تعد قوة النظام الاقتصادي لأي مشروع سياسي أهمَّ محركات التمدد الحضاري والسمةَ المحفزة على ممارسة التنافسية في الاقتصاد السياسي العالمي، وهي الوسيلة التي يتم استخدامها لإعادة هيكلة البناء الحضاري العالمي؛ فقد بذلت الولايات المتحدة (التي تمثل الرأسمالية بهويتها الاقتصادية والثقافية والسياسية) جهداً كبيراً في تجييش العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحـرب الباردة للقضاء على الاتحاد السوفييتي الذي وسَّع مشروعه الاقتصادي السياسي عبر هويته الاشتراكية، وهو ما أثَّر على التركيبة السياسية للمنطقة العربية والعالم الإسلامي بظهور الأحزاب الاشتراكية ومخلَّفاتها من التيارات القومية التي سببت كثيراً من الإرباك والتصـارع السياسي في المنطقة، وهذا الأمر يمكن أن يكون قاعدةَ قياسٍ لطبيعة العلاقات التي تقيْمها بلدان العالم الإسلامي مع الدول الكبرى بغرض تحقيق توازن سياسي يحميها من التغول عليها، وفي هذا السياق سنتحدث عن العلاقات (الإسلامية - الصينية) ومستقبلها ما بعد زوال فيروس (كورونا)، ومعرفة أهم معززات دعم وتطوير هذه العلاقة؛ فالشرق الأوسط الذي كان قبل عام 1973م لم يكن هو الشرق الأوسط ذاته بعده ذلك التاريخ، والفارق كان يتعلق بتوسع دائرة النفوذ الأمريكي على حساب نقيضه السوفييتي، والفروقات تعلقت بالهوية الثقافية وتكنولوجيا التسلح والمبيعات النفطية.

منذ تلك الفترة تعيـش الولايات المتحدة حالة استفراد بصناعة القرار العالمي؛ وذلك لعدة أسباب أهمها: الهيمنة والسيطرة على الممرات الملاحية وضمان استمرارية فتحها وتأمين تنقُّل البترول من مصافي التكرير إلى مستهلكيه، كذلك تمكنت الولايات المتحدة من صنع نظام رأسمالي يُجبِر أسواق الطاقة على الخضوع لهذا النظام؛ فالنفط ليس غطاءً للدولار الأمريكي بل وعد بأنه سيكون قابلاً للبيـع غداً وهي القوة الحقيقة للدولار، وتلك القوة زادت من الإنفاق العسكري الأمريكي وجعلت السلاح الأمريكي الأكثر رغبة لدى المستهلكين، فـ 78 % من الأسلحة الموجودة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية وَفْقاً لدراسة نشرتها (modern diplomacy). لكن مع ظهور كثير من الدول النامية مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وماليزيا وتركيا بالإضافة إلى الصين كقوىً تحاول الحصول على حصة من الاقتصاد العالمي على حساب الصادرات الأمريكية، ومحاولة الصين لعب دور قيادي في هذا الأمر عبْر تبنِّيها لمشروع طريق الحرير وتعزيز تحالفها مع تلك الدول لمواجهة الاستفراد الأمريكي، وتزامُن ذلك مع الفشل السياسي والعسكري الذي غرقت فيه الولايات المتحدة في يوغسلافيا السابقة، وأفغانستان، والعراق، وليبيا وسوريا وأوكرانيا فإنها اليوم في نظر الجميع لا تقوم بدور إصلاحي في العالم بقدر ما تقوم بإدارة تراجعه.

في فترة من الفترات كان هناك تصالح صناعي صيني - أمريكي سمح للشركات الأمريكية الكبرى مدفوعة بجشعها لتحقيق مزيدٍ من الأرباح بتحويل كثير من الضواحي الصينية إلى مجمعات صناعية تعمل لصالحها لتوَفُّر عمالة رخيصة وموادَّ خام أرخص، ورفع هامش أرباحها، وتلك كانت الضربة الأكثر تأثيراً في تغيير مسار الهيمنة على الصادرات العالمية؛ فلم تكن الخطوة في نظر الصين مجرد عملية منفعة متبادلة بل هيمنة الصينيين على كثير من التكنولوجيا الصناعية وهذا الأمر سمح لهم بالحد من التغول الأمريكي على التكنولوجيا الرقمية حتى خرجت شركة (HUAWEI) أبرز رموز التصارع الأمريكي الصيني؛ لا سيما بعد الكشف عن تطويرها لشبكة الجيل الخامس.

