في 25 جمادى الآخرة من العام الماضي (29 فبراير 2020م) وقَّعت الولايات المتحـدة وحركة طالبان اتفاقيةً تهدف إلى دفع محادثات السلام بين الحركة والحكومة الأفغانية، لكن الخلافات بين الأطراف المحلية الأفغانية أدت إلى تأخيرها؛ لا سيما رفض (طالبان) تقديم أي تنازلات للوصول إلى تسوية تنهي الحرب.

لقد أظهرت مسيرة التفاوض إصرار (طالبان) على نهجها الذي تمثل بتصريحات أخيرة خلال استضافة الدوحة للمفاوضات بين الحركة ووفد يمثـل الحكـومة الأفغانيـة، جاءت علـى لسـان عبد الغني برادار المسؤول الكبير في الحركة، أكد فيها أنهم مع أفغانستان «بلداً مستقلاً وإسلامياً ومزدهراً»، وأن «تتضمن نظاماً إسلامياً يعيش في ظله الجميع دون تفرقة»، هذا الطرح أظهر جليّاً أن الهوية الفكرية التي تتبناها الحركة لم تتغير رغم مضي 19 عاماً من القتال الشرس والخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال معركتها مع الولايات المتحدة في أفغانستان، بل أكد أن (طالبان) خرجت منتصرة في هذه المعركة؛ لا سيما بعد أن أجبرت واشنطن على الاستجابة لشروطها خلال مسيرة التفاوض بدءاً بإطلاق سراح أسراها من السجون وليس انتهاءً بعدم الاعتراف بشرعية حكومة أشرف غني، ورفض الدستور والنظام السياسي الأفغاني الذي تم وضعه بعد عام 2004م، وكذلك طرح ملف إصلاح الجيش الأفغاني.

تبنَّت فكرة الدولة الإسلامية نظاماً سياسياً يحكم البلاد، حافظت على مواقف صلبة فيما يتعلق بمسائل الحكم والهوية الدينية، وركزت دائماً على تخليص البلاد من القوات الأجنبية وإعادة تأسيس ما تعتبره حكماً إسلامياً شرعياً.

نجاح الحركة في الصمود أمام الاجتياح الأمريكي لأفغانستان، وطرح واشنطن لملف المفاوضات مع الحركة على الطاولة كحلٍّ لإنهاء تورطها في الحرب؛ دفع (طالبان) للإيمان بنجاح إستراتيجيتها؛ فالاتفاق الذي تم توقيعه بين الطرفين ألزم واشنطن بسحب قواتها في غضون أشهر من أفغانستان، لكن لم يُلزِم الحركة بتسليم سلاحها أو التخلي عن مكتسباتها العسكرية؛ بل ركز الطرف الآخر فقط على تحقيق مكتسبات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وأخذ تعهدات من (طالبان) بمكافحة (الإرهاب) وعدم شن هجمات تستهدف الولايات المتحدة خارج أفغانستان.

رغم إيمان الولايات المتحـدة بأن الاتفاق الذي فشل في إجبار (طالبان) على الجلوس مع الحكومة الأفغانية على طاولة المفاوضات من شأنه تدمير كلِّ ما يزعمونه من (المكتسبات الاجتماعية والدستورية) التي تحققت منذ احتلال أفغانستان؛ إلا أنها أصرت على أن تُواصِل تنفيذ اتفاقها مع الحركة وأجبرت الحكومة الأفغانية على تحقيق أحد أهم مطالب (طالبان) وهو إطلاق جميع أسراها من السجون الحكومية.

