أرشد الدين الإسلامي الحنيف المسلمين إلى جملة من التوجيهات النافعة القيمة التي ينبغي الاهتداء بها عند وقوع الشدائد ونزول الابتلاءات والمصائب.

فأولها: إخلاص التوجه إلى الله والرجوع إلى أمره وشرعه:

فهو الخالق، وكل مَن عداه وما سواه مخلوقٌ مربوبٌ، وهو - سبحانه - المتصرف في الكون بما شاء وكيف شاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ومِن ثَمَّ وجب على العباد اللجوء إليه وحدَه في رفع المصائب والابتلاءات، فيصرفوا جميع الطاعات والعبادات والقربات له وحده، قال سبحانه: {وَإذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ} [الإسراء: 67].

وقال سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ الْـمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].

وإخلاص التوجه إلى الله تعالى لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب المشروعة؛ كالبحث عن الدواء في حال المرض ونزول الوباء.

وثانيها: التضرع إلى الله تعالى:

التضرع مِن أجلِّ وأعظم العبادات التي ينبغي على المسلم أن يتقرب بها إلى الله تعالى عند نزول الشدائد والمصائب، قال تعالى في الأمـم السابقة: {فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42].

وقال سبحانه: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43].

وقال أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94].

وقال الله تعالى في المشركين الطغاة الأوائل من هذه الأمة: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76]. ومعنى التضرع: التذلل والخشوع لله تعالى وإظهار الضعف عند اللجوء إليه في رفع البلاء.

وثالثها: اليقين بالفرج:

على المسلم أن يتيقن بأن المصائب والشدائد مهما طالت ستزول يوماً ولن تدوم، لقوله تعالى: {فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا 5 إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٥ - ٦].  فالمصائب والشدائد ينزلها الله بالعباد لحِكِمٍ كثيرةٍ، منها: إيمانُ الكافر، وتوبةُ العاصي، وكفُّ ظلم الظالم، واختبارُ إيمان المؤمن، ثم تزول بعد مدتها وأمدها، قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: ٢١٢]، وقال الله تعالى في شأن موسى عليه الصلاة والسلام مخبراً عن يقينه وحسن توكله على الله تعالى: {قَالَ كَلَّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]. قال موسى عليه الصلاة والسلام هذا موقناً بنصرة الله تعـالى له، لَـمَّا أدركته ومَن معه مِن المؤمنين جنود الفرعون.

ورابعها: عدم اليأس والقنوط:

نهى الله تعالى عباده المسلمين عن اليأس والقنوط من رحمته، ومعناه: أن يتصورَ الإنسان ويقعَ في ذهنه أن لا يأتيَ بعد الشدة والبلاء خيرٌ ولا يترجى رفع المصيبة، قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].  

وقال سبحانه: {لا يَسْأَمُ الإنسَانُ مِن دُعَاءِ الْـخَيْرِ وَإن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 49].

وقال أيضاً: {وَإذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]. قال ابن كثير في معنى هذه الآية: «هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه؛ فالإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 10]؛ أي يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية». 

وخامسها: الصبر :

بيَّن الله تعـالى في شرعه لعباده أن الدار الدنيا إنما هي دار ابتلاء واختبار، وأنه يبتلي عباده بالمصائب والشدائد ليمحِّصَ إيمان المؤمنين، ويختبرَ صدقهم ويقينهم، ويستخرجَ من كلِّ نفس ما تُكِنُّ من خير أو شر؛ فأما النفوس الطيبة فيصدر عنها الصبر والثبات واليقين والرجاء والإنابة والثقة بالله تعالى. وأما النفوس الخبيثة فتصدر الجزع والسخط والتذمر القنوط فتُحرَم بذلك الأجرَ دون أن تغيِّر من قضاء الله وقدره شيئاً؛ لذا فقد بشَّر الله تعالى الصابرين بثوابه ورحمته فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155 - 156].

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]؛ لذا يعيش المؤمن الخيرَ في جميع أحواله في سرائه وضرائه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له»[1].

وقد أثنى الله تعالى على نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام بقوله: {إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: ٤٤]؛ وذلك لَـمَّا ابتلاه الله في بدنه وأولاده وماله.

وسادسها: احتساب الأجر عند الله تعالى:

في أوقات وفترات انتشار الأمراض والأوبئة أرشد الإسلام إلى لزوم الدُّور والبيـوت مع التحلي بالصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى؛ فقد «سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم  عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم  أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين؛ فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد»[2]. فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الحديث أن من لزم بلده صابراً محتسباً، مفوِّضاً أمره لربه سبحانه، فله من الأجر والثواب مثل ما للشهيد من الأجر العظيم.

وسابعها: التوبة من المعاصي والذنوب:

يبتلي الله من عباده بالمصائب والشدائد بسبب ما هم عليه من الذنوب والمعاصي لعلهم يكفُّون ويتوبون قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]؛ أي يرجعون عن فعل المعاصي والآثام بالتوبة والكف والإقلاع والندم.

 


 


[1] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون.