أين الولايات المتحدة من الحوثيين؟

أين الولايات المتحدة من الحوثيين؟


 لا يغيب عن البال أن ما بين الأخطار المهدِّدة لأمتنا العربية علاقات جدلية ومساحات رمادية يصعب في ضبابيتها قراءة خرائط التحالفات والصراعات في المنطقة على نحو دقيق.

لكن ما قد كان ضبابياً في السابق انقشعت عتمته مؤخراً مع سلسلة من الأحداث والمواقف والتوافقات بين قوى تبدو لأوَّل وَهْلة متعارضة بينما تتشابك أياديها تحت طاولة المفاوضات، وتبدو الصورة أكثر جلاءً من ذي قبل؛ إذ الشواهد متزاحمة قبل إسدال ستارة النهاية.

إن الصراعات كثيراً ما تأخذنا إلى غير المكان الذي نريده، وتحليلات المشهد السياسي تقوم بالشيء ذاته؛ حيث يفضي الاعتقاد أحياناً إلى أنَّ النظر إلى بطء الفعل الأمريكي، هو نوع من استعجاله، أو هو مرادف مألوف للتعويل عليه، وبناءً على ذلك يجد المرء نفسه مدفوعاً إلى أهمية التمييز ما بين تحليل الموقف، والوقوع في الاستقطاب الذي قد يراه الانهزاميون اضطرارياً في المنطقة، ولا يجد المستقلون أنفسهم مشدودين إليه، لا.

بل يرونه نوعاً من تأجيل الهزيمة أو الاختيار الطوعي للعبودية.

حقاً، لا ارتباط مطلقاً بين التحذير من خطر ما، واستدعاء آخر، لكن الجدير بالدراسة هو ما يستتبع انكشاف الصورة الآن، من ضرورة الاصطفاف العربي والإسلامي بمشروع أضحى اضطرارياً للخروج من دائرة التقسيم والتفكيك وَفْقاً لأجندتين باتتا متشابهتين في أهدافهما لحدٍّ بعيد.

لقد كان رائداً أن تتبلور رؤية التوافق الغربي الإيراني، وربما الروسي من خلف ستار على أنه علامة على جريان المياه في جدول التوافق السياسي البراغماتي المتوقَّع، وهو ما كانت تحذر منه أقلية يقظة، وهو ما ينجم عنه أيضاً اتضاح صورة بؤس المشهد العربي الذاهل، ونقيضه.

لقد جرى الحديث عن الصراع بشكله الكاريكاتوري الذي بشَّرت به جموع « المثقفين » الناقلة - قسراً - إلى الأمة مفاهيم تخديرية عن علاقة إيران بالغرب، وهو ما ساهم بدوره في تغييب العرب عن إبصار المشهد بعين سليمة.

والآن، ونحن نعالج مسألة علاقة الأمريكيين بما يجري في الشمال اليمني، لا يمكننا اقتطاع هذا الجزء من الخريطة عن سائر المنطقة العربية والإسلامية، والذي تجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية جسوراً تحملها على الالتقاء مع إيران في معظم الأهداف، وأسواراً تَحُول بينهما في بعضها، أو وَفْقاً لتصوُّر آخر: ترى واشنطن أنها بحاجة لتوظيف إيران في المنطقة حتى مرحلة ما، ثم التعامل معها بشكل آخر لا يخرجها من المعادلة لكن يضيِّق حركتها، ولذلك تراها الآن أكثر من سكِّين يُستخدم في قضم الكعكة، بل شريكاً صغيراً فيها، وهو ما يوفر تدجين المنطقة أكثر بأقل فاتورة من الدماء الغربية.

إن مسألة استخدام أوراق أمريكية الآن لحمل طهران على اتخاذ سياسة معيَّنة قد أضحى لغزاً للكثيرين؛ لفقدانهم أي مؤشر لهذه الضغوط، وهو ما يتبدى في تلك الرقعة الشاسعة التي تتمدد فيها إيران اليوم، وتلك مسألة سنعرِض لها لاحقاً، بإذن الله؛ غير أن ما يسترعي الانتباه في حيِّز الإرهاب الحوثي وامتداداته هو ما يلي:

أولاً: زُهْد الولايات المتحدة الأمريكية في الإفادة من أي دليل تقدِّمه صنعاء يُدين طهران دولياً، على الأقل على صعيد ممارسة الضغط على الأخيرة، وهو ما يعني: أن واشنطن لا تريد حتى استخدام « الادِّعاءات » اليمنية - إن صح التعبير - في « ابتزاز » طهران، وهو ما يثير علامة استفهام كبيرة؛ فصنعاء أعلنت أكثر من مرة أنها تملك أدلَّة على تورُّط طهران في دعم هجمات الحوثيين على قواتها المسلحة في صعدة، من خلال عدة محاولات كشف عنها اليمن؛ لإرسال أسلحة من إيران للحوثيين عبر سفن تم ضبطها على السواحل اليمنية، ومنها ما أدى إلى اعتقال إيرانيين بالفعل على متن إحداها.

