الرقابة لغة:
 الرقابة: من الرقيب وهو الحفيظ، ورقبه يرقبه مراقبةً بمعنى: حرسه[1].
أما الرقابة اصطلاحاً:
فلها مفاهيم متعددة ومتنوعة، تختلف في معظمها من حيث درجة التفاصيل، وتتفق غالبيتها من حيث المحتوى، ويبدو أن الخلاف على تحديد معنى موحَّد للرقابة يضفي عليها أهمية خاصة، وأهم هذه المفاهيم:
1 - أنها: وظيفة تقوم بها السلطة المختصة بقصد التحقُّق من أن العمل يسير وَفْقاً للأهداف المرسومة بكفاية، وفي الوقت المحدد لها[2].
2 - وقيل: إنها التأكد من أن كل شيء يجري وَفْقاً للقواعد التي وُضِعَت والتعليمات التي أُعطيت[3].
ومن خلال هذين التعريفين يبدو لنا أن الراجح هو التعريف الأول، ومع ذلك يمكننا أن نقول: إنها عملية تقوم بها جهات متخصصة؛ للتأكد من مطابقة التنفيذ للقواعد والتعليمات التي وُضِعَت وَفْقاً للمعايير الشرعية الإسلامية، وأنها حققت أهدافها بكفاية.
مفهوم الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي:
وردت تعريفات متعددة للرقابة في الاصطلاح الشرعي؛ إلا أنها تتفق معظمها من حيث المحتوى والمضمون مع اختلافٍ في درجة التفاصيل، وسأورد هنا واحداً منها فقط:
هي عملية تقوم بها جهات معيَّنة؛ لمراقبة المال العام (إيراداً وإنفاقاً) وَفْقاً لمعايير الشريعة الإسلامية بإدارة رشيدة، وبكفاية اقتصادية عالية[4].
ويمكن القول: إن هذا المعنى أقرب للمفهوم الإسلامي للرقابة؛ لأن الرقابة في مفهوم الاقتصاد الإسلامي شاملة ومتكاملة؛ فهي: رقابة شرعية على المال العام، ورقابة إدارية كذلك.
أهداف وأهمية الرقابة ومزاياها:
أهداف الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي:
تهدف الرقابة على المال العام في النظام الاقتصادي الإسلامي إلى المحافظة عليه وصيانته من الهدر والضياع ولها أهداف أخرى، هي:
1 - التأكد من سلامة الأنظمة والتعليمات والقوانين، والتحقق من كفايتها وانسجامها مع روح الشريعة الإسلامية، ومصلحة الأمة.
2 - التأكد من أن الإيرادات العامة جرى تحصيلها وَفْقَ أحكام الشريعة الإسلامية، ثم إيداعها في الجهات المخصصة لذلك، وكذلك التأكد من أن النفقات العامة جرى صرفها وَفْقَ أحكام الشريعة الإسلامية.
3 - حماية حقوق وحريات الأفراد من تجاوزات العمال والولاة للاختصاصات المنوطة بهم.
إن هذه الأهداف كلها تصبُّ في هدف واحد، هو: المحافظة على المال العام (إيراداً وإنفاقاً) ومَنْع أي اعتداء عليه.
أهمية الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي:
إن الرقابة في الاقتصاد الإسلامي عملية ضرورية، وذات أهمية بالغة، ويُنظر إليها على أنها حجر الزاوية في الإدارة.
ويمتاز نظام الرقابة في الاقتصاد الإسلامي بعدة ميزات نُجْملها في الآتي:
 - أنها شرعية في المقام الأول.
 - الرقابة في الاقتصـــاد الإسـلامي إيجابية: فهــي لا تقتصر على كشف الأخطاء فقــط، بل تتعداها إلى تصحيحها، وتجنُّب وقوعها مستقبلاً.
 - الرقابة اقتصادية: من حيث الوقت والكلفة.
 - الرقابة الشرعية ذاتية وقائية: تمنع من وقوع المخالفات.
 - الرقابة في الاقتصاد الإسلامي ذات كفاءة ناجحة وتمتاز بالوضوح والمرونة.
هذه هي أهم مزايا الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي مزايا جعلت منها رقابة فعَّالة في المحافظة على المال العام من العبث والضياع.
مشروعية الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي:
