رأيته في أحد الحوارات حول بعض الأحكام الشرعية يكرر مرة بعد مرة (لا يمكن أن تقنع الناس بهذا)، وهذا (يقنع الناس بسهولة)، وهو (شيء مرفوض عند الناس).. يعيد هذه العبارات في سياق دعم القول الذي يميل إليه أو إضعاف الرأي المقابل.

لفت نظري تكرار مضمون هذه الكلمة (لا يمكن أن تقنع الناس بهذا) فشدني إلى التفكير فيها:

ما علاقة معرفة (الحكم الشرعي) بكيفية (إقناع الناس) به؟

إن هدف الحوار في الأحكام الشرعية أن تبحث عن الدلائل والبراهين التي تقطع من خلالها أو يغلب على ظنك أن هذا هو الحكم الشرعي، وأن هذا هو المعنى الأقرب لدلائل الكتاب والسنة، وأما إقناع الناس أو بعضهم بهذا الحكم فهو مرحلةٌ تاليةٌ لمعرفة ما هو الحق، فالمطلوب أولاً أن تعرف ما هو الحكم ثم تأتي بعد ذلك الطرق والأساليب الإقناعية المناسبة.

حين تكون مهموماً بـ (كيفية الإقناع) في الوقت الذي لم تحرر فيه الحكم جيداً، فإن الحكم حينها لن يكون تبعاً للدلائل والبراهين، بل سيكون متأثراً بكيفية الإقناع، فيميل الشخص في اختياره إلى ما هو أسهل وأيسر في إقناع الناس وليس إلى ما هو أقرب إلى مقصود الشارع.

يأتي هنا سؤال مشروع يعترض قائلاً:

 إن الحكم الشرعي لا يمكن أن يخالف العقل والمنطق الصحيح، فلو كان حكماً شرعياً حقاً لكان مقنعاً وعقلانياً وظاهراً، ومجيء الحكم على غير ذلك دليل على وجود خلل؟

هذا السؤال يستحضر أن (اقتناع الناس) هو مساوٍ للعقل والمنطق، فما أقنعهم فهو دليل عقلي تام، وما لم يقنعهم فهو باطل، فيجعل وسيلة إقناع الناس هي من قبيل الأدلة العقلية التي لا تخالفها الشريعة، وهذا التصور فيه فجوات هائلة في فهم الدليل العقلي يتضح ذلك بسرد هذه المعاني المهمة:

أولاً:

أن إقناع الناس يتطلب مهارات ذاتية وقدرات فكرية تستطيع من خلالها إيصال الفكرة بوضوح وجلاء، وهذا أمر لا يتهيأ لكل أحد، فليس كل من يعرف الأحكام الشرعية هو متمكن من هذه المهارات ليستطيع إقناع الناس بجميع هذه الأحكام، فعدم القدرة على الإقناع يرجع في حالاتٍ كثيرة إلى نقصٍ في الأدوات وليس إلى خلل في الحكم.

كما أن كثيراً من الأحكام تتطلب علوماً إضافية يتمكن المسلم من خلالها من إقامة البراهين على مصلحة الحكم وفائدته، فمثلاً يستطيع عامة الناس بيان حكمة الشريعة في حرمة الربا، لكن القدرة على إقناع الناس بتحريم جميع صور الربا تحتاج إلى معرفة اقتصادية لا يحسنها أكثر الناس، فعدم قدرتهم على إقناعنا بتحريم الربا راجع لنقص كفاءتهم، فليس من المنهج العقلي السوي أن يحذف المسلم بعض أحكام الربا لأنه لم يستطع إقناع الناس بها، ولك أن تسرح بذاكرتك فتسحب منها أمثلة كثيرة تحتاج في سبيل الإقناع إلى فهمٍ جيد لعدد من العلوم المعاصرة.

ثانياً:

 لا يلزم المسلم أن يبلغ الأحكام الشرعية لجميع الناس في كل زمان ومكان، فمن يدخل في الإسلام حديثاً لن تبلغه بجميع الأحكام الشرعية؛ لأن هذا قد يكون سبباً في تنفيره من الإسلام، وحين تدعو كافراً إلى الإسلام فليس من الحكمة أن تشرح له كثيراً من تفاصيل أحكام الإسلام، فهذه أحكام شرعية ثابتة ولا إشكال فيها، لكن قد يأتيها زمان أو مكان أو حالة معينة تقتضي أن لا تظهر الحكم خشية من المفسدة، ولهذا قال الصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)[1]. وقال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله)[2].

