من خصائص ديننا الإسلامي الحنيف أنه دين شامل، بيَّن كلَّ ما يحتاج إليه المسلم في أحكام دينه، ولو كان في أقصى الشرق أو الغرب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «اتق الله حيثما كنت»؛ فالصيام - مثلاً - له أحكام خاصة يستعان في معرفتها بآيات الكون والفلك، والحج كذلك، وأنواع الأطعمة تختلف من قطر لآخر، والعادات والتقاليد تسود أراضي وأقطاراً لا تحكِّم دين الله ولا تدين به، وكذلك النوازل الطبية والمالية وغيرها.

والإنسان المسلم قد يُبتلى ويضطر[1] لزيارة تلك البلدان والعيش فيها إقامة دائمة أو حقبة زمنية للتعلم والعلاج وغيرها. والدراسات الفقهية من أهم ما يوضح للمؤمن عباداته ومعاملاته؛ إذ تختلف المسائل وتتشعب، والمسافرون لمدة طويلة كالمبتعثين لهم أحكام خاصة؛ فهم يواجهون في حياتهم هناك أموراً في بلدان إباحية، أو لا تلتزم بأحكام الإسلام على الوجه المطلوب، وثقافات أخرى غير التي نشؤوا عليها في بيوتهم وبلدانهم المحافظة[2].

ومن الكتب التي صدرت مطلع العام الماضي دليل مهم للمبتعثين بعنوان: دليل المبتعث الفقهي للشيخ الدكتور فهد سالم باهمام (المشرف على موقع الدليل الفقهي)[3].

هذا الدليل هو حصيلة جمع مسائل ملحة تَعرِض للمبتعثين ومن في حكمهم، وأشار المصنف إلى أنه جمعها من اتصالات الإخوة وسؤالاتهم، وهي مما لا يظهر إلحاحه إلا عند البعد عن بلاد الإسلام، وقد بحثها المؤلف ضمن كتب الفقه المعتمدة على المذاهب الأربعة، ومن فتاوى المجامع الفقهية وأهل العلم المعاصرين، دون التقيد بمذهب أو التعصب لرأي جهة أو عالم.

وهي على النحو التالي:

الجزء الأول عباداتك:

الطهارة: وتحتها مسائل، منها: نجاسة الكلب، والمبولة المعلَّقة، وآنية الكفار وملابسهم.

الصلاة: ومن مسائل هذا الباب: هل يعد المبتعَث مسافراً؟ ومكان صلاته، وصلاته في الطائرة، وائتمامه بالمبتدع.

الصيام: ويشمل الاختلاف في دخول الشهر، ومن يطول نهارهم جداً، وما حكم قبول قول الطبيب الكافر.

الجزء الثاني من الكتاب، وهو في صلب معيشة المبتعث، وتحته ما يلي:

طعامك وشرابك: أهمية الطعام الحلال، الخنزير والخمر والكحول، الجيلاتين، الأسماك والمأكولات البحرية، اللحوم.

لباسك: الأصل في اللباس، موافقة لباس أهل البلد، ضابط التشبه بالكفار في اللباس، ما تلبس المرأة أمام الكافرة.

مالَكَ: حكم التحايل لأخذ أموال الكافر، العمل أجيراً عند الكافر، التأمين وبطاقات الائتمان.

الجزء الثالث: علاقاتك، وتحته الفصلين التاليين:

بين الرجل والمرأة: وفصَّل في قضية مصافحة الأجنبية، والخلوة بهن والنظر إليهن.

العلاقة مع الكفار: أركان علاقة الكافر بالمسلم، الإهداء للكافر، وأعياد الكفار، والسكن مع عائلة لتعلم اللغة، وغيرها من المسائل المتنوعة.

وبين ثنايا الكتاب لفتات إخراجية رشيقة ورائعة من التنبيه والاستذكار، فختم كل مسألة بخلاصة لها تحت عنوان (تذكر) فاصلةً سريعةً مع ذكر مخطط بالأسهم يسهِّل عملية المراجعة الفورية، كما تطرق إلى ذكر فوائدَ وقصص جميلة أضفت على الكتاب جواً لطيفاً؛ وذلك عند ما يناسبها من المسائل كمحطات استراحة ومعلومات مفيدة، مثل: (الصلاة في الكنيسة، وبداية أكل النصارى للحم الخنزير، وقصة ثمامة بن أثال، ولفتات مما يحدث في الفنادق والأماكن العامة، وجدول شامل لأسماء الخمر ومسمياتها في تلك الدول للحذر منها)[4].

إن الكتاب يلحظ المطلع عليه ترتيبه المبتكر، وصياغته الواضحة والميسرة للجميع مع حسن تحرير المسائل؛ إذ يمكن أن يستفيد منها الفقيه المنتهي، وهي تحريرات تناسب المبتعثين دوت انفلات أو مبالغة في التيسير. وقد ابتدأ الكتاب برسالة للشيخ علي الطنطاوي لأخيه النازح إلى باريس من كتابه (صور وخواطر)[5]، وختمه برسائل عاجلة للمبتعَث، وهي:

إذا قضى نهمته فليرجع: ذكر فيها شروط الإقامة في بلاد الكفر مع تدعيم بشاهد لابن حجر، رحمه الله.

استفت قلبك: متى يستفتي المؤمن قلبه، وما العمل إذا تعارضت فتوى القلب مع فتوى الفقيه؟

وأنتم الأعلون: تذكير بعزة المؤمن في تلك المواطن.

إلى صاحب العظمة: رسالة قديمة من ملك أوروبي إلى خليفة المسلمين في الأندلس، قد لا يصدق قارئها ما يقرؤه حقاً مع ما يشاهده في هذا الزمن من حضارة الغرب.