القاعدة الأولى: قاعدة الالتزام بمبدأ الشرعية الإسلامية: يُقصد بهذه القاعدة خضوع الدولة الإسلامية (حكاماً ومحكومين) للشريعة الإسلامية، وهو سبب وأساس كل رقابة تقوم في الدولة الإسلامية؛ فما من تنظيم للرقابة في هذه الدولة إلا ويستهدف حماية الشريعة الإسلامية وإعلاء شأنها، وتأكيد سيادتها وسيطرتها على مجتمع الدولة الإسلامية[5].
ونصوص القرآن التي تدعو للخضوع لتحكيم الشريعة الإسلامية كثيرة، منها: قوله - تعالى -: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}. [النساء: ٥٠١]
القاعدة الثانية: قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي مقصِد في جميع الولايات الإسلامية ومن بينها (ولاية الرقابة). قال - تعالى -: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [آل عمران: ٤٠١] ­].
القاعدة الثالثة: أن المال العام مال الله: وفي ذلك يقول - عز وجل -: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: ٧]، وقال كذلك: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣]. وهذه الحقيقة إذا وَقَرت في النفوس، فإن من شأنها المحافظة على المال العام؛ سواء من قِبَل أمراء المسلمين، أو العاملين على المال العام، أو الرعية.
القاعدة الرابعة: قاعدة المسؤولية والمحاسبة: في قوله - تعالى -: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: ١٢]. وفي قوله - تعالى -: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [الأحزاب: ٢٥]؛ فكل فرد مسؤول عن تصرفاته وأعماله، وأقواله أمام الله.
القاعدة الخامسة: قاعدة الترشيد؛ لتحقيق المصلحة العامة وذلك في قوله - تعالى -: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: ٥]. وقوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: ٧٦].
وقد دلَّ على ذلك أحاديث كثيرة لرسول الله #. ونظراً لكثرتها سنكتفي بحديث واحد فقط؛ وهو ما روته خولة الأنصارية - رضي الله عنها - حيث قالت: سمعت رسول الله #  يقول: «إن رجالاً يتخوَّصون (يترفون) في مال الله بغير الحق، فلهم النار يوم القيامة»[6].
ثم إن تطبيقات الصحابة على مشروعية الرقابة أكثر من أن تحصى؛ ففترتهم كانت فترة بناءٍ وتطبيقٍ لمفاهيم الرقابة التي جاءت في القرآن الكريم والسُّنة.
وبعد استقراء الأدلة الشرعية وتطبيقاتها، نخلص إلى أن الرقابة على المال العام في الاقتصاد الإسلامي فريضة شرعية وضرورة بشرية.
الرقابة على الإيرادات العامة في النظام الاقتصادي الإسلامي:
أولاً: تعريف الإيرادات العامة:
إن أهم تعريف لها هو: «كل ما تحصل عليه الدولة من موارد؛ سواء أكانت نقدية أم عينية، منتظمة أو غير منتظمة»[7]. وهذه الأموال تتمثل في الفيء والخُمس والصدقة، ومنهم من أضاف (الغنيمة)[8].
ثانياً: الرقابة على مورد الزكاة كنوع من الإيرادات العامة:
نأخذ على سبيل المثال الرقابة على مورد الزكاة كنوع من هذه الإيرادات؛ ذلك أنها مورد هام لبيت مال المسلمين فرضها الله - سبحانه وتعالى - بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: ٣٠١].
ومن صـور الرقابة على الزكاة: اختيار الأكفياء من العاملين عليها، والتـزام الأدب والرفق مع دافعي الزكاة، كما ينبغي أن تكون جبـاية الزكـاة وَفْـقَ ما شرع اللـه، سـبحانه وتعالى. وكذلك اتخـاذ الإجراءات الصارمة بحق الممتنعين عن الزكاة والمتهربين منها.
الرقابة على الإنفاق العام في الاقتصاد الإسلامي:
حدد الإسلام الأصول العامة في الإنفاق العام، ونص على بعض الفروع تاركاً بعضها الآخر لما يستجد في أي زمان أو مكان، فتُلحق الفروع بالأصول[9].
