العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان معقدة بدرجة كبيرة؛ فبقدر ما تحتاج أمريكا إلى باكستان فإنها تتخوف منها ومن مستقبلها الغامض، وهي المعادلة ذاتها التي تنظر من خلالها إسلام أباد لواشنطن؛ فهي بقدر ما تحتاجها اقتصادياً وعسكرياً فإنها تشعر تجاهها بالرهبة والخوف من انتهازيتها السياسية وتقلباتها غير المضمونة. ومن أكثر العلاقات التي تشكِّل محوراً ذا أوجه متعددة لعلاقاتهما المعقدة الحرب على ما يسمى بالإرهاب؛ حيث ترى الولايات المتحدة في باكستان حليفاً مهماً في هذه المنطقة التي تشكل في منظورها مرتعاً ومفرخاً للتنظيمات المسلحة وفي مقدمتها تنظيم القاعدة. ومع هذه الأهمية التي تحتلها باكستان باعتبارها رأس الحربة الأمريكية في هذه الحرب، إلا أن الولايات المتحدة يساورها القلق من أمرين اثنين: الأمر الأول: يتعلق بما تبديه باكستان وتنجزه حقيقة في مجال الحرب على «الإرهاب» في مقابل ما تتلقاه من أموال ومعونات اقتصادية وعسكرية هائلة، خاصة من قِبَل مؤسسة الجيش التي تعد أقوى مؤسسة سيادية في باكستان؛ حيث يساور الشك الإدارةَ الأمريكية في حقيقة دور هذه المؤسسة، وتعتقد أنها تقوم بدور مزدوج؛ فهي من ناحية ظاهرية إعلامية تدعم التوجهات الرسمية للدولة بمواجهة التنظيمات المسلحــة، وفي الوقت ذاته تحتفظ بعلاقات خاصة مع بعض هذه التنظيمــات - خاصة طالبان أفغانسـتان - لا تجعلها تذهب بعيداً في مواجهتهـا، سـواء على أراضيها أو على الأراضي الأفغانية. الأمر الثاني: يتعلق بالقدرة الحقيقة لباكستان في مواجهة المخاطر المحتملة والناجمة عن تمدُّد هذه التنظيمات، خاصة المحلية منها، وترى أن سقوط إسلام أباد في يد طالبان باكستان أو جهات حليفة لها أيديولوجياً كتنظيم القاعدة، يعني وراثة هذه التنظيمات للنـووي الباكستاني، وهو ما سيرفع معدَّل نشوب حرب كارثية مع نيودلهي التي لن تقف مكتوفة الأيدي حيال هذه التطورات. باكستان من ناحيتها تتخوف من تقلبات السياسة الأمريكية؛ من ناحية غموضها في بعض الأحيان، وكونها برغماتية بصورة لا تُطمئن الحلفاء؛ فهي قد استغنت عن الرئيس السابق برفيز مشرف ولم تطرف لها عين؛ رغم كل الخدمات التي أسداها لإدارة الرئيس جورج بوش. أما ناحية التخوف الثانية، فتتركز في أن هذه البراغماتية ربما تدفعها مستقبلاً لعقد نوع من الصفقات مع هذه التنظيمات - خاصة طالبان أفغانستان - بمعزل عن الحكومة الباكستانية التي ستُترك حينها في مهب العاصفة، وتحت غضب هذه الجماعات بعدما تُخْلي الولايات المتحدة جنودها وعسكرها من المنطقة. وثمة إرهاصات تشعل هذه المخاوف الباكستانية، وفي مقدمتها المؤتمر الذي استضافته العاصمة البريطانية لندن، والذي ناقش المؤتمرون فيه إمكانية دمج طالبان في النسيج السياسي لأفغانستان، وتواردُ تصريحات المسؤولين في الإدارة الأمريكية حول رغبتهم في فتح قنوات للتفاوض مع حركة طالبان؛ لإنهاء عمليات المقاومة مقابل مغريات سياسية. أضف إلى ذلك أن ممارسات الولايات المتحدة العسكرية في مواجهة التنظيمات المسلحة لا تأخذ بعين الاعتبار المآلات والمخلفات الكارثية التي سترثها الحكومات المتحالفة معها، خاصة ضرباتها الجوية في المناطق القَبَلية التي تقذف بزعماء هذه القبائل في أحضان الجماعات المسلحة المناوئة والمعارضة للحكومة المركزية. إزاء هذه المخاوف والشكوك من قِبَل الطرفين تجاه بعضهما، تحركت باكستان في اتجاه تقليص مفاعيل التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والوصول به إلى الحد الذي لا يضمن تورطها كثيراً، ويصنع لها خطوط رجعة آمنة إلى حد ما. الخطوات الباكستانية تتمثل في أمرين اثنين: الأمر الأول: تمثل في التوجه ناحية بناء تحالف إقليمي يعنيه أمر مواجهة هذه التنظيمات المسلحة بصورة تشاركية فاعلة، ووقع اختيارها على إيران وأفغانستان وتركيا؛ فالأُولَى صُفعت عدة مرات في الآونة الأخيرة من قِبَل تنظيمات تتخذ من باكستان مقراً لها، مثل: جماعة جند الله السُّنية، ومن ثَمَّ يعنيها أن تتخذ من الإجراءات ما يمنع من تمدُّد هذه الجماعات وممارسة