فموضوع الإقناع تراعى فيه الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فهو حالة منفكة تماماً عن تحديد الحكم الشرعي، فهو حكم شرعي ومع ذلك لن تستطيع إقناع فئةٍ من الناس به.

ثالثاً:

أن اقتناع الناس ليس مرتبطاً بالدليل العقلي فقط، بل هو يتأثر بعوامل نفسية وبيئية كثيرة جداً، فقد يعجز المصلح عن إقناعهم بالحكم نظراً لتمكن هذه العوائق وليس بسبب خللٍ في الحكم.

لهذا تجد أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بدلائلها وبراهينها القاطعة لم تكن مقنعة لكثيرٍ من الناس {وَإذَا رَأَوْكَ إن يَتَّخِذُونَكَ إلاَّ هُزُوًا} [الفرقان: 41]، وصارت نظرات السخرية والتندر تلاحق أتباعه عليه الصلاة والسلام {إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ 29وَإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُون} [المطففين: 29-30].

كما أنهم صاروا يعارضون القرآن ويضعون شروطاً كثيرة حتى يقتنعوا {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]، {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]، {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا 90 أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا} [الإسراء: 90-91]، {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15]. ولم تحقق لهم الشريعة هذه الشروط التي يريدون.

فاقتناع الناس تؤثر فيه أهواء وأمراض وشهوات وعادات كثيرة، فاستحضار ضرورة إقناعهم وقت تحرير الحكم الشرعي وبيانه يغبش عين المسلم عن إدراك هذه الحقيقة الناصعة.

لهذا؛ فليس من واجب الدعوة ولا معيار نجاح الداعية أن يؤمن الناس أو يعملوا بالحكم أو يقتنعوا، وإنما هو البلاغ والنصح والبيان {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة: ٢٧٢]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187].

رابعاً:

أن اقتناع الناس يتأثر بشكل كبير بالرفق واللين والإحسان والمعروف، وهذه كلها معانٍ خارجة عن الحكم الشرعي، فقد يرفض بعض الناس قبول بعض الأحكام ثم يقبلونها بسبب حسن تعامل الداعية أو إحسان منه، وهذه كلها معانٍ لا تجعل الحكم حقاً ولا باطلاً، ومع ذلك جاءت بها الشريعة وحثت عليها؛ لأن لها تأثيراً في إصلاح الناس، بما يجعلك تضع قاطعاً يفصل بين (الحكم) و(الاقتناع به).

خامساً:

أن موافقة الشريعة للعقل لا تعني أن تكون كل أحكامها متفقة مع العقل عند جميع الناس، فقد يخفى على بعض الناس شيء من أحكامها، أو تحتاج لبحث أو سؤال أو نظرٍ أو وقت، فتعليق الحكم بموافقة عقل الإنسان هو ضعف تسليم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإشكال حينها ليس مع (العقل)، بل مع رأي هذا الإنسان ومستواه العقلي، لهذا فالمقابلة حينها ليست بين (الشرع) و (العقل)، بل بين (الشرع) و(رأي هذا الإنسان)، هذا مع ما يظنه الإنسان هو العقل، فكيف إن كان متعلقاً فقط بالقدرة على إقناع الناس؟

إذن، لا بد أن يضع المسلم في فكره قاطعاً فاصلاً بين (معرفة الحكم) و(كيفية إقناع الناس) به، وأن قناعات الناس ليست هي الدليل العقلي، بل هي ترتبط بأمور كثيرة خارجة عنه، فلا يصح أن تدخل هذه العوامل في أساس الحكم فتحرفه وتعبث به.

ستقول لي: وما فائدة التأكيد على مثل هذا الكلام؟

في المشهد الثقافي المعاصر نماذج كثيرة لآراء مختلفة مال إليها بعض الناس، ليس بسبب براهينها بقدر أنها كانت (أقرب) و(أسهل) في الخطاب الإعلامي.

فحتى لا يثار موضوع (التمييز الطائفي) صار يقال: لا فرق بين المسلم وغيره في الأحكام السياسية!

وحتى لا يزعجونك بـ (الحريات) تقول الحرية الدينية مكفولة مطلقاً ولو بالردة أو محادة الشريعة!

وحتى تتجاوز إشكاليات بعض الناس مع تحكيم الشريعة تقول هو خيار الناس وسيادة الأمة!

وهكذا يشعر بعض الناس بارتياح ونشوة انتصار حين يتجاوز جميع الإشكالات التي يثيرها خصوم الإسلام، ويتوهم حينها أن هذا الخطاب أقنع وأقدر على نصرة الإسلام، وهو في الحقيقة تحريف وعبث بالإسلام وأحكامه، فدوري أن أقنعهم بأحكام الإسلام لا أن أضع لهم أحكاماً مقنعة أياً ما كانت.

