يسلط هذا المقال الضوء على اقتراح بفكرة عن المراكز الوقفية لرعاية الموهوبين والعباقرة الشباب، تحاول أن تكمل دور وزارات التربية والشباب والرياضة وسائر الهيئات التي ترعى الشباب، وهي تنطلق من فكرة مبسَّطة أساسها السؤال التالي:

كيف يتم احتواء وإرشاد وتوجيه ورعاية الشباب الموهوب في المجالات المختلفة؟ وكيف يتم توجيه جهوده نحو خدمة المجتمع وتحقيق إضافات علمية واختراعات وابتكارات؟ ومن ثَمَّ توثيق هذا، وإيجاد الحافز والدافع لدى الشاب الموهوب حتى لا تأكله مشكلات الحياة، وهمومها، ومن ثَمَّ تتلاشى مواهبه أو تظل دون صقل أو رعاية، وتضيع على المجتمع عقول لو تمكنت وأخذت فرصها لغنم المجتمع كثيراً جداً، ويكفي أن هناك بعض الدول الغنية والمتقدمة تعيش على ريع اختراع واحد أو اختراعين لأبنائها، وأن هناك دولاً حلت مشاكلها العويصة بأفكار أبنائها البسطاء الذين يعيشون الهمَّ المجتمعي، ويفكرون في سبل الحل، بدلاً من استيراد الحلول من الآخرين مقابل أموال طائلة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الفكرة التي تحمل اقتراحاً محدداً، وهو: تأسيس مراكز وقفية لاكتشاف المواهب ورعايتها وتبنيها، وفي حالة تطبيقها ونجاحها يمكن تطوير الفكرة، ونقلها إلى سائر الدول العربية والإسلامية. 

تعاني الفئة العمرية من سن الثامنة عشرة سنة إلى سن ثلاثين سنة تهميشاً واضحاً، وعدم رعاية من قِبَل المعنيين في كثير من القِطاعات التربوية؛ حيث نلاحظ في الواقع الفعلي ظواهر كثيرة؛ فمن المعروف أن المواهب تُكتَشَف لدى الشباب في سن مبكرة، تبدأ عادة من سن الرابعة عشرة أو ما قبلها بقليل، وهو سن تكوين الشخصية، وبروز ملامحها، ومعرفة اتجاهاتها، صحيح أن الموهبة لا تظهر بشكل فاعل في هذه السن، ولكن تبدو طلائعها مبكراً، وتحتاج إلى المزيد من الرعاية والاهتمام من قِبَل القائمين على رعاية الشباب والطلاب. فهذه السن سن انطلاق وانفتاح على العالم والمجتمع، والرغبة في التغيير. ومن هنا تبدو كثرة الأفكار لدى الشباب، وهي أفكار تكون متحسسة لهموم ومشاكل مجتمعه وأبناء جيله، وقد تكون متكررة أو متشابهة، ولكننا سنجد المخترعين والموهوبين والابتكاريين، الذين هم في أمسِّ الحاجة إلى المتابعة والرعاية والتوجيه.

ولا بد أن نسلم أن توجه التربية الحديثة في رعاية الموهوبين واكتشاف العلماء ينظر إلى حصيلة العملية التربوية بدرجة: كم مخترعاً وموهوباً يمكن اكتشافه في كل مليون نسمة؟ أي أنه يسلِّم بقدرات البشر بشكل عام، ويركز على سبل الاكتشاف، والرعاية والصقل، والاستفادة والتطوير، والإضافة العلمية والابتكارية والبحثية والاختراعية. في حين أن الواقع الفعلي يشير إلى أن هناك أزمة في المجتمعات العربية والمسلمة؛ فهناك عدم اهتمام واضح بالموهوبين والحالمين لدى فئة الشباب، وتكاد البرامج الموضوعة تقف عند الحدود الورقية أو التطبيقات الاحتفالية أو الرعاية المحدودة في أحسن الأحوال.