نشاطها في دول الجوار. وأفغانستان بطبيعة الحال يهمها جيداً التعاون مع باكستان في مجال مكافحة ومواجهة هذه الجماعات، على اعتبار أنها تشكِّل التحدي الأبرز أمام حكومة الرئيس حامد كرزاي، ولن تفلح مواجهتها أو حتى دمجها والتصالح معها إلا بتعاون وثيق مع باكستان. أما تركيا، فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تشارك بقوات في أفغانستان، ولكنها ترفض بشدة القيام بأية مهام قتالية ضد طالبان، كما أنها تحتفظ بخطوط اتصال فعالة مع هذه الحركة تعود إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، وتحظى بقبول عام في أفغانستان، وهو ما جعلها أحد الفاعلين الموثوق بهم في أفغانستان، والدولة الأكثر مصداقية والقادرة على التقريب بين أفغانستان وباكستان لتسوية الخلافات بينهما؛ كونها لا تملك أية أطماع استعمارية في المنطقة، ولكن يعنيها بشدة تمدُّد نفوذها السياسي. ومن هنا يمكن فهم وقراءة الاجتماع الثلاثي بين وزراء خارجية باكستان وإيران وأفغانستان بإسلام آباد، وهو الثاني من نوعه، والذي أعلنت باكستان أنه يهدف إلى إعداد وتنفيذ مشاريع في مجال التعاون الإقليمي والعمل على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. فقد شدد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، خلال الاجتماع الذي عُقِد منتصف شهر يناير، على ضرورة تبنِّي ما سماه بالتوجه الإقليمي لتسوية الأزمة في أفغانستان، موضحاً أن إيران وباكستان تتحملان أكثر من أي بلد آخر، تبعات الأزمة في أفغانستان؛ لا سيما فيما يتعلق بانعدام الأمن[1]. وتحت هذه المظلة كذلك يمكن قراءة أهداف اللقاء الثلاثي الذي جمع رؤساء أفغانستان وباكستان وتركيا، في يناير الماضي؛ حيث يعوَّل على تركيا تذويب الخلافات (الأفغانية، الباكستانية) بمعزل عن الولايات المتحدة المطعون في نزاهتها، بسبب أطماعها في المنطقة. كما يمكن لتركيا القيام بدور حيوي في التفاوض مع طالبان لمصلحة الدولتين (أفغانستان وباكستان)، كبديل عن الولايات المتحدة، اعتماداً على القبول العام لها من قِبَل حركة طالبان، وهو تقريباً الدور ذاته الذي يمكن أن تقوم به المملكة العربية السعودية التي استقبلت الرئيس الأفغاني حامد كرزاي عقب انتهاء مؤتمر لندن. الأمر الثاني: يتعلق برغبتها في التنصل وتقليص التعاون خارج القطر الباكستاني، وتفكيك عملية مواجهة هذه الجماعات؛ بحيث يقتصر تعاونها مع الولايات المتحدة على الأنشطة الخاصة بها على أراضيها فقط، ومن ثَمَّ تتخلى عن مواجهة طالبان أفغانستان، والقاعدة والتنظيمات التي تنشط خارج حدودها، بدعوى أن جيشها منهمك بمهمة قتال طالبان الباكستانية ولا يستطيع فتح عدة جبهات في الوقت نفسه. وباكستان تريد من ذلك أن تحقق عدة أهداف مجتمعة، في مقدمتها تقليص التعاون مع الولايات المتحدة، والحفاظ على خطوط رجعة مع طالبان أفغانستان كحليفة محتملة لدى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان. كما أن وجود طالبان الأفغانية يشكِّل في حقيقة الأمر أهمية سياسية متعاظمة لدى باكستان من جهة أنها تتصدى للنفوذ المتزايد للهند غريمتها التقليدية في أفغانستان. وقد تواترت على هذا المعنى تصريحات عدة قيادات سياسية باكستانية؛ فالرئيس آصف علي زرداري، لدى تعليقه على استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة تجاه أفغانستان قال: إن باكستان متعهدة بتعزيز الأمن والاستقرار في أفغانستان، ويجب على الولايات المتحدة أن تظل حساسة تجاه مصالح باكستان الوطنية الرئيسية ومخاوفها. مؤكداً أن حرب أفغانستان يجب أن تكون محدودة وأن تدور على أراضي أفغانية فقط[2]. أما وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قرشي، فقد صرح أيضاً بأن حرب أفغانستان يجب أن تظل دائرة داخل أفغانستان وألا تمتد إلى باكستان. وذلك على هامش مؤتمر دولي في أبو ظبي حول البلدين، وقال: إن حرب أفغانستان يجب أن تدور في أفغانستان، وينبغي عدم التعامل مع التحديات التي تواجه أفغانستان بالاعتماد على باكستان[3]. أما الولايات المتحدة، فقد أدركت