وهو ما أكده الناطق باسم الحكومة اليمنية (حسن اللوزي) في تصريحات بثتها وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) في 27/10/ 2009 حين قال: « إن الأجهزة الأمنية اعتقلت خمسة إيرانيين كانوا على متن سفينة إيرانية مشبوهة محمَّلة بالأسلحة قبالة ساحل ميدي في محافظة حجة »، وهي - بالمناسبة - محافظة مجاورة لصعدة، وهي الامتداد الطبيعي المتوقع للتوسع الحوثي للوصول إلى البحر الأحمر.

وبالجملة؛ فقد قال رئيس مجلس الأمن القومي اليمني ومدير مكتب الرئيس اليمني (علي محمد الأنسي)، على هامش حوار المنامة: « إن سفينة الأسلحة التي ضبطها اليمن ذاهبة إلى الحوثيين في أكتوبر كانت إيرانية، وهناك دلائل على أنها كانت قادمة من إريتريا ».

ثانياً: استكمالاً لذلك التصريح؛ فإن هذه العبارة في الحقيقة لم تُثِر الأمريكيين الموجودين بكثافة في جنوب البحر الأحمر لملاحظة سلوك السفن الإيرانية، ورَصْد ما يجري في ميناء مصوع الإريتري الذي تتواجد فيه قطع بحرية إيرانية، على الرغم من اتهام إريتريا ذاتها بدعم موالين للقاعدة في الصومال من قِبَل دوائر أمنية غربية، وهو ما كان من شأنه أن يفتح أعين الأمريكيين خصوصاً والغربيين عموماً على النشاط البحري في الميناء وحركة السفن منه وإليه، وطبيعة حمولاتها.

ثالثاً: إن اللافت للنظر أكثر بعد تسريب معلومات استخباراتية (مصرية وعربية) نقلتها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 13/12/2009 عن مصادر مصرية وعربية، طلبت عدم تعريفها نظراً لحساسية موقعها، وكون هذه المعلومات مستقاة من مصادر استخباراتية موثوق بها (بحسب ما ورد في الصحيفة) تفيد بأن:

« اجتماعاً سرياً رفيع المستوى عُقد أخيراً داخل الأراضي اليمنية بين مسؤول الحرس الثوري الإيراني وقياديين من حزب الله والمتمردين الحوثيين في اليمن بهدف تنسيق العمليات المشتركة، ووَضْع خطة لتصعيد الموقف العسكري على الحدود السعودية اليمنية »، معتبرة أن: « الاجتماع الذي تم رَصْده من قِبَل أجهزة استخباراتية عربية وغربية (في نوفمبر 2009) مَثَّل أخطر تحرُّك إيراني على الإطلاق على خط العمليات العسكرية التي يشنُّها الحوثيون؛ سواء داخل الأراضي اليمنية أو على الحدود السعودية اليمنية »، وهو ما يُعَد « أبرز دليل على تورُّط إيران المباشر في دعم الحوثيين مادياً وعسكرياً ولوجستياً ».

بعد كل هذا؛ فإن واشنطن لم تعلِّق لا سياسياً ولا إعلامياً على تلك المعلومات، برغم أن تلك المصادر قد أعربت عن اندهاشها من الموقف الأمريكي؛ لكون « وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) على علم بتفاصيل هذا الاجتماع عبر علاقاتها مع عدة أجهزة أخرى معنية بالمنطقة »، وذلك بحسب الصحيفة.