استمرت الحكومة الأفغانية بموقف ممانع للتفاوض الأمريكي مع (طالبان) حتى 10 مارس المنصرم، لكن على ما يبدو فقد استطاعت واشنطن تحييد قواتها من هجمات الحركة وأصبحت الأجهزة الأمنية الأفغانية تتلقى ضربات موجعـة أجبرت الحكومة على القبول بالتفاوض والاستجابة للضغوط الأمريكية بإطلاق سراح أسرى الحركة؛ لا سيما أن ذلك كان يحدث بالتزامن مع صراع على الانتخابات الرئاسية بين أشرف غني وعبد الله عبد الله. استمرت طالبان باستهداف الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة بهدف إجبارها على إطلاق سراح 5000 من مقاتلي الحركة في السجون الحكومية، ومع استمرار المواجهات رغم انخفاضها عقب عيد الفطر إلا أن وسائل الإعلام الحكومية المحلية أصبحت تشير إلى محاولة (طالبان) تحقيق مكاسب خاصة بها عبر المفاوضات دون تقديم تنازلات سياسية للتعجيل في تسوية الصراع. ما نجحت فيه (طالبان) خلال تجربة قتالها مع الولايات المتحدة جعل نُخَباً غربية تشير إلى أن الحركة حققت تقدماً كبيراً وأكدت صحة نظريتها للوصول للسلطة في أفغانستان وكذلك حسَّنت كثيراً من قدراتها القتالية، كذلك حاولت الحركة التخفيف من حالة التهويل الغربية بشأن استفرادها بمستقبل البلاد عبر مقال نشر لنائب أمير  الحركة سراج الدين حقاني، جاء فيه مجموعة وعود ونوايا سلمية للحركة بشأن القضايا الخلافية مثل حقوق الإنسان والمرأة والأقليات الدينية.

خلال المفاوضات طرحت (طالبان) محاور محددة بشأن علاقتها بالحكومة الأفغانية، لكنها أبقت الباب مفتوحاً على مصراعيه بشأن مستقبل البلاد السياسي وطبيعة دورها القادم في اليوم الذي يلي الخروج النهائي للجيش الأمريكي من أفغانستان. ورغم أن ممثلي الحركة في المفاوضات أكدوا عام 2018م وجود نظرة شمولية لدور (طالبان) في أي حكومة أفغانية مستقبلية؛ إلا أن قسماً آخرَ من الحركة يرى أنه لا يمكن التخلي عن فكـرة الدولة الإسـلامية، بالإضافة إلى تجاهـل (طالبان) الحـديث عن مستقبل قواتها المسلحة وعلاقتهم بأجهزة الأمن الأفغانية. وهذا الأمر هو أحد المعيقات التي تواجه المفاوضات التي تجري حالياً بين الوفد الذي عينته الحكومة الأفغانية ووفد حركة طالبان في الدوحة؛ ففي حين تطرح الحركة مطالبات تتعلق بحل الجيش الأفغاني تحت بند (الإصلاح)، تتمسك التيارات الموالية للحكومة بتماسك الجيش باعتباره إرثاً قومياً كلف الدولة ميزانيات ضخمة لبنائه لا سيما القوات الخاصة الأفغانية، وبينما يقدَّر عدد عناصر حركة طالبان بــ 60 ألف عنصر، يقول تقرير لجون سوبكو الذي يترأس مكتب المحقق الخاص لإعادة إعمار أفغانستان، بأن عدد عناصر الأمن الأفغاني يصل إلى 300 ألف عنصر. ولا يمكن هنا تجاهل مستقبل القيادة العسكرية التي تولت مهمة التعاون مع الجيش الأمريكي في تصفية وملاحقة قيادات وعناصر (طالبان) مثل أمر الله صالح نائب الرئيس الأفغاني أشرف غني، الذي نجا من محاولة اغتيال استهدفته بتاريخ 10 سبتمبر الجاري، وكذلك وزير الدفاع أسد الله خالد الذي نجا أيضاً عام 2012م من محاولة اغتيال نفذتها حركة طالبان أثناء توليه رئاسة المخابرات الأفغانية وتتهمه الحركة بتصفية عدد من قياداتها. وشخصيات مثل مسعود أندرابي وزير الداخلية وصديق صديقي المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية وصفٍّ طويل من جنرالات الأجهزة الأمنية الذين تعتبرهم طالبـان ضمن لاوائح المطلوبين لديها. وهذا الأمر يدفع جزءاً كبيراً من الموالين للحكومة بالسعي لإفشال الاتفاق الذي سيكون على حسابهم، لكن أيضاً هذا لا يعني غياب المعارضة الداخلية السياسية للاتفاق فالدور الأبرز هنا يعود لقلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي الذي وقَّع اتفاقاً مع الإدارة الأمريكية عام 2016م ليعود لممارسة الحياة السياسية ويصبح جزءاً من الحياة السياسية الأفغانية بعد أن كان أحد شركاء طالبان في الحرب على الجيش الأمريكي مع بداية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان. ورفض حكمتيار المشاركة في وفد المفاوضات الأفغاني بذريعة تعيين الحكومة لهذا الوفد وعدم تمثيله لأطياف المجتمع الأفغاني، بعكس عبد الله عبد الله الذي يشارك في الوفد ويسعى لتحقيق مكاسب خاصة به في المستقبل السياسي لأفغانستان كما فعل سابقاً.

