كما يوحي عنوان المقالة، فإن الحديث ينقسم إلى قسمين:

الأول يتناول أبرز الإشكالات البحثية في قضايا الهوية والقيم.

والثاني عن المناهج والمجالات البحثية في تلك القضايا.

الإشكالات البحثية:

في عصر العولمة فإنه لا يسمح لأمة أن تتميز بدينها وهويتها وقيمها تميّزاً يتعارض مع متطلبات العولمة، فضلاً عن معارضتها ومقاومتها؛ فالفكرة الأساسية للعولمة هي البحث عن القدر المشترك بين الشعوب والحضارات وإعادة صياغته بصورة تتواءم مع نتاج الحضارة الغربية.

تسعى العولمة إلى حرث النتوءات وإلغاء التمايزات، ليس وصولاً إلى قدر متوافق عليه بين الجميع، بل وصولاً إلى أقرب نقطة من الحضارة الغربية كمصدر جديد - ودائم - للقيم، وأساس لتعريف الهوية.

من هنا، يكتسب البحث في قضايا الهوية والقيم أهمية مضاعفة، فهو ليس مجرد تثبيت أو ترسيخ لمبادئ دينية، بل هو عملية مقاومة أصيلة ولازمة لأكبر عملية تجريف حضاري يتعرض لها العالم الإسلامي كله في الوقت نفسه؛ هي مقاومة لو تراجعت أو هُزمت، فإن ذلك سيعني أن تفقد الأمة هويتها وتتبدل قيمها.

والمراجعة المتأنية للنتاج البحثي في هذا المجال تكشف لنا الفجوة الهائلة بين الواقع والمطلوب، وفي هذه المقالة نعرض لأهم الإشكالات وجوانب القصور في هذا المجال:

 1- ما يبعث على الاهتمام بالبُعد المنهجي عند التناول البحثي لقضية الهوية والقيم، أمران:

الأول: القصور في المنهجيات المطروحة حالياً لتناول تلك القضايا، كونها تعتمد على الحدس ومخاطبة المؤيدين، وتفتقر إلى القدرة التحليلية المنضبطة والتعمق المنشئ للتصور.

الثاني: عجز المنهجيات المعرفية الغربية عن مواكبة التصور الإسلامي والتماهي مع ثوابته، وينبع هذا القصور أساساً من النزعة الوضعية للفكر الغربي، فهو فكر يعرض تماماً عن الجانب الإلهي للمعرفة.

أحد الإشكالات المنهجية الكبرى في هذا المجال أن المجتمع في الحضارة الغربية منتج للقيم ومستخدم لها في الوقت نفسه، بينما في الحضارة الإسلامية فإن المجتمع يطبّق القيم أكثر مما ينتجها، إذ يستمدها أساساً من مرجعيته الإسلامية المتمثلة في الكتاب والسنة، لذا تبدو الهوة كبيرة جداً عندما نستخدم مناهج غربية لدراسة القيم مع هذا الفارق الأساس بين الحضارتين.

أيضاً من الأمثلة على سلبيات المناهج الغربية أن منتجات الحداثة تتسم بالتشرذم العلمي والمعرفي، فالحضارة الحداثية قسمت الحياة الإنسانية إلى دوائر تخصصية، مثل: الاقتصاد، والسياسة، وعلم النفس والاجتماع، لكنها حررت هذه الدوائر من النتاج التركيبي الذي يجمع بين العلوم.

مثال آخر: من تطبيقات البنيوية أن خبرات الحاضر تؤثر في الطريقة التي نفهم بها الماضي، فكلما تطورت خبرات وتجارب الحياة في مختلف المجالات، فإن تفسير التاريخ يتغير تبعاً لذلك، ولأن الماضي - الذي يتغير فهمه بحسب البنيوية - يستوعب قدراً كبيراً من ثوابت المجتمع ومبادئه، فإن الثوابت الدائمة تتقلص بصورة مستمرة.. وهذه من الأفكار التي تبنّاها سيغموند فرويد.