تعريف النفقة العامة:
هي: «مبلغ من المال دخل في الذمة للدولة، يقوم الإمام أو مَنْ ينوب عنه باستخدامه في إشباع حاجة عامة، وَفْقاً لمعايير الشريعة الإسلامية[10].
صور الرقابة على الإنفاق العام:
1 - الرقابة على مشروعية الإنفاق العام: فلا يجوز توجيه الإنفاق لتمويل المشروعات المحرَّمة.
2 - مراقبة الأولويات الإسلامية في الإنفاق العام: وهذا ما يؤكده ابن رجب الحنبلي بقوله: إن الفيء فيه البداءة بمهمات المسلمين العامة (أي: الضروريات) ثم ذوي الحاجات من المسلمين (أي: الحاجيات) ثم يقسَّم الباقي بين عمومهم (أي: الكماليات)[11].
فالإنفاق العام على إطعام الفقراء وغذاء المساكين له أولوية على الإنفاق على كسوة الكعبة[12].
3 - مراقبـة الاعتــدال والترشــيد في النفقـات: ومقتضى ذلك ألاَّ توجَّه النفقات للوفاء بالأغــراض الاستهلاكية، بل ينبغي أن يُخصَّص جزء منهــا للأغــراض الإنتــاجية والاستثمارية. وهــذا مــا يؤدي إلــى المحافظة على المال العام وحُسْن تدبيره ورعايته، وتجنُّب هَــدْره وإضـاعته وتبذيـره وإسرافه فيما لا يحقق المصلحة العامة للمجتمع.
أنــواع الرقــابــة:
الرقابة على المال العام في الاقتصاد الإسلامي تمتاز بشمولها وتكاملها. ومن ثَمَّ؛ فإن الحديث عن أنواع الرقابة لا يعني: استقلالية كل نوع من الأنواع، بل إن تعدُّد مسمياتها وأنواعها جاء نتيجة للزاوية التي يُنظَر منها.
وتنقسم مهام الرقابة في الاقتصاد الإسلامي من حيث وقت ممارستها بالنسبة لمراحل تنفيذ العمليات الخاضعة للرقابة إلى ثلاثة أنواع، ويُعتبَر تنفيذ المراحل الرقابية الثلاث عملية متكاملة للمحافظة على المال العام، وفيما يلي نوضِّح أنواع هذه المراحل من خلال المطالب التالية:
الرقابة المسبقة:
وهي رقابة وقائية؛ لأنها تمكِّن من تدارك الأخطاء قبل وقوعها، وتُعِين على تهيئة الظروف والبيئة الصالحة؛ ليؤدي المال العام دوره في التنمية والإنتاج.
ومن وسائل تحقيق هذه الرقابة في الاقتصاد ما يلي:
أولاً: اختيار العمال الأكفياء:
وهو مــــن أهـــم وسائل الرقـــــابة الفعَّـــالة؛ لــذا كــان اهتمـــــام الإسلام بهذا الأمر مبكراً وكبيراً؛ فقد روي عن رسول الله # قوله: «من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئاً فولَّى عليهم رجلاً، وهو يجد فيهم من هو أصلح منه للمسلمين؛ فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين»[13].
ثانيـاً: تدريب العمال:
وذلك لاكتساب المعارف والخبرات التي يحتاجون إليها في مجال الرقابة؛ فقد كان الرسول # يقوم بتدريب من يستعملهم على مصالح المسلمين ويزوِّدهم بالنصائح والإرشادات[14]، وفــي هـذا يروى عـن علــي - رضــي اللــه عنه - أنه قال: بعثـني رسول الله # إلى اليمن قاضياً. كما كان الخلفاء من المسلمين يرسلون عمالهم بتوجيهاتهم ويأمرونهم بالعدل والرفق بالرعية[15].
الرقابة أثناء التنفيذ:
تعد الرقابة أثناء التنفيذ من وسائل الرقابة الفعالة على المال العام؛ لذا لاقت اهتماماً كبيراً من ولاة الأمور، وتمثل ذلك من خلال الآتي:
1 - متابعة العمال والولاة في مواقع أعمالهم:
لقد كانت أعمال العمال والولاة محل متابعة حثيثة، خاصة في المجال المالي؛ حيث تجري مراقبة الإيرادات والنفقات، والحيلولة دون تعدي العمال على المال العام، من جهة الإسراف أو الاختلاس أو غيرها.
2 - رُسُل تقصِّي الحقائق:
كان الولاة يرسلون رسلاً لتقصي الحقائق والسؤال عن سيرة العمال وأحوالهم مع الرعية، والتحقيق في ما يصل إلى الخليفة من تظلمات وتَعَدٍّ على الأموال العامة. وقد أقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جهازاً لهذا الغرض على رأسه محمد بن مسلمة.
3 - الزيارات التفتيشية على العمال:
وهي: الانتقال إلى مواقع العمل للوقوف على سيرة العمال مع الرعية ورؤية مجريات الأمور والحالة الاقتصادية وغيرها عن كثب[16].
الرقابة اللاحقة:
وهي: الرقابة التي تقع على العمال بعد فراغهم من العمل والتأكد من أن الإيرادات والنفقات جرى تحصيلها وإنفاقها وَفْقاً للقواعد الشرعية، وفحص المعاملات الحسابية، وفي الفترة اللاحقة لإتمام عملية التنفيذ، وكشف المخالفات التي ارتكبها العمال في جباية المال العام وإنفاقه، ومحاسباتهم باتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم. وتطبيقات هذا النوع من الرقابة في الاقتصاد الإسلامي كثيرة منها:
رقابة الرسول # لابن اللتبية عامله على اليمن، شاهد واضح على أن العامل بعد انتهائه من العمل لا بد أن يخضع إلى رقابة ومتابعة[17].
الرقابة الذاتية:
لأهمية الرقابة الذاتية في الاقتصاد الإسلامي، فإننا سنتناولها خلال الجوانب التالية:
أولاً: تعريف الرقابة الذاتية:
الرقابة الذاتية: هي اسـتشعار المسـلم رقابة الله - تعالى - علـى نفسه وما يصدر عنها من الأقوال والأفعال[18]. وهي من أسمى أنواع الرقابة الفعالة، وأعتبرها صِمَام أمان لأي انحراف مالي، وهي غير موجودة في الاقتصاد الوضعي الذي ينكر الوازع الديني في توجيه النشاط الاقتصادي.
ثانياً: وسائل تحقيق الرقابة الذاتية:
إن الوسائل التي سلكها الإسلام لتحقيق الرقابة الذاتية كثيرة ومتنوعة، منها: العبادات، ومبدأ الاستخلاف في الأرض، وخُلُق الأمانة، ومبدأ الثواب والعقاب.
ثالثاً: تطبيقات على الرقابة الذاتية:
كان لهذا النوع من الرقابة تطبيقات عملية في حياة الرسول # والسلف الصالح، ترقى إلى مستوى عالٍ من يقظة الضمير أمام أموال المسلمين، ومنها ما يرويه عدي ابن عميرة الكندي عن الرسول # قوله: «من استخلفناه على عمل فكَتَمَنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة[19].
يغرس هذا الحديث الشريف في نفس العامل استشعار رقابة الله - تعالى - في أموال الرعية، ويحذِّر المتعدي عليها بالعقاب يوم القيامة.
الرقابة الخارجية على المال العام في الاقتصاد الإسلامي:
سُميَت بالرقابة الخارجية؛ لكونها تقع خارج نطاق الشخص ذاته وتشمل: الرقابةَ الشعبية ممثلة في الأفراد وأهل الحل والعقد، ومن تطبيقاتها: الرقابة الشعبية التي يمارسها الأفراد، كإنكار أبي ذر على معاوية عامل عثمان على الشام حين بنى الخضراء، فقال له أبو ذر: «إن كنت إنما بنيتها من مال المسلمين فهي خيانة، وإن كنت إنما بنيتها من مالك فإنما هو الإسراف»[20].
دَوْر الخليفة في الرقابة في الاقتصاد الإسلامي:
كان للخليفة دور فعَّال في المحافظة على المال العام إيراداً وإنفاقاً، بل اعتُبر من صميم اختصاصه، لا سيما أن المال العام هو عصب الحياة وقِوامها، وإهمال الرقابة يؤدي إلى انحلال الدولة وانهيارها[21].
وللخليفة وسائل في الرقابة، ذكرها الماوردي واعتبرها من واجبات الخليفة، وهي: ردُّ المظالم، وتقدير العطايا، وجباية الفيء والصدقات، واستكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء، ومباشرة تصفُّح الأمور بنفسه.
أما عن أساليب الخلفاء في الرقابة، فهي وَضْع الرجل المناسب في المكان المناسب وإصدار التعليمات والأوامر للولاة والعمال وتقصِّي الحقائق.