أيقنت حركة (طالبان) أن الاستقرار في أفغانستان لا يمكنه أن يأتي دون تشكيل ائتلاف حاكم يضمن مشاركة الجميع فيه، وهذا الأمر أظهره تاريخ أفغانستان السياسي؛ فقد انتهى الحزب الشيوعي بزعامة محمد نجيب الله بسبب الخلافات الداخلية، وهكذا كان الأمر مع القوات الشمالية بقيادة أحمد شاه مسعود، وربما أحد أسباب صمود الحركة هو تجنُّبُها للصراعات الداخلية التي مرت بها الأحزاب والتيارات السياسية الأفغانية وإغلاقُها الباب أمام أي تدخلات خارجية باستثناء أزمة عابرة مرت بها عقب مقتل زعيمها الملا محمد عمر، وقد أشارت تقارير في حينه إلى خلافات بين الملا أختـر محمد منصور، والملا منصور داد الله، لكن الحركة تجاوزت تلك الخلافات ورفضت تضخيمها. إن أهم المساعي التي تحاول الحركة تحقيقها خلال المفاوضات، هي الحصول على مكاسب تضمن إصلاح الجيش الأفغاني وإعادة صياغة الدستور بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية على قاعدة سياسية تلتقي عليها جميع الأطياف الأفغانية.

أحد المبررات التي قد تكون واقعية بشأن تماسك الحركة هو أنها ما تزال تحتفظ في مجلس قيادتها بالجيل المؤسس الذي قاد الحركة خلال الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وما يزال يمتلك المشروع نفسه والهوية نفسها والنفوذ نفسه الذي يحاول استعادته. بالإضافة إلى تجاهل (طالبان) والحديث عن مستقبل قواتها المسلحة وعلاقتهم بأجهزة الأمن الأفغانية.

قبيل اغتيال أمير الحركة أختر منصور بطائرة أمريكية عام 2016م، سلكت الحركة مساراً جديداً تمثل في محاولة تعزيز علاقتها بالمجتمع الأفغاني عبر إجراء مناقشات داخلية بشأن بعض القضايا مثار الجدل مثل المنظومة التعليمية للنساء والعلاقة مع المنظمات الدولية وعلاقتها بالعالم الخارجي، وهذا الأمر قد يكون حافزاً للحركة لمحاولة استثمار عملياتها العسكرية ضد الجيش الأمريكي لتحقيق مكاسب سياسية على الأرض. كما أنها - بحسب تقرير نشرته المجموعة الدولية للأزمات - طرحت ملف المفاوضات مع الإدارة الأمريكية قيد التداول الداخلي بين الصفوف الأولـى في قيادة الحركـة وكذلك بين المجموعات الداخلية بتنوع مستوياتها بهدف تحصيل إجماع كامل للخوض في هذا المسار وللحصول على موقف متماسك تجاه ما ينتج عن المفاوضات، واستثمرت الحركة تجربتها السياسية بمنح هيكليتها التنظيمية مزيداً من المرونة عبر تغيير كبار القادة الميادنيين والممثلين لها في ملف المفاوضات بهدف فسح المجال أمام تجارب جديدة للظهور وتمثيل مكتبها السياسي. 

تعتقد (طالبان) أن اعتماد الحكومات المتعاقبة على المال والدعم العسكري الأمريكي جعلها رهينة لمصالح الاحتلال الأجنبي في البلاد وتجاهل مطالب السكان، لذلك ترى أن رحيل المحتل الأجنبي يمنح فرصة للناخب الأفغاني لتقرير مصيره؛ فموظفو قطاعات الدولة يريدون فقط الحفاظ على وظائفهم دون الالتفات إلى مستقبل بلادهم. لذلك يسعى بعض المسؤولين في الحركة إلى اقتراح بيان يتم إعلانه من قبل خصومهم يعترف بالشرعية التاريخية لإمارة الحركة ما قبل عام 2001م، ويكون هذا البيان جزءاً من أي تسوية سلمية مع الحكومة الأفغانية. لكن مثل هذه الخطوة لن تكون محل ترحيب من القوى الغربية؛ لا سيما أن ذلك يمثل توجهاً مضاداً لرغبة قِطاع كبيرة من النخب السياسية الشيوعية التي ترفض الهوية الإسلامية للدستور الأفغاني وترفض القبول بالهوية الجديدة التي تريدها (طالبان) للدولة الأفغانية ومنطق تقاسم السلطة الذي تسعى إليه. 