 2- من الإشكالات الأساسية أيضاً: صعوبة قراءة المجتمع، فنحن أمام ثلاثة أنواع من القراءات يمكن تداولها فيما يتعلق بدراسات الهوية والقيم: (قراءة تاريخية تأصيلية، قراءة التحولات، قراءة المستقبل واتجاهات التغير).

أغلب المتصدّين في الجانب الإسلامي لقضايا القيم والهوية يركزون على القراءة التاريخية التأصيلية، وأقل منهم من يهتم بقراءة التحولات قراءة علمية منهجية، والأقل هم الذي يعتنون بقراءة اتجاهات المستقبل.

3- يمكن التعرف على ملامح للأزمة من خلال الاقتراب من واقع دول الثورات العربية، إذ تثور محاولات وتظهر مبادرات كثيرة لإعادة تعريف الهوية، وإعادة تسمية القيم الثابتة للمجتمع.. هناك صراع حقيقي يدور الآن حول تلك القضية، ومن خلال تحليل الواقع في هذه الدول يمكن أن نلاحظ عدداً من المشكلات المنهجية:

هناك اضطراب اصطلاحي مفاهيمي يبرز بقوة عند التصدي لمصطلحات مثل: الديمقراطية، والدولة المدنية، والدولة الدينية.

توجد مشكلة حقيقية في فرض الإسلام كمصدر وحيد للقيم داخل المجتمع المسلم؛ بسبب اضطراب العقل الجمعي في بلورة موقفه النهائي من وحدانية الإسلام كمصدر للقيم وكأساس لتعريف الهوية، ومع الأسف فإن الجهود التي يقدمها المثقفون الإسلاميون لا ترقى لمستوى الصراع الدائر ولا تحدث تأثيرات إيجابية حقيقية في هذا الصدد، وفي بعض الأحيان تقدم أطروحات عكسية تهمش دور الإسلام في إعادة تعريف الهوية وتحديد قيم المجتمع.

4- أغلب الدراسات التي تتناول قضية الهوية تفتقر إلى الواقعية وتغرق في التنظير وتستغرق في النقد، في حين أن التناول الواقعي يقربنا أكثر من لب الموضوع وحقيقة الأزمة، لنجد أنفسنا أمام ثلاث ظواهر تتعلق بالهوية: (نسيان الهوية، تشوش الهوية، فقدان الهوية)..

وما بين الحالات الثلاث فروقات واضحة يجب أن تنعكس على منهجية التناول البحثي لقضية الهوية.

فالنسيان يحتاج إلى إعادة تذكير، والتشوش يحتاج إلى إعادة تعريف، والفقدان يحتاج إلى إعادة تأسيس..
بذلك نحن أمام «ثلاثة عوارض» تتطلب «ثلاث مهام» بحثية مختلفة متعلقة بالهوية، وهي: التذكير، التعريف، والتأسيس.. وغالباً ما يضم المجتمع فئات متباينة في قناعاتها الثقافية والعقدية، بحيث نحتاج إلى القيام بالمهام الثلاث في الوقت نفسه.

ويظهر الخلل المنهجي في التناول هنا في أمثلة كثيرة، من أبرزها: أن نخاطب إحدى الفئات المجتمعية بالمهمة التي لا تتناسب معها، كأن تكون مثلاً فئة فقدت هويتها بينما نصرّ نحن على التعامل معها بآلية تذكير، فلا تحدث استجابة بالطبع.

باختصار: نحن قد نحتاج في أحيان كثيرة إلى استخدام مناهج عرض الإسلام على غير المسلمين كي نقنع المسلمين عن طريقها بالعودة إلى هويتهم، والرجوع إلى قيم دينهم.

