ترك الاستعمار الأنلجوفرنسي في منطقتنا العربية حالة كبيرة من التنازع الجغرافي والعرقي والديني نتيجة ما أفرزته (سايكس بيكو) من تقسيمات جغرافية خبيثة؛ كان الهدف الإستراتيجي منها الحفاظَ على تمزيق العالم الإسلامي وإبقـاءَه هدفاً سهلاً لأطماع المستعمر القديم. هذا الأمر لم يكن بعيداً عما فعله الاتحاد السوفييتي سابقاً في منطقة القوقاز بمكوناتها ذات الأكثرية المسلمة؛ فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م من القرن الماضي، تعيش أذربيجان التي يمثل الشيعة والسنة مكوِّنها الديموغرافي صراعاً مريراً مع جارتها أرمينيا الأرثوذكسية بسبب احتلال الأخيرة لمرتفعات (قره باغ) ومقاطعات أخرى تمثل جداراً حدودياً مهماً للأمن القومي الأذربيجاني.

منذ عهد جوزيف ستالين سعى الاتحاد السوفييتي إلى صنع مناطق للنزاع في المناطق الخاضعة لسيطرته لذلك سمح للنصارى الأرمن بالسيطرة على مرتفعات (قره باغ) الأذرية وسبع بلدات حدودية أخرى ومنحت موسكو لهذا الجزء حكماً ذاتياً لم يعترف به أحد بعد أن هجَّر مئات الآلاف من سكانها المسلمين واستبدل بهم الأرمن الأرثوذكس.

كان الفعل الروسي الخبيث له أهداف بعيدة المدى أولها وجود ضمانات تسمح بالتدخل في تلك المنطقة حتى بعد أن خسر الاتحاد السوفييتي سيادته فيها، لكن التعنت الروسي والتواطؤ مع الأرمن واجهه تصدٍّ من قبل الأذريين لهذا المخطط الانفصالي واندلعت أولى المواجهات بين الطرفين عام 1988م عقب سماح موسكو للأرمن الذين استوطنوا مرتفعات (قره باغ) بتأسيس حكم ذاتي فيها تكون حاضنته أرمينيا لكن الخطوة فشلت بسبب صمود الأذريين، لكـنْ عقب سقوط الاتحاد السوفييتي أعلن الإقليم الانفصال عام 1992م، وتلا ذلك دعم عسكري روسي سخي للأرمن دفعهم للتوسع واحتلال سبع بلدات أذرية أخرى على طول الشريط الحدودي بين البلـدين. وقامت أرمينيا لتعزيز تواصلهـا مع الإقليم بإنشاء جسر بري يدعى ممر (لاتشين) ورفضت الانسحاب من الأراضي الأذرية قبل الاعتراف بضمها لمرتفاعات (قره باغ)، إلى أن تطور الأمر إلى قتال شرس بين الطرفين عام 1994م سقط إثره أكثر من 15 ألف قتيل.

أخذت منظمة الأمن والتعاون الأوروبية المعروفة باسم مجموعة (مينسيك) على عاتقها التدخل لإنهاء الصراع عام 1997م، ووافقت أرمينيا بتحفظ على خريطة طرحتها المنظمة تضمن تطبيق حل مرحلي يتضمن انسحاب الجيش الأرميني من البلدات الأذرية المحتلة، ثم يلي هذه الخطوة مفاوضات حول مرتفعات (قره باغ)، ولم تمانع أذربيجان الحل الغربي لكن المثير في الأمر هو أن الطرف الثالث وهو (إقليم قره باغ) الانفصالي رفض الحل على طريقة (مينسيك) وأغلق الطريق أمام الحل عبر المفاوضات! وتضم مجموعة (مينسيك) كلاً من (أرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا وجمهورية التشيك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الروسي والسويد وتركيا والولايات المتحدة)، ويشترك في رئاسة المجموعة روسيا والولايات المتحدة وفرنسا.

بقدر ما يظهر الصراع بين أذربيجان وأرمينيا صراعاً حدودياً؛ إلا أن الخوض في تفاصيله يظهر موروثاً تاريخياً ودينياً وعرقياً للعداء بين الطرفين فتلك المنطقة التي كانت قبل الحـرب العالمية الأولى جزءاً من الدولة العثمانية مثَّلت بأعراقها جبهة متقدمة للنصرانية الأرثوذكسية الروسية في الحرب مع الدولة العثمانية، لذلك يمكن بسهولة استشعار الخطاب الداعم لمعاداة جميع الناطقين باللغة التركية من قبل الأرمن، ويأتي إصرار الأرمن على احتلال تلك المناطق جزءاً من حالة العداء التي يحملها الأرمن للمسلمين في المنطقة ولا سيما أن بعض النخب الأرمينية تعتقد أن احتلال تلك المناطق في إطار عملية ثأر من الهزائم التي لحقت بهم في الحرب مع الدولة العثمانية عام 1920م.

بسبب الموروث الكبير من الساسة الذين خلفهم الاتحاد السوفييتي في أذربيجان تعاني البلاد من ترهل وفساد إداري ومالي كبير وفي ظل أزمة كورونا التي زادت حجم الأزمة الاقتصادية ثم تلاها المواجهات على الحدود في منتصف يوليو الماضي بين الجيش الأرميني والأذربيجاني، تأججت مشاعر غضب كبيرة في صفوف المواطنين الذين اقتحموا البرلمان وتجمعوا وسط العاصمة باكو متهمين الحكومة بالعجز عن مواجهة الأرمن. وفي أرمينيا ما يزال الاستقطاب السياسي مرتفعاً في ضوء تعرض حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان لانتقادات بسبب فشله في إدارة أزمة كورونا؛ لا سيما مع وجود معارضة قومية ودينية قوية ترفض الحلول السلمية رغم أن الواقع الاقتصادي يؤكد أن المواجهة المسلحة الشاملة هي آخر شيء قد ينجر إليه الطرفان.

من أبرز اللاعبين في الصراع المتواصل في (قره باغ) روسيا التي أكدت من خلال أفعالها بأن استمرار الصراع مصلحة أمنية وجيوسياسية لوجودها في القوقاز، لذلك واصلت دعم أرمينيا بالسلاح وأظهرت أنها مصممة على الاحتفاظ بنفوذ مع جمهوريات جنوب القوقاز التي كانت ذات يوم تحت سيطرت السوفييت. ونظراً لقربها من الحدود التركية الإيرانية واعتبارها أحد خطوط المواجهة مع العالم الإسلامي طالما كانت أرمينيا الحليف التقليدي للروس سواء كان ذلك بفعل الهوية الأرثوذكسية أم بسبب العلاقات العسكرية المتينة بين الطرفين؛ إذ سمحت لروسيا ببناء قاعدتين عسكريتين على أراضيها وعززت تحالفاً عسكرياً قوياً بينهما بعكس أذربيجان التي رفضت أي وجود عسكري روسي على أراضيها.

ولمواجهة هذا العدوان ذهبت أذربيجان للتحالف مع تركيا في إطار مساحة عمل واسعة بين الجانبين، ووفرت أنقرة دعماً عسكرياً سخياً لباكو وتحفزت هذه العلاقة باتفاقات اقتصادية وعسكرية كان أبرزها سعي أذربيجان لاستثمار علاقتها بتركيا لتجاوز الروس عبر بناء خط للغاز والنفط يصل إلى ميناء جيهان التركي. فتركيا ترى أن تلك المنطقـة امتـداد طبيعي للهوية العرقية والدينية للشعوب التركية وتسعى لتعزيز وجودها ونفوذها على امتدادها.

كذلك فإن الروس ينظرون بخطورة لمحاولات الأتراك المستمرة لتعزيز وجودهم في القوقاز وآسيا الوسطى من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة الخمسة الناطقة بالتركية وهي أذربيجان وتركمانستان، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان. وكما أسلفنا سابقاً فإن موسكو تسعى لإبقاء التنازع في مناطق نفوذها السابقة لتبرير تدخلها مثلما فعلت في مولدوفا وأكرانيا وأوسيتيا وأبخازيا في جورجيا؛ فقد كشف النقاب عن تقديم الروس أسلحة بقيمة مليار دولار لأرمينيا خلال السنوات السابقة.

بالتوازي مع الموقف الروسي الداعم لأرمينيا يصطف الموقف الإيراني الذي يقف أيضاً على الجبهة نفسها؛ فمنذ استقلال أرمينيا عام 1991م تبادل البلدان علاقات دبلوماسية وطورا تلك العلاقة لتصبح عالية المستوى، ووقَّعا اتفاقات في المجال نقل الغاز وبناء مشاريع السدود المائية وتسهيل التنقل بينهما لأغراض تجارية وسياحية. ويمكن هنا إدراك بعض الاعتبارات التي تحفِّز العلاقة بين الطرفين أولها حاجة أرمينيا للنفط الإيراني في ظل تنافس شديد على الأسواق بين أذربيجان وإيران، بالإضافة إلى التنافس التركي الإيراني في القوقاز. وتنظر إيران بعين العـداء لتركيا وأذربيجان. تحالفت أذربيجان في بداية استقلالها مع تركيا لترويج مشروع الحركة الطورانية التي كان الهدف منها توحيد الشعوب التركية وإزاحة إيران من المنطقة بشكل كلي، كذلك فإن إيران تعد عنصراً مهماً لأرمينيا بسبب الحظر التركي المفروض عليها، وتحاول طهران من جانب آخر استثمار هذه العلاقة في تلطيف التوتر مع واشنطن وتل أبيب. ففي إيران يعيش أكثر من 200 ألف أرميني يتمتعون بكامل الحقوق ولديهم تمثيل برلماني ولديهم أكثر من 30 كنيسة بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية التابعة لهم. ومن المواقف اللافتة التي تؤكد قوة العلاقات الأرمينية الإيرانية هي رفض رئيس الوزراء الأرميني طلباً لمستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون في أكتوبر عام 2018م بإغلاق الحدود مع إيران، كخطـوة كانت تسعى إليها واشنطن لتضييق الخناق على طهران بسبب ملفها النووي.

تحاول الولايات المتحدة لعب دور الحياد ظاهرياً في هذه الأزمة لكنها على أرض الوقاع تقدم مساعدات كبيرة لأرمينيا سواء على المستوى المادي أو السياسي؛ فقد دعم الكونغرس الأمريكي موقفها في (قره باغ) واعتبرها جزءاً من الديمقراطية الغربية، لكن الفكر السياسي الأمريكي الذي دائماً يحفز التصارع بين الخصوم قد يجد الصراع في المنطقة مفيداً في استنزاف كلٍّ من روسيا وتركيا وإيران، بالإضافة إلى وجود مساحة ضيقة للتدخل بين هذه الأقطاب التي تعد القوقاز منطقة نفوذ لها ولن تسمح بتدخل أمريكي كبير، كذلك فإن أحد معوقات وجود حل للصراع استمرار معاناة أكثر من 700 ألف لاجئ أذري مسلم ضحية لاحتلال الأرمن لمرتفعات (قره باغ) والمناطق المجاورة لها ويرفض الأرمن السماح لهم بالعودة لبلداتهم، ولا يمكن أيضاً إهمال الصراع التاريخي المبني على هوية عرقية ودينية بين الطرفين.

أما النقطة الأخيرة والأهم وهي أبرز أسباب فشل أي حلول سلمية؛ فهي استمرار الدعم الروسي والإيراني المشتركة للأرمن في وجه الأذريين على اعتبار أنهم جزء من الصراع مع تركيا ومحاولات استنزافها ووقف تمددها في منطقة القوقاز والحد من توسعها هناك.