قد يفسر بعض الباحثين الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في سياق إستراتيجية الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب للتخفيف من التدخل الأمريكي على المستوى الخارجي ومحاولته التخفيف من الإنفاق العسكري؛ إلا أن ذلك لا يمكن أن ينفي تبعات قُرابة 19 عاماً من المواجهة المباشرة بين الطرفين التي كلفت الجيش الأمريكي بحسب مجلة فوربس الأمريكية، نحو تريليون و70 مليار دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة.

في سبتمبر 2018م عينت واشنطن زلماي خليل زاد، السفير السابق في كابول ومهندس الدستور الأفغاني لعام 2004م، مبعوثاً للمصالحة الداخلية الأفغانية وتقريب وجهات النظر بين حكومة أشرف غني وحركة (طالبان)، وتلك الخطوة كانت مؤشراً على رغبة الإدارة الأمريكية لتسريع انسحابها من الملف الأفغاني، فقد ضغط مبعوث واشنطن على الحكومة الأفغانية للقبول باشتراطات (طالبان) لتجنب إفشال المفاوضات.

ونجح كذلك في إقناع باكستان بالإفراج عن (عبد الغني بارادار) الرجل الثاني في سلم القيادة لدى حركة (طالبان) بهدف إظهار جدية واشنطن في إنجاح المفاوضات، وعقب تلك الخطوة عيَّنت الحركة بارادار رئيساً للوفد الذي يمثلها في المفاوضات.

الانهزام الأمريكي في أفغانستان ظهر جلياً مع توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب لتسريع الانسحاب من هناك بغضِّ النظر عن كون ذلك يعدُّ انتصاراً كبيراً لحركة طالبان، وهذا الأمر كذلك كشفت عنه بعض محاور التفاوض بين الطرفين؛ فقد عرضت واشنطن على الحركة اتفاقية لتبادل المعلومات الاستخبارية بشأن محاربة الجماعة (الإرهابية) وكذلك التنصل من علاقتها مع تنظيم (القاعدة)؛ إلا أن (طالبان) رفضت الطلبات الأمريكية ولم تمنح واشنطن إلا وعوداً بمنع أي هجمات تستهدف مصالح الولايات المتحدة وحلفائها خارج أفغانستان.

أظهرت الحركة بُعداً قومياً خلال حربها مع الولايات المتحدة وهذا الأمر قد جعل لديها بيئة حاضنة في العديد من المدن الأفغانية وجعلها ليس كما تشيع الدعاية الأمريكية أنها مجرد منظمة (إرهابية) تقاتل الحكومة الأفغانية بقدر ما هي قضية سياسية ومنافس للحكومة؛ وقد يكون السبب في ذلك قناعة السكان باختلاف أطيافهم بأن دور النظام السياسي الحاكم لا يخرج عن حماية المصالح الأمريكية في أفغانستان، لذلك رفضت الحركة التعاطي مع بقايا عناصر (القاعدة) في أفغانستان على أنهم عدو لها بموجب الاتفاق السياسي مع واشنطن وتعاطت مع الأمر على أنه شأن محلي أفغاني سيتم التعاطي معه بصورة سلمية من قبل النظام السياسي الذي ستفرزه اتفاقية السلام. أحد قادة الحركة صرح قائلاً: «هناك كثير من الأشخاص الذين يقاتلون هذه الحكومة الأفغانية لأنها حليف لقوة أجنبية. تحارب شعبها من أجل أمريكا، إذا اخترنا المعركة نفسها، فسنواجه المصير نفسه».

خلال فترة المفاوضات حاولت واشنطن إلزام (طالبان) بوقف إطلاق نارٍ يشمل الحكومة الأفغانية، لكن الحركة رفضت ذلك ومارست لعبة سياسية نجحت فيها بصورة كبيرة جنبتها منح الإدارة الأمريكية نجاحات ميدانية دون مقابل؛ فقد استمرت في استهداف الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة الأفغانية مع مواصلتها وقف إطلاق النار على الجيش الأمريكي؛ وبذلك نجحت الحركة بتحييد الموقف العسكري الأمريكي مقابل إضعاف الموقف السياسي لحكومة غني التي كانت - وما تزال - تغرق في أزمتها السياسية وملف تقاسم السلطة والصلاحيات بين أشرف غني وعبد الله عبد الله.  