الطموحات الباكستانية جيداً، ومن هنا جاء تحرُّك وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس على محوري: الهند وباكستان؛ فزيارته للهند منتصف شهر يناير 2010 كانت - فيما يبدو - بدافع جذبها إلى محور إقليمي جديد؛ يعمل كبديل عن المحور الثلاثي الذي صنعته باكستان مؤخراً، على اعتبار أن بعض الجماعات المسلحة على الأراضي الباكستانية - منها عسكر طيبة - تنشط في مواجهة الهند على وجه الخصوص. وقد تُفْهَم، هذه الزيارة، في سياق المخاوف من انقلاب التوتر بين الهند وباكستان إلى صراع عسكري، خاصة في حال وقوع هجمات جديدة انطلاقاً من إسلام أباد ضد نيودلهي، والذي قد يؤثر بدوره مباشرة على التركيز تجاه الملف الأفغاني والحرب على ما يسمى بالإرهاب. أما عن زيارته لباكستان (وهي الأولى منذ تولي الرئيس باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة العام الماضي)، فإن عناوينها كانت واضحة للغاية، أبرزها: توجيه رسالة تهديد لا تخطئها العين لقادة باكستان؛ حيث أعلن أن الهند لن تضبط نفسها إذا تعرضت إلى هجمة جديدة كتلك التي وقعت في مومباي عام 2008، والتي أُلقيت المسؤولية عنها على مسلحين انطلقوا من باكستان في هجماتهم التي قُتل فيها 160 شخصاً، وقد جُمِّدت إثر ذلك محادثات السلام بين البلدين اللذين خاضا ثلاثة حروب منذ استقلالهما عن بريطانيا. أما الرسالة الثانية: وكانت صريحة كسابقتها؛ فهي رسالة طمأنينية إلى قادة باكستان بشأن استمرار أمريكا في الحرب على «الإرهاب»؛ حيث صرح غيتس لدى وصوله المطار الباكستاني بأنه سيؤكد لمضيفِيه الباكستانيين أن الولايات المتحدة ماضية في مكافحة «الإرهاب» إلى مسافات طويلة، وشدد على التزام واشنطن بمساعدة باكستان[4]. الرسالة الثالثة: كانت بمثابة بيان عن استراتيجية الحرب الطويلة ضد هذه التنظيمات المسلحة، والتي تريد الولايات المتحدة صهرها كلها في بوتقة واحدة، دون فصل بينها، على أن تكون مواجهتها من خلال التعاون الإقليمي الوثيق بين أفغانستان وباكستان، وربما الهند بعد ذلك. وقد ضمَّنها غيتس في تعليق له في صحيفة «نيوز» الباكستانية، مشيراً إلى أن طالبان الباكستانية تعمل بالتنسيق مع كلٍّ من طالبان الأفغانية وتنظيم القاعدة؛ ولذلك من المهم عدم الفصل بين تلك الجماعات، وأن الملاذات الآمنة لطالبان (الأفغانية والباكستانية) على جانبي الحدود ستؤدي على المدى الطويل إلى وقوع هجمات أكثر جرأة وأكثر دموية في البلدين. أي إن رؤية الولايات المتحدة الاستراتيجية في الحرب على الجماعات المسلحة تنطلق من رَفْض الفصل بين طالبان الباكستانية والأفغانية، وضرورة الضغط على الحركة على جانبي الحدود، وهي الرؤية التي تتعارض وتصطدم بالرؤية الباكستانية التي قاومت الضغوط الأمريكية لمهاجمة طالبان الأفغانية في الجيوب الحدودية؛ لأنها لا تشن هجمات داخل باكستان، بل تعبر الحدود لتقاتل القوات الأمريكية داخل أفغانستان. وهذه الرؤية الأمريكية تتسق مع رغبتها في تشكيل تحالف إقليمي تشكِّل الهند أحد أركانه، بالإضافة إلى أفغانستان وباكستان؛ حيث صرح غيتس، في مقاله المشار إليه آنفاً، بأن الجماعات المسلحة في جنوب آسيا (طالبان في أفغانستان وباكستان، وجماعة عسكر طيبة المستقرة في باكستان) تنتظم في سياق مجموعة من المسلحين المنظمين الذين يهدفون إلى قلب الاستقرار في مجمل المنطقة وإثارة النزاع بين الهند وباكستان على وجــه الخصــــوص، وهــو ما يعني ضرورة مواجهتها بتحالف إقليمي مضاد. والذي يبدو من هذا السياق لموقفي باكستان والولايات المتحدة من الحرب على «الإرهاب»، أن الهوَّة ربما تتسع مستقبلاً بينهما، وقد تضطر الولايات المتحدة لتغيير تحالفاتها في المنطقة، أو ممارسة ضغوط نوعية لا تقوى باكستان على مواجهتها، وفي المقابل ستبحث باكستان عن مخارج لا تورِّطها كثيراً في هذه الحرب التي لا تبدو في الأفق القريب نهاية لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] الجزيرة: 16/1.  
[2] مفكرة الإسلام: 16/1.  
[3] مفكرة الإسلام: 16/1.  
[4] هيئة الإذاعة البريطانية: 21/1.