 وهذا نجده واضحاً في قطاعين معنيين برعاية هذه الفئة بداية، وهما: قطاع الشباب، وقطاع التربية والمدارس. فقطاع الشباب لا يمتلك البرامج والأنشطة والآليات والمراكز المخصصة لرعاية الموهوبين، وتكاد تكون برامجه مقتصرة على الرياضة وبعض الأنشطة الثقافية، وتظل الرعاية العلمية محدودة غالباً؛ خاصة أنه لا توجد مراكز رعاية الموهوبين تحت إشراف متخصصين تربويين وعلماء وخبراء للشباب، وإنما تخضع في نهاية الأمر إلى موظفي الشباب والرياضة.

كما أن جهود وزارات التربية في رعاية الموهوبين في العلوم والفنون والبحوث، تتوجه بالدرجة الأولى إلى طلاب وطالبات المدارس المتوسطة والثانوية، وهي جهود ترتهن في مجملها بالخطة السنوية لقطاع الأنشطة المدرسية ومسابقاته، ولا تسعى في نهاية الأمر إلى اكتشاف المواهب مبكراً، ومن ثَمَّ رعايتها، بل يكون هدفها حصول المتسابقين على الجوائز والكؤوس التي تقتصر في نهاية الأمر على حفل بسيط، وكأس للمدرسة وهدية للفائز.

فتظل المشكلة عالقة، فلم يجد الشاب الموهوب الرعاية الكافية في مدرسته، نظراً لعدم وجود حصص وبرامج إثرائية واضحة في المنهج المدرسي، وعدم وجود رعاية ومتابعة بشكل دائب من قِبَل القائمين على رعاية المتفوقين في المدارس أو الوزارة، وهذا واقع فعلي. وتكون النتيجة إذن: غياب متابعة الموهوب بشكل علمي ومنهجي، وهي متابعة تهدف إلى تنمية قدراته، وصقل مواهبه، والتعرف على جهوده الابتكارية والإبداعية، ومن ثَمَّ يصاب الموهوب بالإحباط، وغالباً ما ينزوي مع الهموم الحياتية ومشاغلها. ومن ثَمَّ تكون المحصلة: حرمان المجتمع من كمٍّ هائل من المبدعين والموهوبين، وحرمان الموهوب نفسه من تطوير ذاته، ومن ثَمَّ يصبح شخصاً عادياً محبطاً، ويحبط الآخرين من حوله.

والأمر نفسه في الجامعات والمعاهد العليا والتطبيقية، تظل رعاية المواهب غير ممنهجة ولا مبرمجة، والبرامج الجامعية الموجهة تخضع لموظفين وليس لخبراء وعلماء متخصصين، وغالباً ينشغل الطلاب بدراستهم الجامعية، وهي دراسة قد تتفق أو لا تتفق – غالباً – مع ميولهم ومواهبهم؛ لأنها خاضعة لاعتبارات المجموع والنسبة التي نالها الطالب في الثانوية العامة، ومنها تحددت كليته أو معهده. فتظل الموهبة لدى الطالب الجامعي في بدايتها، دون صقل أو توجيه يراعي الاستفادة منها، ومن ثَمَّ تطويرها بشكل فاعل، وتنمية قدراتها. خاصة أن مقياس التعيين الجامعي في السلك الأكاديمي خاضع لاعتبارات الدرجات أيضاً لا الموهبة والاجتهاد، وكثير من الموهوبين قد لا يكونون فائقين علمياً في دراستهم، ولكنهم عباقرة في مجالات أخرى.

وإذا لم تتوافر الرعاية في فترة المرحلة الثانوية وفي مرحلة الجامعة فإن الطالب سينشغل بهموم الحياة: من عمل وزواج وأسرة، ومن ثَمَّ تقل لديه فرص السعي لتحقيق مواهبه، وصقلها، وتنميتها.

إزاء ما تقدم، فإننا نطرح حلاً لمشكلة تؤرِّق المجتمع، وتمثل هاجساً ملحّاً لدى صانع القرار التربوي، وهو هاجس: أين العلماء والمبدعون وقادة المستقبل؟ لماذا يذوبون في الحياة ويتلاشون بسرعة؟ لماذا لا يبقى إلا القليل الذي يتحمل القهر النفسي والإحباط المجتمعي، وغياب التشجيع، وعدم توثيق الاختراعات وتسويقها؟

إن الأموال الضخمة التي تنفق على استيراد الخبراء الأجانب، وهم بعيدون عن تقاليدنا ومشاكلنا وهويتنا الحضارية، هذه الأموال لو أُنفِق خُمسها في رعاية الموهوبين العرب لأسسنا قاعدة علمية وتربوية عظيمة، تغذِّي بعضها بعضاً، وتحدث حَراكاً مجتمعياً وعلمياً، وتأخذ بأيدي الأجيال التالية من بعدها.