وهو أيضاً ما يثير الريبة؛ لا لكون واشنطن لم تتأكد من مصداقية تلك المعلومات، بل لأنها لم تستغلها، بل تسارع إلى نفيها ومثيلاتها لإحراج حلفائها وتبرئة ساحة الإيرانيين، وهي على كل حال ليست مضطرة إلى ذلك ما لم تكن لها رغبة في النأي بنفسها عن إدانة الإيرانيين، بل تجاوز الأمر ذلك إلى مَنْحهم صكّاً بالبراءة، عبَّر عنه جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى من داخل الحدود العربية ذاتها، حين قال في مؤتمر أمني إقليمي في البحرين عُقِد في ديسمبر الماضي: « العديد من أصدقائنا وشركائنا تحدَّثوا إلينا بخصوص إمكانية وجود دعم أجنبي للحوثيين، وقد سمعنا النظريات الخاصة بالدعم الإيراني للحوثيين.. إننا بكل صراحة، لا نملك أدلة مستقلة بشأن هذا الموضوع ».

وأضاف المسؤول الأمريكي « يَعِظ » الحلفاء بقوله: « إن الطابع الطائفي للنزاع لا ينبغي أن يُضخَّم »، داعياً كل الأطراف إلى احتواء النزاع داخل اليمن [1].

رابعاً: لا بد من قراءة ردِّ فِعْل الأمريكيين أيضاً حيال الاعتداء على أراضي دولة ذات طبيعة خاصة.

لا نقول فقط: إنها عضو بالأمم المتحدة، ولا نقول: إنها محورية، بل إنها أكثر دولة تمد الولايات المتحدة بالنفط (شريان حياة الأمريكيين)، وهي (المملكة العربية السعودية)، أكبر مصدر للنفط في العالم، وهي الدولة المحورية في أكثر المناطق أهمية في العالم؛ لاستحواذها (أي: تلك المنطقة) على أكثر من ثلثي نفط العالم.

إن رد الفعل الذي كان متوقعاً من الأمريكيين أكبر بكثير من ذلك التصريح الباهت والغامض للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية (أيان كيلي) حين أعرب « عن قلق الولايات المتحدة حيال توسُّع أعمال العنف إلى الحدود اليمنية السعودية »، و « حض الأطراف المعنية على حماية أرواح المدنيين » [2]، معززاً ذلك بمقولة: « إنه لا يمكن وجودُ حلٍّ عسكري على المدى الطويل في النزاع بين الحكومة اليمنية والمتمردين ».

وإذا ضربنا الذكر صفحاً عن الصراع داخل اليمن؛ فإن الولايات المتحدة كانت معنية بالحديث عن عدوان صريح على دولة لها مصالح مشتركة معها؛ فما الذي أخرس الأمريكيين إذاً؟

خامساًً: امتناع المنظمات الحقوقية الغربية المعروف ارتباطها بالأجهزة الاستخباراتية لبلادها؛ لا سيما الولايات المتحدة؛ عن إدانة أو حتى التحقيق في المعلومات المتهِمة للحوثيين بارتكاب جرائم حرب، وهو ما تفيض به صفحات اليوتيوب ومتابعات الصحف والمواقع اليمنية المختلفة، وهو ما يثير الاستغراب تجاه أسباب هذا الامتناع ومغزاه، كما أنها لم تحمل تصريح مصدر عسكري لصحيفة الشرق الأوسط في (12/12/2009) بأن: « القوات السعودية تمكَّنت من تخليص نساء يمنيات استخدمهن الحوثيون كدروع بشرية »، على محمل الجد والاهتمام، على الأقل بما يوازي ما تصرِّح به جهات غير رسمية متمردة في دارفور مثلاًََ.

والسر كامن في الإيحاء بأن المشكلة الإنسانية التي سببها الصراع مع الحوثيين هي من مسؤولية الحكومة اليمنية، ومن ثَمَّ يكون التمهيد للتدخل الأجنبي بذريعتها.

وما يمكن استخلاصه من تلك الأمور ما يلي:

1 - الولايات المتحدة لا تريد أن ترى أن ثمة أدلة على تورط إيران في دعم العدوان الحوثي ضد السعودية واليمن.

2 - لا تنظر واشنطن إلى الحوثيين كحركة إرهابية، وَفْقاً للتصنيف اليمني، ولا تشاهدهم كما الروايات الرسمية السعودية كمتسللين، بل تراهم في النطاق اليمني « متمردين »، وفي الداخل السعودي تنظر إلى اختراقهم للحدود على أنه:

« توسُّع لأعمال العنف إلى الحدود اليمنية السعودية »، ويمكن في هذا السياق ضم النفي السابق للسفيرة البريطانية في صنعاء (فرانسيس جاي) تهمة الإرهاب عن الحوثي، قبل ثلاث سنوات تحديداً، فيما أوردته الشرق الأوسط حينها مؤكدة:

« أنه لا يمكن القول بأن حسين الحوثي وجماعته هم عناصر إرهابية؛ لأنهم لم يقوموا بأي أعمال عنف ضد أهداف مدنية؛ إنهم ربما يشكِّلون تهديداً للنظام وليس لأمريكا أو إسرائيل ».