يعتقد بعض الاقتصـاديين في العالم أن الصين تدين بنجاحها الكبير إلى ثلاثة عوامل أساسية، أولها: تبنِّي سياسة اقتصادية تقليدية تشبه ما فعلته اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية. والثاني: يتعلق بالحدِّ من الاستهلاك المحلي. والعامل الثالث - وهو أهم عوامل نجاح النهضة الصينية -: تكلفة الإنتاج المنخفضة لدى الشعب الصيني، وهذا العامل على المدى الزمني البعيد يضمن للصين تفوقاً اقتصادياً كبيراً.  

مع بداية أزمة كورونا التي تسببت بإغلاق الاقتصاد العالمي ووَفْقاً لتقـديرات وكالة (Bloomberg) فإن الاقتصاد العالمي سيخسر 2.7 ترليون دولار من الناتج الاقتصادي، وهذا الأمر سينعكس بشكل كبير على الصين التي أعلنت أن شركة الخطوط الجوية الحكومية قد خسرت في الربع الأول من العام الجاري 5 مليارات دولار، بينما انكمشت مبيعات السيارات فيها بنسبة 80%. إضافة إلى ما سبق فإن ما يعرف بمبادرة الحزام والطريق أو (طريق الحرير) التي ستمهد لتوسيع دائرة الربط بين الأسواق ومصادر الإنتاج الصينية، والتي أحرقت الصين أكثـر من 90 مليار دولار في تطويرها وعقد اتفاقيات مع الدول المشاركة فيها؛ قد تتعثر بشكل كبير لا سيما مع وجود مديونية نقدية خارجية بلغت مع نهاية العام الماضي تريليوني دولار. وتلك الآثار لن تعاني منها الصين فقط؛ بل ستشمل الاقتصـاديات الضخمة بكاملها ومنها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعيش أزمة سياسية واقتصادية حادة، لكن تلك الكبوة الاقتصادية العالمية التي فرضها فيروس (كورونا) قد تمثل مسحاً بيانياً هامّاً لاختبار قوة اقتصاديات الأقطاب العالمية وقدرتها على الصمود، ولكن بالتزامن مع طرح الصين كشريك مهم للعالم الإسلامي في ما يتعلق بالمسار الاقتصادي؛ فإننا لا يجب أن نجهل روسيا التي تمتلك مجموعة حقائق يجب الإقرار بها وأهمها الفيتو الروسي في الأمم المتحدة وكذلك الوجود التاريخي للمسلمين في روسيا الذي يصل إلى 20% من إجمالي السكان، وامتلاك موسكو لأكبر احتياطي من الذهب الخام في العالم، وكذلك امتلاكها للنظام الرقمي البديل بخبراتها الفضائية الكبيرة وتكنولوجيا التسليح الضخم. يقول توماس غراهام من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي: «باستثناء الصين، لا يوجد بلد يؤثر على القضايا الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة أكثر من روسيا، ولا توجد دولة تستطيع تدمير الولايات المتحدة خلال 30 دقيقة سوى روسيا».

رغم أن المملكة العربية السعودية هي بوصلة العالم الإسلامي في اختبار تطور العلاقات مع الأقطاب الكبرى في العالم لدواعي تتعلق بقوَّتها النفطية ومركزيتها باعتبارها قوة روحية لــ 57 دولة إسلامية منضوية تحت راية منظمة التعاون الإسلامي، فإن التعداد السكاني والميزان التجاري له دور كبير أيضاً في حساب هذا الأمر، وتأثير ذلك له فاعلية كبيرة منذ أن زاد تمثيل الدول الإسلامية في سباق النمو العالمي تمثله إندونيسيا وماليزيا وتركيا.

ومع انفتاح المملكة العربية السعودية في العقدين الأخيرين على الصين بدأت الشركات الصينية تؤدي دوراً رياديّاً في الاقتصاد السعودي؛ فهي تقوم ببناء خمس محطات لتوليد الطاقة تعمل بالزيت في مدينة ينبع بقدرة 660 ميغاوات، ومنشأة لتحلية مياه البحر بمساحة 550 ألف متر مكعب، وتشارك في العديد من مشاريع البنية التحتية مثل محطات القطارات والاتصالات الخليوية، وقد سجلت التجارة البينية (السعودية - الصينية) خلال عام 2018م ارتفاعاً بنسبة 32%، بما يعادل 56 مليار ريال، لتبلغ نحو 230.3 مليار ريال مقابل 174.3 مليار ريال في عام 2017، لتكون الصين بذلك أهمَّ شريك تجاري للمملكة خلال عام 2018م.

أما بالنسبة لتركيا فقد بلغ حجم التبادل التجاري مع الصين 21.6 مليار دولار خلال عام 2018م، وتعد الصين حالياً ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد روسيا. وتقول الإحصاءات الرسمية إن التجارة بين الصين والإمارات بلغت 45.92 مليار دولار أمريكي في عام 2018م، بزيادة 12% عن عام 2017م. وفي عام 2018م، استثمرت الدولة الخليجية في 31 مشروعاً وشركة في الصين.

وتعد الصين ثاني أكبر شريك اقتصادي لماليزيا؛ فقد شهد التبادل التجاري معها نموّاً بنسبة 14.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 28.92 مليار رنجت، مع نموٍّ في الصادرات بنسبة 9.1% لتبلغ 11.02 مليار رنجت، ونموٍّ بنسبة 17.5% في الواردات التي بلغت 17.9 مليار رنجت، وَفْقاً لـ (Xinhua net). وفي يونيو عام 2019م وقَّعت الصين وإندونيسيا اتفاقيةً لرفع التبادل التجاري السنوي بين البلدين إلى 50 مليار دولار أمريكي، ورغم أن الأرقام السابقة لا تشمل جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي إلا أنها بكل تأكيد تشغل حيزاً كبيراً في الاقتصاد الصيني، لكن كما أشرنا سابقاً فإن الحافز الأهم والأكبر لتطوير العلاقة بين الجانبين يتعلـق بأولويات تبادل المنافع ومدى التوافق حول السياسيات العالمية وتقارب الثقافات والاهتمـامات وليس فقط أن تكون الأولوية للشركات العسكرية؛ فالولايات المتحدة خلال العقود الماضية مثَّلت أكبر شريك عسكري واقتصادي لمنطقة الخليج سواء كان ذلك بصفة رسمية أو عبر توسيع انتشار الشركات الأمريكية في تلك المنطقة لتـؤثر في هويتها الثقافية والاقتصادية والأمنية لكن مع زيادة التقلبات الأمنية في محيط تلك المنطقة تخلت واشنطن عن دورها كشرطي لحماية المنطقة والحدِّ من الصراعات فيها ومارست دوراً جديداً يتعلق بإدارة تلك الصراعات، وهذا الأمر انعكس سلباً على المنطقة سواء فيما يتعلق بملف اليمن أو العراق أو سوريا.

قد يكون ملف الشراكة بين المملكة العربية السعودية والصين أحد النماذج الإسلامية الأكثر أهمية لمناقشته لعدة أسباب؛ أبرزها وجود أعمدة لتلك الشراكة تتعلق بحاجة الصناعة الصينية للنفط الخام السعودي وحاجة المملكة لسوق تسليح قادر على منافسة الابتزاز الأمريكي، وكذلك أهميـة الصـين كلاعب ضمن المنظمات الدولية لا سيما في ظل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن.