بيت المال ودَوْره في الرقابة:
بيت المال من المصطلحات التي تعدُّ جزءاً من نظام المجتمع الإسلامي، وهو مصطلح إسلامي لم تعرفه الحياة الجاهلية لعدم وجود دولة يقوم عليه الحاكم، بحيث توضع في يده أموال عامة ينفق منها في شؤون المجتمع[22].
ويُعتبَر بيت المال المكانَ الذي توضع فيه الأموال التي هي من واردات الدولة وتُصرَف منه؛ مع ما يتطلبه ذلك من جهاز إداري لضبط الدخل والخرج[23].
الحسبة ودورها في الرقابة في الاقتصاد الإسلامي:
تعد الرقابة إحدى المهام الأساسية في نظام الحسبة، وهي: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فِعْله[24]. ولها دور في الرقابة على المال العام، وذلك من خلال متابعة تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية في المحافظة على المال العام (جباية وحفظاً وإنفاقاً)، ومراقبة العمال والولاة.
ولاية المظالم ودورها في الرقابة:
لقد حَرص الإسلام على رفع الظلم ونصرة المظلومين، والشواهد على ذلك كثيرة، مثل قوله - تعالى -: {إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ} [الشورى: ٠٤]. وولاية المظالم هدفها الأساسي رفع الظلم أياً كان نوعه؛ لقوله #: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة...» الحديث[25].
ولقد عرَّف الماوردي ولاية المظالم بأنها: «قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزَجْر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة»[26].
ولها دور هام في الرقابة؛ فهي تنظر في جوار العمال فيما يحصلونه من أموال، والنظر في تعدي الولاة على الرعية وتطبيق قاعدة: من أين لك هذا؟ والنظر في المرتَّبات والأجور، ورَدِّ الأموال المغصوبة.
الخلاصة:
1 - إن النظام الاقتصادي الإسلامي قد عرَّف الرقابة منذ نشأته الأولى وأحاط بكلياتها ومظاهرها في شمول وفاعلية، لم تصل إليها أنظمة الرقابة الوضعية القديمة أو المعاصرة، وهذا بيت الرقابة الذاتية المبنية على الوازع الديني، والتي تحكم تصرفات أفراد المجتمع المسلم.
2 - إن الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي تتميز بالمرونة والقدرة على الاستجــابة الســريعة والملائمة لكــل ما قد يستجد من متغيرات على المال العام (إيراداً وإنفاقاً) في كل عصر ومكان.
3 - لقد أعطى الإسلام الرقابة الذاتية الأولوية الأولى، وهي تشكِّل رقابة وقائية مانعة ضد الانحراف المالي، وهي ميزة خاصة بالاقتصاد الإسلامي دون الوضعي.
4 - إن فاعلية الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي في تحقيق النتائج والأهداف المنشودة للمحافظة على المال العام، تتوقف على طبيعة القيم والأخلاقيات السائدة وقوة الوازع الديني.
5 - اهتم النظام الاقتصادي الإسلامي بالمال العام ودعا إلى رقابته (إيراداً وإنفاقاً وحفظاً).
6 - الرقابة في النظام الاقتصادي الإسلامي، هي: عملية تقوم بها جهات معينة لمراقبة المال العام (إيراداً وإنفاقاً) وَفْقاً لمعايير الشريعة الإسلامية.
7 - أوجب الإسلام تولية الكفء الصالح الجدير بوظيفة المراقب، ووضع شروطاً معيَّنة فيمن يشغلها على نحو تكفَّل بالمحافظة على المال العام والقيام بمهمة الرقابة على أحسن وجه.
8 - الرقابة على المال العام في الاقتصاد الإسلامي تمتاز بشمولها وتكاملها، ومن ثَمَّ تنوعت إلى رقابة سابقة، وأثناء التنفيذ، ولاحقة، والحديث عنها لا يعني استقلالية كل نوع من الأنواع، بل إن تعدُّد مسمياتها وأنواعها جاء نتيجة للزاوية التي يُنظَر منها.