مناهج ومجالات البحث:

بصفة عامة، فإن الحلقات المترابطة بين النظام المعرفي ومناهج التعامل مع مصادر التأسيس والمرجعية (القرآن والسنة)، ومناهج التعامل مع النتاج الفكري (الإسلامي والغربي)، فضلاً عن مناهج التعامل مع الواقع؛ هي من أهم الأمور التي تجعل النظام المعرفي أكثر فاعلية وقدرة على توليد رؤى وتصورات منهجية على شاكلته. ومن المهم أن نشير إلى أن النظام المعرفي واحدة من حلقات موصولة بين النظام القيمي والنظام العقدي.

من هنا، فإن المنهاجية المعرفية التي تفتقر إليها دراسات الهوية والقيم، هي مجموعة المبادئ المعرفية والإجرائية المعتمدة لتوليد مفاهيم وأحكام تصورية.. والمبادئ المعرفية هي مبادئ تقع ضمن إطار الثوابت، أما المبادئ الإجرائية فتأخذ طبيعة وضعية متغيرة.

إذن، المنهاجية المعرفية الإسلامية في بعض تعريفاتها هي صياغة العلاقة بين الثابت والمتغير.

نحتاج إلى أربعة أنواع من الدراسات لسد الخلل المعرفي في قضية الهوية والقيم:

1- دراسات فكرية تنطلق من منهجية إسلامية تعمل في اتجاهين: النقد والبناء.. فهي ترصد دعاوى تحريف الهوية واستبدال القيم، فتكشفها وتسقطها وتحدد آليات المواجهة، كما تعمل على اتباع منهج علمي في عملية البناء المفاهيمي، فتتناول القيم وفق آلية منضبطة متعمقة تتجاوز الاستغراق في الحديث عن الفضل والأهمية، إلى ممارسة عملية تفكيك للمفهوم وإعادة بنائه من جديد وفق خطوات محددة تشمل: تحديد معنى المفهوم، تحديد خصائصه، تحديد العلاقة بين المفهوم وبعض المفاهيم المشابهة أو المقاربة، تحديد شروط المفهوم، تحديد مراحل ومستويات المفهوم، وتوظيف المفهوم.

2- دراسات اجتماعية تتناول الواقع القيمي في المجتمع الإسلامي، وترصد التغيرات والتحولات، وتقرأ التعريفات التي يقدمها المجتمع لنفسه وما يطرأ عليها من تبدلات، وتربط ما بين البُعد التاريخي التأصيلي والواقع؛ ليستكشف المجتمع موقعه من ثقافته وتراثه الحضاري.

وهنا أتقدم باقتراح للباحثين المتخصصين في هذا المجال، وهو أن يتم تصميم مقياس للقيم داخل المجتمع يكون هدفه قياس بُعد المجتمع أو قربه من هويته، ويقيس أيضاً مستوى التمسك بالقيم، وهذا يتطلب أمرين:

الأول: إعادة توصيف الهوية بحسب المؤشرات الاجتماعية الدالة عليها.

والثاني: إعداد قائمة بالقيم التي تمثل الإسلام داخل المجتمع، مع تحديد المؤشرات الدالة على قوتها أو ضعفها.

3- دراسات سياسية تُعنى ببلورة الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى السياسية الإسلامية في الحفاظ على الهوية، وتثبيت القيم داخل المجتمع، من خلال الأدوات السياسية المتاحة.

4- دراسات دعوية تهدف إلى وضع خطط عملية لنشر القيم الإسلامية وترسيخها وحمايتها، كما تهدف إلى تذكير المجتمع بهويته بصورة دائمة.

إذن نحن أمام مشروع بحثي ضخم يتطلب توافر أربعة تخصصات: الدعاة، المفكرون، علماء الاجتماع، والسياسيون.. فمن يتصدَّى لهذه المسؤولية الكبرى؟

:: مجلة البيان العدد 313 رمضان 1434هـ، يوليو – أغسطس 2013م.