خلال أزمة فيروس (كورونا) ورغم أن مدينة ووهان هي مصدر انتشار الفيروس إلا أن فاعلية النظام الصحي الصيني في احتواء الفيروس أكسبته كثيراً من الثناء من قبل الإعلام السعودي؛ فقد كتب سلمان الدوسري في 16 مارس مقالة نشرتها صحيفة الشـرق الأوسط أشـــاد فيهـا بالأداء الصيني لاحتـواء الفيروس، وفي جملـة ساخرة بأبعاد سياسية كبيرة قال عبد الرحمن الراشد: «لا تملك الحكـومة الأمريكيـة ما يكفي من القوة العسكرية لإبقاء عشرة ملايين شخص [في نيويورك] في منازلهم!»، ورغم أن تلك الاشادات التي طغت على وسائل الإعلام السعودية لا تعبِّر عن الموقف الرسمي بصورة مؤكـدة إلا أنها تمثل توجهاً سـائداً في الآونة الأخيرة لا سيما مع توقيع المملكة اتفاقية في أبريل الماضي مع بكين لاستقدام 500 من الفنيين والاختصاصيين الصينيين لإجراء 9 ملايين فحص لفيروس كورونا.

وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرفع فيه شعار (أمريكا أولاً) في مواجهة الأزمة كانت الصين تستثمر الحدث في تقديم نفسها بديلاً في القيادة العالمية للأزمات عبر إرسال مساعدات للعديد من الدول المتضررة من الفيروس، وقدمت الكثير من المشورة لشركائها حول العالم ومن بينها السعودية حول كيفية التصدي للفيروس. وعلى النقيض من ذلك، فإن التعاون الأمريكي السعودي في مواجهة الوباء كان شبه معدوم. وقد جاءت الأزمة بالتزامن مع أزمة النفط التي زادت الفجوة بين الطرفين على خلفية الخسائر التي تكبدتها شركات النفط الصخري الأمريكي بسبب زيادة ضخ المملكة وروسيا لكميات من النفط في الأسواق العالمية بالتزامن مع الركود الحاصل أدت إلى انخفاض الأسعار بصورة كبيرة.

يقول جون لي من معهد هدسون: «بغضِّ النظر عن حرب الروايات الشائعة هذه الأيام فإن الولايات المتحدة بحاجة للتركيز على كيفية الحفاظ على مكانتها على المسرح الدولي بالتزامن مع فقدها لكثير من مصداقيتها بسبب فشلها في تقديم استجابة فعالة في الداخل والخارج، وهذا الأمر يتفق معه جوناثان فولتون من جامعة زايد، الذي أشار إلى أن التفاعل الصيني مع الأزمة رفع مكانة بكين بين دول الخليج. وهذا الأمر أشار إليه مدير المخابرات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل في مقابلة نشرت في 5 أبريل قال فيها: «إن الغرب لم يظهر نفسه كمثال ساطع على السلوك تجاه فيروس كورونا».

تاريخياً لم يكن بين الصين والعالم الإسلامي أي خلافات باستثناء مسألة الأويغور في تركستان الشرقية، لكن نظراً للانكماش الصيني وطبيعة التفرد الأمريكي في المنطقة فإن العلاقة بين الجانبين غلب عليها البرود؛ فقد كانت الصين مدفوعة بحاجتها لتوسيع دائرة علاقاتها مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، لكن مع حاجتها لفتح أسواق جديدة لمنتجاتها بدأت الصين تعيد صياغة تقارب سياسي واقتصادي وثقافي مع العالم الإسلامي سواء من خلال توفير برامج تسلح منافسة للصناعات الأمريكية، أم رفع الميزان التجاري، أم الإعلام الموجَّ++ه الذي تسعى الصين من خلاله لتعميق شراكتها مع هذا الجزء من العالم؛ فعلى صعيد التسليح ووَفْقاً لبيانات نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الجديد خلال عام 2018م فقـد تسلَّمت مصر خلال الأعوام 2015 و 2016 و 2017م أكثر من ألف قطعة سلاح متنوعة من الشركات الصينية منها القنابل الذكية والصواريخ البحرية وصواريخ كروز بوظائفها المتنوعة، وتُعَدُّ الجزائر أيضاً شريكاً مهمّاً للصين في مجال التسليح، وبحسب المعهد نفسه فقد أصبحت الصين ثاني أكبر منتج للسلاح حول العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

