدار يسير، وَلَبَقي العرب أمَّة مهمَلة في قديم الزمن أو في جانب من جوانب التاريخ.
ولقد كان القرآن العظيم بتعاليمه ومفاهيمه ولغته ونظامه وكلِّ ما حوته يد القدرة المعجزة - بحق - ثورةً عظيمةً حيَّرت العلماءَ وأهلَ الفكر والمتخصصين في كــل المجالات. خذ - مثلاً - قوله - تعالى -: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: ١ - ٢]، تُرى ما البلاغة في تلك الآيات ذات المقاطع القصيرة؟ وهل كان العرب يجهلون تلك الألفاظ؟ بالطبع لا؛ ولكن الجديد هنا أن القرآن الكـريم قد منـح تلك الألفاظ دلالات جديدة، مبهرة؛ ولا يستطيع العربي أن يُحْدِث ذلك التواؤم بين اللفظة المشهورة والمعنى الجديد، بل الفريد؛ فالمعاني متجددة بتجدد العصور والأزمان، ولقد قالوا قديماً: إن المعاني ملقاة في الطريق يأخذها من يشاء. وإنما يتفاضل أهل اللغة في الألفاظ، لكن في هذا الموضوع أعطانا القرآن فهماً جديداً عَكَسَ لنا ذلك التصور القديم[1].
إن الألفاظ في ظاهرها مستأنسة، لكن في دلالاتها القوية المتنوعة تمنح المعاني العظيمة عَظَمَة وأصالة وتجديداً، بل عطاءً لا ينفد. ولك أن تقف أمام النص القرآني وتطلق لعقلك العِنان كي يفكر ويفهم ويدرك ويربط الألفاظ بمعانيها ومقصودها، وتتعاقب أجيال المفسرين من زمن إلى زمن وكل واحد منهم يكشف سراً من أسرار المعجزة الإلهية في القرآن الكريم باستجلاءٍ نقيٍّ، أو توضيحٍ لمعنى غامضٍ لم يطرقه من سبقوه.
فالمعاني القرآنية غير متناهية وأفهامنا الإنسانية مقصورة، محدودة؛ ولذلك فإن عطاء القرآن متجدد في كل زمان ومكان، ومن هنا نجد أن القرآن العظيم قد أعطى اللغة العربية الامتداد المتتابع عبر الزمان. والتطويرُ ما هو إلا إعادة صياغة تراكيب جديدة من أصول ثابتة؛ انظر معي إلى كلمة الرأسمالية[2] التي هي تركيب جديد لأصل ثابت في القرآن هو (رأس مال)، وغير ذلك من مصطلحات تواكب روح العصر، وكذلك وجود ظاهرة النحت كما هو واضح في قولنا: (بَسمَلَ)؛ أي: بسم الله الرحمن الرحيم[3]. والقرآن الكريم وهب اللغة العربية المرونة التامة؛ للتعامل مع كل عصر وَفْقَ ثقافته ومذاهبه وعِلْمِه وتطوُّره ومعطياته المختلفة؛ فلم تَقِفْ وقفة جامدة (أو قل: عاجزة) أمام الإدخلات المصطلحية في شتى العلوم الإنسانية: من كيمياء، وفيزياء، وفََلَك حتى صارت لغتنا بحراً كما قال حافظ إبراهيم:
 أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كامنٌ؛
فهل ساءلوا الغواصَ عن صدفاتي؟
فلغتنا العربية في عصور الحضارة الزاهرة في القرنين الثاني والثالث الهجريين قد استوعبت المترجَمَات والكتابات الوافدة ولمعت أسماء علمية: في الطب والهندسة والكيمياء والرياضيات والفلك، أمثال خالد بن يزيد بن معاوية، والرازي، وابن سينا في كتابه القانون، وابن الهيثم في علم البصريات وغيرُ أولئك كثير، وأحدثوا نوعاً من المواءمة الرحيمة بين لغتنا والعلوم؛ وبذلك واكبت اللغة مستجدات العصور المختلفة على مرِّ السنين حتى الآن وأثبتت صلاحيتَها المتجدِّدة المرنة، ويقول بروكلمان[4]:  إنه بفضل القرآن بلغت اللغة العربية مدىً لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات العالم.
وأَصِلُ في النهاية إلى حقيقةٍ ووصيةٍ:
أما الحقيقة فهي: مما لا شك فيه أن العربية أفضل اللغات على الإطلاق؛ للكرامات التي حازتها؛ لذلك فإن الحرص على تعلُّمها من شرائع ديننا الحنيف؛ فهي أداةٌ للعلم ومفتاح للفهم، وتُعَدُّ من أسباب إصلاح الحياة؛ إذ هي كالينبوع للماء والزند للنار، وحِرْصُنا على فهمها إنما يرجع للرغبة الأكيدة في قوة اليقين لمعرفة الإعجاز القرآني وزيادة البصيرة في إثبات النبوة.
وأما الوصية: فحبذا لو وُجِدَ معجم لغوي صغير بجانب المصحف في كل بيت يساعدنا على مزيدٍ من الفهم والمعرفة لمعاني القرآن العظيم حتى نكونَ أكثر وعياً وقرباً وعملاً بتعاليم الشريعة السمحاء.



[1] العربية لغة العلوم والتقنية للدكتور عبد الصبور شاهين.
 
[2] المصدر السابق.
 
[3] فقه اللغة وأسرار العربية للثعالبي.
 
[4] بروكلمان مستشرق ألماني.