إنه فعلاً نزهة علمية وفقهية وتاريخية وتربوية وتثقيفية لا يكاد يُمَل.

ولقد قمت بزيارة الموقع وأعجبت بحسن إخراجه، ومما شدني فيه كذلك تعليقات الزوار الذين قرؤوا الكتاب تصفحاً عبر الموقع مباشرة، وكانت تعليقاتٍ مثلجة للصدر من هؤلاء المبتعَثين الذين رأوا أن الكتاب فتحٌ لهم كانوا ينتظرونه بشغف؛ حتى أصبح رفيقاً لهم في رحلتهم.

ومما يوصى به كذلك نشر هذا الكتاب ورابط موقعه بين المبتعَثين[6]؛ ولا سيما أن الحاجة ملحة مع كثرة السفر إلى الخارج وازدياده من أبناء المسلمين، ناهيك عن جهلهم بكثير من أحكام شريعتهم في تلك القضايا.

جزى الله مؤلف الكتاب خير الجزاء، ونتمنى له التوفيق في بقية مشاريعه في خدمة هذا المجال، وحمى الله أبناءنا المبتعثين في الخارج وردَّهم إلى أهليهم سالمين منصورين موفقين، ونفع الله بهم بلدانهم وأمتهم.



   [1] أقول هنا: «يبتلى ويضطر»؛ لأن من الناس - فعلاً - من قُدِّر له العيش هناك لأي سبب، أو يكون عليه السفر إلى هناك اضطراراً واحتياجاً، وقد يكون الابتعاث للدراسة في بعض الأحيان يدخل تحت هذا.

[2] ذكر أحد الكتاب رأياً وهو قوله: الهوية الثقافية التي ينشأ عليها الإنسان في بيته بشكل صحيح، لا يمكن أن تهزم بمجرد الاحتكاك بالهويات الثقافية الأخرى، بل ربما يستفيد في تغذية هويته الخاصة من خلال احتكاكه بالثقافات والهويات الأخرى، لكن لا يمكن أن يتم طمسها، هذا ما تعلمناه من خلال التجارب الخليجية مع الابتعاث.

 والرحلة للاستزادة من المعرفة موجودة لدى الإنسان منذ القدم، بل كان الناس يقدِّرون من يرحل ليستزيد من العلْم ومن المعرفة. وقديماً في فترة ما قبل الميلاد رحل أرسطو سنة (367 ق.م) من مدينة «ستاغيرا» إلى «أثينا» ليلتحق بمعهد أفلاطون... آمل أن يؤسس الابتعاث الجديد لثقافة تنير مستقبل الأجيال! [في سير السلف من الأمثلة ما هو أولى].

[3] هذا موقع يهتم بقضايا المسلمين في الخارج، والمسلمين الجدد، وهناك كتاب دليل المسلم الجديد كذلك للمؤلف، وسيصدر قريباً كتاب دليل السائح.

[4] كنت أود لو جمعت كلُّ هذه المسائل والفوائد مفروزة في جدول مستقل آخر الكتاب، ولعله يكون في الطبعات القادمة.

[5] من كلام الشيخ - رحمه الله - في رسالته: «... فانتبه لنفسك واستعن بالله؛ فإنك ستقدم على قوم لا يبالي أكثرهم العفاف، ولا يحفل بالعرض. سترى النساء في الطرقات والسوح والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، وقد أذلتهن مدنية الغرب وأفسدتهن، وهبطت بهن إلى الحضيض فلا يأكلن خبزهن إلا مغموساً بدم الشرف.

وأنت لا تعــــرف مـــن النساء إلا أهـــلك مخدََّرات معصومات كالدُّرِّ المكنون، شأن نساء الشرق المسلم؛ حيث المرأة عزيزة مكرمة، محجوبة مخدَّرة، ملكة في بيتها، ليست من تلك الحِطَّة والمذلة في شي...

فإياك! أن تفتنك امرأة منهن عن عفتك ودينك، أو يذهب بلبِّك جمال لها مزور، أو ظاهر خداع، هي والله الحية؛ ملمس ناعم، وجلد لامع، ونقش بارع، ولكن أنيابها السمإياك والسمإلى أن قال: «وإنما أنت ابن المجد والحضارة، ابن الأساتذة الذين علموا هؤلاء القوم وجعلوهم ناساً، ابن الأمة التي لو حذف اسمها من التاريخ لآض (أي رجع) تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها؛ إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوِّن التاريخ سواهم...

فمن هؤلاء الذين ترى؟

إنما هم أطفال أبناء أربعة قرون، ولكنَّ أمتك بنت الدهر، لما ولد الدهر كانت شابة، وستكون شابة حين يموت الدهر».

ويمكن أن أنقل كلاماً حول ذلك أيضاً لأحد الكتاب:

«وهناك عدة لبنات يمكن أن تجعل منك منافساً قوياً: أولها وأهمها على الإطلاق: الإيمان بقدراتك الذاتية، التي ستواجه أول تحدٍّ لها عند التحاقك بالجامعة في الخارج. فعليك الحذر كل الحذر من الصدمة الأولى والانبهار بما لدى الآخرين من مخزون معلوماتي ناتج عن نظام التعليم الأساسي الذي تحصَّلوا عليه إبَّان مراحل تعليمهم الأولية الذي قد يفوق بمراحل ما أخذته هنا، فلا تجعل ذلك الشعور يقودك إلى اختيار الطريق الأسهل في التخصص من أجل العودة السريعة، بل عليك أن تدرك أنها الخطوة الأولى نحو تميُّزك المعرفي وبالتالي نجاحك العملي، وأن ردم الهوة المعرفية مع زملائك الدارسين سهل المنال؛ إلا أنه يتطلب منك جهداً مضاعفاً في البداية». (منقول)

  [6] http://www.fikhguide.com