3 - تنصح الإدارة الأمريكية بألا « يُضخَّم » الطابع الطائفي؛ وهي بناءً على ذلك تنقله إلى الحيز المحلي المعارض وتبرِّئ منه إيران ضمنياً.

4 - لا تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى الطلب من مجلس الأمن استصدار قرار لملاحقة قادة ميليشيا الحوثيين، أسوة بقادة الجنجويد - مثلاً - في دارفور؛ فضلاً عن أن تلمح إلى مسؤولية قادة طهران عن ما يحدث في قرى صعدة، ربما؛ لأنها لا تجد مشكلة تتعلق بالمدنيين أصلاً.

5 - لا تزيد واشنطن - علناً على الأقل - عن « حض الأطراف المعنيَّة على حماية أرواح المدنيين »، وهي تلزم بذلك الحياد إزاء تلك « الأطراف »، وهو ذاته ما يُقرَأ من مشاعر « القلق » من القتال الدائر الذي ينبغي له ألا يستمر طويلاً بحسب المسؤولة الأمريكية.

6 - لم يصدر نهائياً عن الولايات المتحدة الأمريكية ما يفيد بأنها تعرف أن الحوثيين قد اخترقوا الحدود السعودية، وهي من ثَمَّ تبدو كما لو أنها كانت لا تعلم ما إذا كان الحوثيون معتدين أم معتدى عليهم داخل الحدود اليمنية من قِبَل القوات السعودية؛ فليس لها موقف واضح يبيِّن دعمها للسعودية أو إدانتها لها، والأمر ذاته بالنسبة للحوثيين.

7 - صمتت الولايات المتحدة عن التهديد المبطن الذي أطلقه وزير الخارجية الإيراني ضد السعودية واليمن معاً فيما يبدو؛ حين حذَّر من عواقب « قَمْع » الشعب اليمني عبر شن حملات عسكرية قائلاً: « إن من يحاول صب الزيت على نار الفتنة لن يكون بمنأىً عن لهيبها وسيدخل الدخان في عيونه، وإن الدعم المالي والتسليحي للمتطرفين والتعامل مع الشعب بأسلوب قمعي تترتب عليه تبعات خطيرة جداً »، وأبدى « استعداد إيران للتعاون من أجل حل مشاكل اليمن، « وهو ما فُسِّر يمنياً بالتدخل السافر في الشأن الداخلي له، وخليجياً بالتهديد لليمن والسعودية؛ في وقت تقمع فيه السلطات الإيرانية « الإصلاحيين » الإيرانيين والسُّنة البلوش، وتقتل منهم العشرات.

أين الولايات المتحدة الأمريكية إذن من نشاط الحوثيين العسكري وطرحهم السياسي؟

الأهم من هذا السؤال، هو: أين تجد واشنطن نفسها أقرب: إلى طهران أم إلى الرياض؟ والحقيقة أن عبارات موجزة لروبرت بير خبير الـ (سي آي إيه)، ستفي للمتطلعين للإجابة بما يُشبِع شهيتهم المعرفية؛ فالرجل قد قال صراحة: « سنعطي إيران النفوذ في أفغانستان و باكستان، وسندعمها اقتصادياً. إن أمريكا ستتحالف مع طهران، وستتحول عن تحالفاتها السابقة في الخليج وسيتحول الهلال الشيعي إلى دائرة شيعية في الشرق الأوسط.

وهي بالطبع دائرة شيعية تمتد في إيران و العراق و سورية و لبنان و غزة و الضفة واليمن ودول الخليج وفي كل مكان.

لن يوقف أحد التقدم الإيراني لمد نفوذه؛ وهل يستطيع أحد إيقاف المطر من السماء؟ إنه قَدَر.

إن باراك أوباما اسمه الوسط (حسين)؛ إنه يتماهى مع الشيعة؛ إنه ليس ابن تيمية » [3].

وإن لم يكن تصريح الرجل رسمياً؛ إلا أنه كاشفٌ وخطيرٌ؛ كونه ينسجم مع ما تفرزه الأحداث من معطيات واستنتاجات.

