تُعَد بولندا من الدول التي تتوسط شرق أوروبا، وتطل على بحر البلطيق. ظهرت بولندا كياناً مستقلاً في القرن العاشر الميلادي. والمسلمون فيها أقلية، يعود أصلهم إلى قبائل التتار في منتصف القرن الثالث الميلادي. وكانت هذه الدولة إحدى حلقات الاتصال بين (الشرق الإسلامي) و(الغرب النصراني) في القرنين: الرابع عشر، والخامس عشر الميلاديين.
لقد قام النــازيون والشيوعيون أثناء احتـلالهم هـذه الدولــة - خاصة بعد الحرب العــالمية الثانية - بإبادة واضطهـــاد الكثير من المسلمين فيها، وحَرَموهم من ممارسة شعائرهم الدينية، وحَرَموهم أيضاً من ممارسة حقوقهم الإنسانية، وشوَّهوا صورتهم وصورة دينهم الإسلامي الذي ينتمون إليه ويدينون به، وهدمــوا مساجدهــم مــن أجــل أن يقضوا عليهم، وعلى هويتهم الدينية. وكان المأمول من هؤلاء المسلمين في هذه الدولة أنهم يعملون على قَدْر استطاعتهم وفي حدود إمكانياتهم البسيطة المتواضعة على تجسيد هويتهم الإسلامية، وحفاظهم في الوقت نفسه على عدم ذوبانها.
ونحن سوف نبيِّن هنا معالم جغرافية بولندا، وأوضاع المسلمين فيها كأقلية مسلمة نشطة؛ للتعرُّف عليهم ومـؤازرتهم في مختلف همومهم؛ لإعلاء قَدْرهم، ولتحقيق ذاتهم، ولتوطيد عقيدتهم الإسلامية، ولترسيخ وجودهم الإسلامي بها. وهذا في قِوامه أسمى واجب إسلامي نقوم به تجاههم.
معالم جغرافية بولندا:
الموقع الجغرافي:
تقع هذه الدولة في وسط القارة الأوروبية، يحدُّها من الشرق أوكرانيا وروسيا البيضاء، ومن الشمال الشرقي ليتوانيا، ومن الشمال بحر البلطيق، ومن الغرب ألمانيا، ومن الجنوب جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا.
المساحة والسكان:
تبلغ مساحة بولندا حوالي 683, 312 كم2، وعاصمتها (وارسو). ويبلغ عدد سكانها حوالي 38 مليون نسمة. ويقدَّر عدد المسلمين فيها قبل الحرب العالمية الثانية بحوالي 150 ألف نسمة. أما عددهم اليـوم فأصبح يتراوح ما بين 20 إلى 25 ألف نسمة.
اللغات والأديان:
يسود في بولندا عدة لغات، مثل: اللغة التتارية التي كانت تُكتَب في الماضي بالحروف العربية، شأنها في ذلك شأن اللغة التركية والإندونيسية وبعض اللغات الإفريقية. ويستخدم المسلمون البولنديون اللغة العربية لفهم تعاليم دينهم الحنيف واللغة البولندية.
أما الأديان السائدة في أرجائها، فهي: الإسلام، الكاثوليكية، البروتستانتية، الروسية، اليهودية، ثم الأرينية.
المدن الحضارية:
تضم بولندا 617 بلداً، وأكبر مدنها المدن التالية: وارسو، لودز (أكبر مركز للنسيج)، كراكون (تشتهر بآثارها ومبانيها الحضارية)، بوزنان، فروتيسلاف، ميناء جيدانيسك، سيتاليوجرود، أما المدينة الرئيسية في حوض الفحم في سيليزيا فهي شيسين.
التقسيم الإداري:
منذ إعادة التقسيم الإداري عام 1999م والبلاد مقسَّمة إلى 16 مقاطعةً، كلٌّ منها لها برلمانها الخاص، وحكومتها، ولكل مقاطعة رئيسان: واحد معيَّن من قِبَل الحكومة المركزية، والآخر منتخب من قِبَل البرلمان.
النظام السياسي:
عرفت بولندا هذا النظام في القرن العاشر الميلادي. وازدهر هذا النظام نتيجة تطوُّر القبائل السلافية الغربية التي عاشت في الأرض التي تقع شرقي نهر الإلب، بين بحر البلطيق وجبال الكربان. وقد حكم هذه الدولة ميشكوا الأول في الفترة بين 960 - 992م، وكان أساس ملكيتها النظام الإقطاعي. وحَكَمها أيضاً بولسيولن الأول الذي كان يُعرَف باسم المغوار في الفترة ما بين 992 - 1025م. وقام بتوحيدها واستمرت الحروب المتتالية فيها لمدة 16 عاماً ضد الإمبراطورية المقدَّسة.