خطابنا الإسلامي المعاصر يواجه إشكالية عميقة وضخمة في كيفية تقديم خطاب إسلامي مناسب مع عدم تجاوز الأحكام الشرعية، لأنه في النهاية محاصر بترسانة إعلامية غربية معادية ومتربصة للعاملين للإسلام، تقف في ذيلها قوى ليبرالية وعلمانية أشد عداوة وتربصاً، إلى ركام عميق من التغريب والإبعاد عن هوية الأمة، وهذه كلها تحديات، يسلك كثير من الناس مسلك السلامة فيكتفي بتصوير الأحكام الشرعية بما لا يثير الثقافة الغربية وبما لا يزعج التيارات الليبرالية والعلمانية، وهي طريقة وإن تظاهر أصحابها بالاجتهاد والعقل والتجديد إلا أنها – في الحقيقة - طريقة كسولة لا تتجاوز إعادة تسويق للمنتجات الغربية، بينما الاجتهاد والتحدي الحقيقي هو في المحافظة على الثوابت الشرعية والاستمساك بها وتقديم خطاب مقنع وعقلاني ومتماسك في ظل جو يعاديه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

الإشكال العميق أن خطاب (الإقناع) صار – عند بعض الإسلاميين - إقناعاً يراعي المزاج المناسب للفضاء الإعلامي، فتجد بعض الإسلاميين يبدو في غاية الحرص على أن لا يخدش أي حاجزٍ يزعجهم، ويسعى لتقريب الأحكام إلى أقرب مساحة ممكنة ترضيهم، ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يقتصر على الخطاب المشترك وإن أتت المفاهيم الدينية نطق فلا يكاد يبين! فيستحضرون هذه (الشرذمة) المنافية لهوية الأمة وثقافتها وينسون عموم الناس وجماهير المتعلمين الذين ينتفعون ويتعلمون ويتأثرون ويميلون عادة إلى اتباع أي حكم ظهر لهم أنه هو حكم الشريعة، غير أن مراعاة أمزجة هذه (القلة) تكف أعين بعض المتحدثين عن استحضار عموم الناس وقت الخطاب.

إن ثمّ تغيرات وضرورات في الواقع تقتضي عدم القدرة على تطبيق كل الأحكام الشرعية بما يستدعي التدرج في بعضها، وتأجيل بعضها، ومن المهم في هذه الجزئية أن لا يكون العجز عن بعض الأحكام سبباً لتحريف الحكم بالكلية مراعاة لخطاب الإقناع، كما يمارسه – للأسف - بعض الإسلاميين، فالشريعة حسب خطابهم تكفل حرية الرأي مطلقاً ولو صادمت أصول الإسلام! ولا إلزام في أحكام الشرع إلا برضا الناس واختيارهم؛ لأنه لا إكراه في الدين! ومن حق المرأة أن تلبس ما تشاء!... إلى آخره من مثل هذه الأقوال الشائعة التي تراعي تقديم خطابٍ مقنع منسجم مع المزاج الإعلامي والسياسي، لكنها - وبكل وضوح - تفتري على الله الكذب {وَلا تَقُولُوا لِـمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116].

هل في كل هذا أي تهوين من أهمية إقناع الناس؟

كلا، بل يجب على دعاة الإسلام أن يفكروا كثيراً في كيفية إقناع الناس، ويجتهدوا غاية الاجتهاد في تحديد المداخل المؤثرة في إقناع الناس بالحكم الشرعي، ويستفيدوا من المهارات والأدوات المعاصرة كافة، لكن هذا كله يجب أن يكون إقناعاً بالحكم لا تحريفاً للحكم بسبب ضغط الواقع حتى يقتنعوا، وهذا هو الخطاب الأقرب لمقصود الشريعة والأوفق لجميع كلمة الأمة وتوحيد رايتهم، وأما مراعاة المزاج السياسي والإعلامي واستحضار الفئات المعادية للإسلام ومحاولة جذب الاستحسان الغربي؛ فهو أحد المداخل الأساسية المهمة التي يلج فيها الإنسان المعاصر إلى تحريف الشريعة والعبث بها ولو كان في نفسه فاضلاً أو حسب أنه بفعله هذا قد خدم الإسلام وأحسن صنعاً.

:: مجلة البيان العدد 305 محرم 1434هـ، نوفمبر 2012م


[1] أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (127).