أحد المشاريع الدستورية التي قد تكون هوية أفغانستان المستقبلية، ما سُرِّب خلال المفاوضات بشأن قيام الحركة بصياغة مشروع دستوري يسمح بإجراء انتخابات تحـدد مـن يتولى قيادة الحكومة المحليـة والمناطق الإقليمية مع تعيين رئيس أو أمير تكون بيده صلاحيات السيطرة على الأمن القومي مع وجود مجلس أعلى لعلماء الشريعة مع صلاحيات واسعة تكون أقرب لنهج الإمارة الذي اتبعته الحركة قبيل عام 2001م، فنهج الحركة وهيكليتها التنظيمية لا تشير إلى إمكانية تسليمها لمبادئ النظام الديمقراطي بشموليته، فهي تعتقد أن صناديق الانتخابات تحتاج لقوة تحميها وتضمن تطبيق نتائجها.

لذلك تعتقـد (طالبان) - وهذا الأمر جاء على لسان كبير مفاوضيها شير عباس ستانيكزاي - بأن أي اتفاق سلام يجب أن يسفر عن حل الأجهزة الأمنية الحالية، لكن مع وجود هجوم معارض لنوايا الحركة خففت من لهجتها ووافق وفدها المشارك في محادثات موسكو في يوليو 2019م على إجراء إصلاحات منهجية للقوات الأفغانية بعد الانسحاب الأمريكي، لذلك تطمح الحركة للسيطرة على وزارتي الداخلية والدفاع ووكالة المخابرات، مع رفضها مقترحاً أمريكياً يتعلق بجعل قوات طالبان إحدى أذرع الجيش الأفغاني.

علــى أرض الواقع حققــت الحـركة مكتسبــات أهمهـــا التوقــف عــن كـونهــا حالة تمرد يمكن تهميشها من النظام السياسي الأفغاني؛ وذلك بسبب أمرين:

الأول: متمثل بوقف الهجمات الأمريكية التي تستهدف الحركة بصفتها منظمة (إرهابية).      

والآخر:  يتعلق بإجبار الحكومة الأفغانية على إطلاق سراح أول دفعة من أسرى الحركة مع بداية أغسطس بعد موافقة مجلس اللوياجرغا الأفغاني على شرط (طالبان) الذي بموجبه يجب على الحكومة إطلاق سراح 5000 أسير من عناصر الحركة قبيل مواصلة المفاوضات.     

رغم الإنجـازات التي حققتهـا الحـركة إلا أن ذلك لا ينفي سعي واشنطن لإثارة استقطاب حاد بين أطياف اللون السياسي الأفغاني ومحاولة استنزاف (طالبان) في صراع داخلي بعد الانسحاب الأمريكي؛ سواء فيما يتعلق بملف تنظيم (داعش)، أم المواجهة مع الحكومة الأفغانية بمكوناتها السياسية المختلفة التي تتصارع من أجل البقاء في السلطة.

لذلك ينبغي لطالبان محاولة استغلال الفرصة والموارد للتعاطي عن قرب مع الحاضنة الشعبية وتوسيع دائرة الحوار مع جهات المجتمع المدني والتواصل مع حكام الأقاليم وأصحاب النفوذ المحليين والنخب الثقافية والمفكرين السياسيين ورجال الدين لكسب الوقت بهدف تحقيق إنجاز سياسي متكامل للتصالح مع الواقع الجديد الذي تعيشه أفغانستان.

 كذلك قد يكون أحد أسباب نجاح مسار المفاوضات بالإضافة إلى الإصرار الأمريكي على طي ملف أفغانستان؛ هو رفض الحركة لتدخلات وضغوط خارجية من بينها باكستان وحتى قطر التي تستضيف المحادثات، ووجـود قبول مبدئي لدى الحركة لتشكيل حكومة مؤقتة لكن الأمر رهينة بنظام المحاصصة السياسي الذي سوف تشغله الحكومة المؤقتة المقبلة لأن اشتراطات الحركة للواقع السياسي الجديد تحدُّ من فرص الدعوة لانتخابات تشريعية جديدة.