 لقد عانى الفلاحون معاناة شديدة في ظل الحكومة الإقطاعية، وقاموا بثورتهم الكبرى في 1038 - 1039م، ولكن أُخمدت هذه الثورة بالاستعانة بالقوات الأجنبية. فضلاً عن ذلك قام البولنديون بعدة ثورات مسلحة ضد الغزاة: فمِن تمرُّد حدث في عام 1794، وقلاقل في نوفمبر 1830 - 1831م، وثورة كراكوف في عام 1846م، وثورة أخرى في عام 1848م، واضطرابات في يناير 1863 - 1864م، وقد أدى هذا النضال إلى تقوية عزيمة بولندا.
وارتبطت المعارك فيها من أجل الاستقلال السياسي ارتباطاً وثيقاً بالمطالبة بالحرية الاجتماعية. وانتصرت بولندا على النازيين الذين دمروا العاصمة وارسو، ودمروا معها صروحها التذكارية، ومؤسساتها الصناعية، وآثارها الثقافية، وميادينها الشامخة، وأحرقوا شوارعها، وحطموا منازلها بعنف ووحشية، وجعلوها خراباً، ودماراً. وكان هذا الانتصار البولندي على هؤلاء النازيين في عامَي: 1944 و 1945م. ومن ثَمَّ أصبحت بولندا، دولة ديمقراطية برلمانية.
والبرلمان البولندي يتكون من مجلسين اثنين: مجلس الأعيان (senat) ويضم 100 عضو، ومجلس النواب (sejm) ويضم 460 عضواً، أما رئيس الحكومة فيعيِّنه رئيس الدولة على ضوء نتائج الانتخابات النيابية.
الأحزاب السياسية في بولندا:
أهم هذه الأحزاب:
1 - حزب العمال البولندي المتحد.
2 - الحزب الاشتراكي.
3 - الحزب الشيوعي البولندي.
4 - حزب الفلاحين المتحد.
5 - الحزب الديمقراطي.
وتم اندماج الحزبين: الأول والثاني في المؤتمر الذي عُقِد في ديسمبر عام 1948م. كما جرى التنسيق، والتعاون بين الحزبين: الرابع والخامس مع حزب العمال البولندي المتحد داخل إطار الجبهة الوطنية.
النشاط البشري:
اقتصاد بولندا (صناعي، زارعي)، وتساهم الصناعة بنصف الدخل القومي. وأهم الصناعات البولندية، هي: صناعة بناء السفن، والسيارات، والآلات الكيميائية، وتكرير البترول، والزجاج، والمنسوجات. أما الزراعة فيعمل بها حوالي 32٪ من سكان بولندا. وتشغل نصف مساحة البلاد. ويملك المزارعون 87٪ من الأراضي الزراعية. وتُنتِج 84٪ من الإنتاج الزراعي. وأهم الحاصلات الزراعية، هي: القمح، والشعير، والشوفان، والبنجر السكري، والبطاطس، والخضروات. وتغطي الغابات ربع مساحة بولندا، وتوجد أفضل المراعي في جنوب البلاد. أما الثروة الحيوانية؛ فهي عنصر هام في اقتصادها، ومعظم ثرواتها الحيوانية من الأبقار والخنازير.
كيف دخل الإسلام إلى بولندا؟
يعيش في هذه الدولة حوالي ثلاثة آلاف مسلم، أكثرهم من أصل تتاري كما ذكرنا سابقاً، وعدد المواطنين البولنديين الذين يعترفون بأن جذورهم تعود إلى أصل مسلم يتراوح بين عشرين ألف إلى ثلاثين ألف شخص. جذور هؤلاء جميعاً تعود إلى أُسَر تتارية أو تركية أو فارسية أو حتى إلى جذور عربية قديمة؛ فقد دخل الإسلام إليها عن طريق التتار الذين يمثلون شعوباً تركية أو قبائل مغولية صدرت عن الجمهورية التتارية في شمال القوقاز وبعض أجزاء من سيبيريا. واستقر هؤلاء التتار فيها في أواخر القرن الرابع عشر بعد الميلاد. وكان هؤلاء من الجنود الذين ساعدوا القوات البولندية، والليتوانية المشـتَرَكة في حروبهـا ضـد الفرسـان التوتونيين ثم ضد الغزوات السويدية؛ إلا أن بعض الدول المجاورة هدَّدت الأخيرة في أمنها القومي في عام 1792م، وترتَّب على ذلك أن أخلص التتار كل الإخلاص لعقيدتهم الإسلامية، وأقسموا على القرآن الكريم أمام شيوخهم بأنهم سيدافعون عن الوطن. وظلوا أوفياء بعد ذلك حتى الممات.
ومن ثَمَّ طبَّق هؤلاء التتاريون الشريعة الإسلامية داخل الأحياء الإسلامية، وكانت تمثل الدستور الرئيسي المنظِّم للحياة الدينية لهم، ومركزها المسجد. والإمام باعتباره زعيماً دينياً يقوم بعدة وظائف، تكمن في أنه يؤم المصلين، ويحافظ على المسجد، ويقوم برعايته، ويزوج المسلمين من المسلمات، ويكتب شهادات الميلاد وحالات الوفيات. وتعود أقدم وثيقتين من هذه الوثائق إلى عام 1556م.