(*) استاذ الفقه والحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية في النيجر.
[1] ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، 1/424، مادة: «رقب». دار صادر، بيروت، ط1، سنة1955م.
[2] فؤاد العطار، مبادئ الإدارة، ص179.
 
[3] حمدي القبيلات، الرقابة الإدارية على الأجهزة الحكومية، ص3.
 
[4] عيسى الباروني، الرقابة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، ص11.
 
[5] محمد الطاهر، الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي، ص269.
 
[6] أخرجه البخاري في صحيحه، باب: فرض الخُمْس، رقم 3118 والفتح، ج6، ص217.
 
[7] منذر قحف، الإيرادات العامة في صدر الدولة الإسلامية، ص2.
 
[8] ابن تيمية، السياسة الشرعية، ص30.
 
[9] صلاح الدين عبد الحكيم، سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية، ص118.
 
[10] عبد الوهاب خلاَّف، السياسة الشرعية، ص129.
 
[11] ابن رجب، الاستخراج في أحكام الخراج، ص89، 90.
 
[12] قطب إبراهيم، السياسة لعمر بن عبد العزيز، ص137.
 
[13] أخرجه الحاكم في المستدرك، 4/93.
 
[14] محمد سلام مدكور، القضاء في الإسلام، ص22.
 
[15] أحمد أبو سنة، الإدارة في الإسلام، ص89.
 
[16] المرجع السابق، ص93.
 
[17] الطبري، تاريخ الطبري، 4/220.
 
[18] محمد الطاهر، الرقابة الإدارية، ص285.
 
[19] أخرجه مسلم في صحيحه، باب الإمارة، 12/222.
 
[20] نعيم نصير، المنظور الإسلامي للرقابة، ص171.
 
[21] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص3.
 
[22] عبد الرحمن الخطيب، السياسة في الإسلام، ص48.
 
[23] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص3.
 
[24] ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، ص11.
 
[25] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم برقم 2578، 4/1596.
 
[26] الماوردي، الأحكام السلطانية، ص77.