وخلال جولة قام بها الرئيس الصيني السابق (جين تاو) عام 2004م إلى مصر والجزائر وجامعة الدول العربية دشن فيها إنشاء منتدى التعاون العربي الصيني، وهو منتدى كان يهدف إلى رفع مستوى التعاون بين الطرفين، وقد طرح الرئيس الصيني عدة مبادئ للشركات العربية الصينية أولها تقوية الروابط التجارية ثم توسيع التبادل الثقافي وترجم ذلك عبر مبادرة مختلفة مثل الإعلام الصيني الموجَّه باللغة العربية، الذي تعـد وكالة (شينخوا) أبرز مصـادره، وكذلك تنمية التعاون في الشؤون الدولية بهدف الحفاظ على السلام العالمي. وفي عام 2004م وقَّع وزراء المالية في مجلس التعاون الخليجي اتفاقيات إطارية للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري مع الصين، وتم التباحث في حينها حول إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. بالإضـافة إلى ما سبق فإن مواقف الصين المحايدة إزاء بعض القضايا الإسلامية مثل قضية فلسطين حفزت الدول الإسلامية لتعتبرها شريكاً بديلاً عن الولايات المتحدة، لكن مع ذلك ينبغـي توضيح الموقف الصيني من أهم القضايا الإسلامية وهي قضية فلسطين؛ ففي السابق كانت الصين تُعدُّ من أبرز الداعمين للحق الفلسطيني في أروقة الدبلوماسية الدولية لكن مع توسع نفوذها الاقتصادي وحاجتها لأسواق جديدة فقد تحولت (إسرائيل) إلى شريك تجاري مهمٍّ بالنسبة للصين؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2017م 10 مليارات دولار بنمو بلغ عام 2018م أكثر من 30% رغم الحرب التجارية الصينية الأمريكية. وتلخيصاً للموقف الصيني من القضية الفلسطينية في الوقت الراهن في حفل مكتب جمهورية الصين لدى فلسطين، في 23 سبتمبر 2019م، صرح السفير الصيني (مدير المكتب)، قوه وي، بمناسبة العيد الوطني السبعين للصين، حول السياسة الصينية، قائلاً: «إن الصين انتقلـت خلال الأعوام السبعين الأخيرة من بلد مغلق ومتخلف إلى انفتاح وتقدم»، وأوضح «المفهوم الصيني الداعي إلى تحاور دون مجابهة؛ إذ إن الصين التزمت على مدى 70 عاماً الماضية بغاية تعاهدية بمشاركتها في صياغة قواعد الحكم العالمي ومجال تعاون دولي متعدد الأطراف في مكافحة الإرهاب وعدم انتشار الأسلحة النووية، ويشير ذلك إلى أن أولويات السياسة الخارجية للصين هي الاقتصاد والتنمية، لكن هذا الأمر يتناقض جليّاً مع رغبة الملك الأردني عبد الله الثاني الذي صرح مراراً برغبته في أن تلعب الصين موقفاً إيجابياً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والأزمة العربية الإيرانية التي تقف الصين على نقيض فيها من المصالح العربية. ومثلما تنظر الصين إلى أهمية إقامة علاقات جيدة مع الجميع فإن (إسرائيل) تعتقد أن قوة علاقتها مع الصين ستجعلها تستفيد من نفوذها الدبلوماسي لتلعب دوراً هاماً في تحسين علاقاتها مع البلدان الإسلامية وهذا الأمر عبَّر عنه الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرز وَفْقاً لتقدير موقف نشره (mepc).