حال الإسلام في زمن النازية والشيوعية
لقد عمل كلٌّ من النازيين والشيوعيين - خاصة بعد الحرب العالمية الثانية - على قتل المسلمين البولنديين؛ حيث قتلوا الكثيرين منهم في معسكرات الاعتقال الوحشية التي أعدُّوها خصيصاً لهم؛ لكونهم رفضوا التعاون مع قوات الاحتلال، ودمَّروا بعض مساجدهم، وحوَّلوها إلى مواقف للسيارات، مثل مسجد سلونيم الذي أصبح الآن موقعه في جمهورية روسيا البيضاء. والمسلمون الذين حاولوا منع النازيين من مثل هذه الأعمال العدوانية كانوا يُعدَمون فوراً؛ ولذلك فَقَد المسلمون البولنديون في هذه الدولة قادتهم، ومفكريهم، وأئمتهم، ومعلميهم، وكتَّابهم، وصحفييهم. ومِنْ ثَمَّ عَمَد الشيوعيون إلى منع هؤلاء المسلمين من أن يؤدوا شعائرهم الدينية. وحَرَموهم من ممارسة حريتهم وحقوقهم الإنسانية، وشوَّهوا صورة الإسلام وصورتهم، وتطاولوا عليه، وعليهم بهدف تشكيك المسلمين في دينهم.
وحتى يحقِّق الشيوعيون أغراضهم الإلحادية نحوهم، عملوا على غسل عقولهم بأفكارهم الملحِـــدة مـــن أجـــــل أن يرسِّخوا في قلوبهم الجهل بدينهم، ولتوطيد ركائز التباغض والفُرقة والكُره في وجدانهم من أجل توهين صفوفهم، ومَحْق قوَّتهم. وهذا كلُّه بقصد القضاء عليهم وعلى دينهم الإسلامي؛ حتى لا يمتد هذا الدين إلى المناطق والدول القريبة والمحيطة ببولندا.
تجمعات المسلمين في بولندا:
يقطن المسلمون في هذه الدولة في كروشينياني، ويوخونيكن، ووارسو، وفي مدينة يعاويستوك التي تبعد عن العاصمة وارسوا حوالي 160 كيلو متراً، وفي جدانسك وشينتشين وفي زيلوا تاجرا.
وقد أثَّرت ثقافتهم الإسلامية على محيط بيئتهم الداخلية والخارجية، وعلى المناطق القريبة منهم؛ حيث ترتَّب على هذا أن اعتنق الكثير من أصحاب الأديان الأخرى الدين الإسلامي نتيجة عَدْله ومسـاواته بين الجميع دون أي تمييز بين أي مسـلم وبين أتبــاع الديانات الأخرى بســبب اللـون أو الجنـس أو اللغــة أو الموطــن؛ فالكـل متسـاوون فـي الحقوق والواجبات أمام الله، عز وجل؛ امتثالاً لقوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ٣١]، وقوله - تعالى -: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات: ٠١]، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته الخالدة في حجة الـــوداع: «يا أيها الناس! إن ربكم واحد وإن دينكم واحد؛ كُلُّكم لآدم وآدم من تراب»[1].
صعوبات المسلمين في بولندا:
لقد واجه المسلمون فيها عدة صعوبات خطيرة جداً تتمثل في الآتي:
1 - تكثيف الفِرق المتمسلمة، مثل: القاديانيين، والبهائيين من حملاتهم الدعائية المغرضة ضدهم؛ من أجل أن ينشروا أفكارهم الهدامة بينهم؛ حيث يعجز المسلمون عن التصدي لهم، ولأفكارهم؛ نتيجة قلة إمكانياتهم، ونتيجة عدم توفُّر المعلمين القادرين على مواجهتهم.
2 - قلة عدد المساجد في بولندا، وقلة الدعاة الذين يبصِّرون المسلمين فيها بأمور حياتهم (الدينية والدنيوية).
3 - جَهْل الشباب المسلم في بولندا بدينهم الإسلامي وبمبادئه السمحة التي تقوم على العدل والمساواة والتعاون والتآخي والتعايش السلمي بينهم وبين الآخرين.
4 - وصول المسلمات إلى سن الأربعين، وعدم زواج الكثير منهن من الشباب المسلم، وعدم زواج العديد من هؤلاء الشباب منهن؛ وهو ما أدى بهن جهلاً - مع الأسف - إلى اعتناق أغلبهن الديانة الكاثوليكية، وقبول بعضهن الزواج من أي أحد يتقدَّم لهنَّ.
5 - حالات الاضطهاد المستمرة من قِبَل السلطات الشيوعية؛ من أجل عدم ممارسة شعائرهم الدينية في يُسْر وسهولة، كما يفعل أصحاب الأديان الأخرى.
6 - قلة مصادر الثقافة الإسلامية، والنقْص الكبير في ترجمات معاني القرآن، والنقص أيضاً في المعلمين.
7 - الفقر الشديد الذي لحق بهم، وترتَّب عليه إصابتهم بالكثير من الأمراض التي أعاقتهم عن عدم مواكبتهم لمسيرة العمل والإنتاج.


[1] رواه البزار.