في الحقيقة لا جديد في كلام بير، إلا في صدوره عنه؛ فالموقف الذي تتخذه واشنطن من الحوثيين تقف بحذائه مع الميليشيات الإيرانية في العراق، وليس الأمر هكذا فحسب، بل لا يَبعُد هذا كثيراً عن « الإجراء العدمي » الذي نفذته حيال احتلال إيران لبئر (الفكة) العراقي، على مقربة من مفارز وقواعد الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وغير بعيد عن قِطَعها البحرية في الخليج، وحديث الجنرال ديفيد بتريوس القائد العام للقيادة العسكرية المركزية الأمريكية عن نجاح قوات بلاده في تقليص « تسرُّب المقاتلين الأجانب عبر الحدود السورية من حد أعلى بلغ 110 مقاتلين في الشهر إلى أقل من عشرة مقاتلين الآن »، حديث مضحك للغاية؛ لتجاهله في المقابل الحدود المفتوحة بين العراق وإيران للحد الذي يسمح بعبور عشرات الآلاف من « الحجاج إلى كربلاء » وغيرهم دون حسيب أو رقيب، مثلاً.

هذا إضافة إلى تقسيم النفوذ في العراق وأفغانستان، كما أن صمت الولايات المتحدة عن القمع الدموي الذي تنفِّذه طهران ضد معارضيها السياسيين والدينيين والقوميين يشي بأن واشنطن لا تريد إزعاج حليفتها الجديدة القديمة (إيران)، بعد أن برَّأتها عبر 14 جهازاً استخباراتياً من تهمة السعي لتحويل برنامجها النووي إلى مشروع صناعة وامتلاك قنبلة نووية.

إن واشنطن تراوح في استخدام أوراق ضَغْطِها في الملف النووي في وقت تحرق فيه طهران الوقت باتجاه تنفيذ تجربتها النووية الأولى، ما بين استخدام أسلحة الولايات المتحدة الأمريكية المتنوعة في أروقة مجلس الأمن، وهي عبارة عن تصريحات بأن: « صبر واشنطن بدأ ينفد »، أو أن: « واشنطن بدأ صبرها ينفد »، أو أن: « الوقت أمام طهران آخذ في النفاد ».

بالطبع كل ذلك تهديداً بعقوبات عقيمة.

قالت طهران مراراً وتكراراً: إنها لا تؤثر فيها، ولا يُتوَقع أن تصنع شيئاً مناوئاً للنشاط الحوثي في اليمن ولو كان ضد السعودية ذاتها التي تحتفظ معها بعلاقات متميزة، وذلك ببساطة؛ لأن إيران هي فزاعة المرحلة القادمة، وهي الأداة التي سيجري بها تفكيك المنطقة، وعَزْل أخطارها المستقبلية عن الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد أصدر مركز الأمن الأمريكي الجديد المهتم بإصدار تقارير وأبحاث تدعم المصالح والقيم الأمريكية في العشرين من نوفمبر 2009 - بحسب تقرير واشنطن - مقالة تحت عنوان: « على حافة الهاوية: عدم الاستقرار اليمني وتهديد المصالح الأمريكية للباحثَين: (أندرو أكسوم و ريتشارد فونتين)، خَلَصا فيها إلى أن:

« الوضع المتدهور في اليمن وانعكاساته على المصالح الأمريكية هو الذي يدفع الولايات المتحدة لإعطاء مزيد من الاهتمام لِمَا يحدث في اليمن ».

لكن قبل أن تذهب الظنون بنا بعيداً (وبعض الظن إثم)، تستدرك المقالة بأن: « ليس معنى ذلك أن يتخذ هذا الاهتمام شكل عمليات عسكرية واسعة النطاق مثلما حدث في أفغانستان والعراق، ولكن أن تُتبَّع استراتيجية شاملة تُزاوِج فيها بين عدة عناصر منها: دعم مكافحة الإرهاب، المساعدات التنموية، الضغوط الدبلوماسية، والمضي قُدُماً نحو مسار المصالحة »؛ أي: جُهْدٌ يخص مكافحة القاعدة، وآخر يخص تقديم مساعدات محدودة لليمن، والضغط عليها في المقابل، ثم الأخطر، وهو: مسار مصالحة بين « الدولة » و « البديل »، وربما مبعوث سلام.

إنها الحقيقة التي لا بد أن يدركها العرب قبل بكاء غرناطة.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


(1) بي بي سي: 11/12/2009.

(2) راديو سوا: 6/11/ 2009.

(3) مجلة الوطن العربي: 4/11/2009.

 

أعلى