ويكفي أننا لو اكتشفنا ألف موهوب في قطر مسلم مَّا وبعد الصقل والتدريب والرعاية المستمرة، خرج لدينا مئة موهوب أو خمسون منهم، وهذا في كل سنة أو حتى خمس سنوات، وهؤلاء النخبة يتم التعريف بهم محلياً وخارجياً وتبنِّي اختراعاتهم، كيف سيكون شكل الدولة بعد عشرين سنة أو أكثر؟ سيصبح مجتمعَ الموهوبين، وسيكون هؤلاء خبرات كبيرة تأخذ بأيدي اللاحقين.

مراكز رعاية الموهوبين:

وهذا هو الحل المقترح من جانبنا، وهو نابع من تأمُّل واسع لحال كثير من المواهب التي ضاعت وسط خضم الحياة ومشاكلها، ويمكن تخيل فكرة هذه المراكز بمواصفات عدة؛ حيث تكون مراكز وقفية التمويل، وتقبل التبرعات والهبات من الأفراد والمؤسسات، وتخصَّص لها أموال ثابتة من أوقاف خاصة بها. فتكون مستقلة الإدارة عن الجهات الحكومية، ولكن تسعى للمشورة والاستعانة بالخبراء من سائر الجهات، واستقلالها الإداري نابع من استقلالها المادي، وهذا يمنحها ديناميكية وحركة وفاعلية، للنهوض بالشباب.

 أيضاً يكون لديها خبراء متعاونون مع وزارة التربية والمدارس ومراقبات الأنشطة المدرسية لاكتشاف المواهب والعباقرة المبكرين، ومن ثَمَّ يتم إرشادهم وتبنِّيهم في هذه المراكز. حيث توفر هذه المراكز الأموال والدعم الكافي للموهوبين، على أن يتم تدريبهم على العمل بروح الفريق، لا الفردية. ويكون العمل محدوداً بخطة سنوية أو فصلية، وهي مؤسسة على مشروعات علمية وفنية واضحة المعالم، يتم تنفيذها، ومراقبة القائمين عليها؛ حتى لا تكون مجرد ديكور دون نتائج وفاعلية. وتخضع إدارتها الفنية والتربوية لعلماء وتربويين متخصصين في رعاية الموهوبين والعباقرة، ويمكن أن تكون هذه الجهات مرتبطة بمراكز علمية وإثرائية في الخارج من أجل تطوير الفكرة، ومناقشة أبرز إنجازاتها، حتى يعلم الموهوب حجم موهبتـه وأين يقف - تحديداً - في العالم. وأيضاً يمكن أن تكون على صلة بالجامعات والعلماء ووزارات التربية وقِطاعات الشباب والأندية وغيرها.

ونقترح أن تشمل أنشطة هذه المراكز - مثلاً - ثلاث مجالات رئيسية:

• الأنشطة العلمية: في الفيزياء والحاسوب والكيمياء والبيولوجيا... وما يتفرع عن ذلك من أنشطة وهوايات.

• الأنشطة الفنية: الفنون التشكيلية والمرئية والمسموعة، مثل فرق التمثيل والإنشاد والتأليف الفني والديكورات وغيرها.

• الأنشطة الأدبية: الشعر والقصة والرواية والتأليف وغيرها.

إن عمل هذه المجالات مكمِّل لبعضه بعضاً، ويكون تحت رعاية خبراء وعلماء، كلٌّ في مجاله. ويمكن إقامة مهرجان كبير، أو حفل، لعرض المشروعات العلمية والأنشطة الفنية والأدبية.

وأخيراً، لقد جاء هذا المقترح بهدف إنقاذ علماء المستقبل، وعباقرة المجتمع من الإحباط، وتعويض أوجه النقص والقصور لدى كثير من الهيئات المعنية بالشباب.

فأدعو الله أن تتم الاستضاءة بهذه الفكرة، من أجل نهضتنا الحضارية والعلمية المباركة إن شاء الله.