أخيراً: يمكن القول: إن أهم دوافع تطوير العلاقة بين الصين وبلدان العالم الإسلامي مرتبطة بالرغبة في التخلص من ظاهرة الابتزاز الأمريكي وتأثيرها في المنطقة من الناحية الأمنية؛ فقد تسبب التدخل الأمريكي في العقدين الماضيين، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001م، بكوارث إنسانية أدت إلى مقتل وتشريد عشرات الملايين من المسلمين في العراق وأفغانستان وليبيا والصومال واليمن وسوريا، كذلك فإن الموقف الأمريكي من إيران أصبح أكثر انكشافاً في المنطقة؛ فقد رفضت الولايات المتحدة اتخاذ موقف أكثر انحيازاً للموقف الإسلامي والعربي بشأن التخلص من التهديد النووي الإيراني، وفضلت استثمار الخلافات الدينية في العالم الإسلامي لتدميره من الداخل بدلاً من حماية الاستقرار السلمي فيه.

كذلك فإن المعادلة الاقتصادية - وهي بكامل أجزائها تصب في صالح العالم الإسلامي الذي يستحوذ على ثلثي مخزون الطاقة العالمي ويعتبر المورد الرئيسي له - تشجع الصين على الاندفاع في تطوير هذه العلاقة لضمان تلبية أكثر من 60% من النفط الشرق أوسطي الذي يشغِّل مصانعها. بالإضافة إلى الواردات الصينية الضخمة للكتلة الإسلامية التي تعد جزءاً مهمّاً من السيولة النقدية التي تستخدمها الصين في توسيع دائرة نفوذها الاقتصادي والسياسي.

ومثلما حاولت الولايات المتحدة توسيع دائرة الالتقاء الثقافي بين شعوب العالم الإسلامي عبر نشر الليبرالية كحاضنة للعلاقات الاقتصادية والمنافع الأمنية المتبادلة فإن الصين تسعى لتكون الثقافة هوية يمكن نشرها في المنطقة لكن اللغة تمثل عقبة كبيرة في ذلك؛ فاللغة الصينية المنتشرة في البر الصيني لا يوجد تداول عالمي لها أسوة باللغة الإنجليزية التي تعد لغة رسمية معتمدة في المنظمات والشركات العالمية وهذا الأمر يقلل المنفعة منها بالنسبة لسكان العالم الإسلامي ولا يحفِّز على تعلُّمها، بعكس الإنجليزية التي تُعدُّ لغة تعليم واقتصاد، لكن الصين لجأت إلى تعزيز الحاضنة الثقافية بين الطرفين عبر السينما والإعلام الموجَّه باللغة العربية للتعريف بالعـادات والتقاليد الصينية ومحاولة إيجاد روابط مشتركة بين الطرفين.

إن الأضرار التي قد تنجم عن فيروس كورونا بالنسبة لجمهورية الصين الشعبية لن تخفف من أهميتها الاقتصادية ودورها المحوري على مستوى العالم لعدة أسباب، أهمها امتلاك الموارد الطبيعية والأيدي العاملة المخفضـة، وكذلك امتلاكها التكنولوجيا التي تساهم بشكل كبير في توسيع نفوذها الاقتصادي وتطورها الصناعي، لكن الدرس المستفاد من الأزمة: هو أن العلاقات الإسلامية المشتركة وتوحيدها وتركيزها من حيث صناعة القرار والاهتمام بالتنمية الاقتصادية يمكنه أن يمثل خطوة على طريق الاكتفـاء الذاتي دون القلق بشأن التصارع العالمي على النفوذ. وسواء كانت الولايات المتحدة أم الصين أم روسيا هي الشريك المثالي لإمدادات السلاح والواردات ولعب دور شرطي العالم فستبقى الإشكالية الأساسية هي أن تلك الأقطاب دائماً تبحث عن مصالحها؛ وكلما زاد نفوذها وتفردها زادت أساليب ابتزازها اتجاه شركائها. وهذا الأمر يظهر جلياً في الفترة الأخيرة من خلال الضغط الروسي على النظام السوري، وكذلك ما تفعله واشنطن في العراق أو مع إيران، لذلك وجـب البحث عن شراكة إسلامية لتحقيق اكتفاء ذاتي سواء فيما يتعلق بالاقتصاد أو التسليح أو النفوذ السياسي على مستوى العالم؛ فعوامل الالتقاء وروابط الشراكة بين أعضاء الكتلة الإسلامية الواحدة أكبر بكثير مما يجمع الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي.