مقدمة الموضوع:

يحب الإنسان رفع الجهل عن نفسه، وحبَّ الاستطلاع وإضافة الجديد من المعلومات والمعارف إلى خزينته الذهنية في شتى أمور الحياة ومناحيها؛ ولا سيما في أمور دينه وأحكام عباداته وأصول عقيدته الإسلامية، وهو شرف عظيم؛ فطالب العلم أُمِر بالازدياد منه كما في القرآن الكريم.

 ومع ذلك الشرف وتلك الرغبة العظيمة، ينبغي ألا تأخذنا كثرة ما تنتجه المطابع والمؤسسات الصوتية من كتب وأشرطة متنوعة، ولا بد من الإحاطة بالعلم أولاً بمعرفة مبادئه، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «العلم كثير ولن تعيه قلوبكم، فاتَّبعوا أحسنه».

وقد قال ابن خلدون - رحمه الله - في مقدمته الشهيرة: «... وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول مَلَكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الـمَلَكة لم يكن الحذق في ذلك الفــن المتناوَل حاصلاً».

وقال الشاعر:

وإذا طلبتَ العلمَ فاعلم أنَّه

حِمْل فأَبْصر أيَّ شيء تحملُ

وإذا علمتَ بأنَّه متفاضلٌ

فاشغل فؤادَك بالذي هو أفضلُ

إن أمتنا الإسلامية تمر بمنعطف فكري عقدي في المقام الأول، وحملة لواء الشريعة والعلـم لا بد أن يُبنَوا بناءً علمياً أصيلاً متكاملاً في شتى المناحي، كما أن النوازل والتقنية المعلوماتية في هذا العصر غدت متتابعة ومسيطرة على العالم؛ فلم تعد المسألة مسألة تأصيل علمي بجمع المعارف والحفظ وإنهاء الكتب فحسب، بقدر ما هو إدراك لمتطلبات العصر. وبين هذا وذاك، من التراث الأصيل والعلم المعاصر، كان لنا هذا التحقيق الذي سعينا فيه إلى الإحاطة قدر الإمكان بكل ما يتعلق بالبناء العلمي، مع متخصصين في هذا الشأن على مدى حقب من الزمن، ومعتنين ببناء الطلبة أكاديمياً وتعليماً في المساجد.

وضيوف التحقيق هم على الترتيب الأبجدي:

د. أحمد الحارث البزوي الضاوي - المغرب.

 د. زغلول راغب النجار - مصر.

د. عبد الله بن مبارك آل سيف - السعودية.

د. عبد الله وكيِّل الشيخ - السعودية.

الشيخ فهد بن عبد الرحمن العيبان - السعودية.

د. محمد المختار محمد المهدي - مصر.

جاءت مسارات التحقيق بشكل عام على محاورَ، أولها بدايات ومقدمات ومنطلقات عامة في مسيرة البناء:

وافتتحنا تحقيقنا على بركة الله - تعالى - بسؤال عميق تمهيدي، وهو: هل تنمية التفكير والبناء العلمي كان لها تاريخ في العصور القديمة، وما مظاهره والأمثلة عليه؟ وقد ذكر لنا المشايخ إجابات مستفيضة على هذا السؤال وعلى غيره كذلك، لا يتسع المقام لذكرها[1]، فذكر د. عبد الله مبارك آل سيف (الأستاذ المشارك بكلية الشريعة بالرياض) ما كان في العصر الجاهلي والعصور الإغريقية، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني أذهان الصحابة بإثارة الأسئلة بينهم، حتى أصبح الصحابة ينشئون المدارس، ويفترضون افتراضات فقهية لا زلنا نستفيد منها حتى يومنا.

وقد أفاض معنا د. أحمد الحارث البزوي الضاوي (وهو أستاذ التعليم العالي بجامعة شعيب الدكالي الجديدة) إفاضة بعيدة بديعة جداً، وتاريخية فكرية عميقة تستحق أن تُبحَث وتُدرَس وتنشر في مؤلَّف لطيف أو تنشَر وحدها موضوعاً مستقلاً؛ إذ تطرق فيها إلى الحقائق القرآنية والنبوية، وعرَّج على النظرة الداروينية ومفسدتها للعقول البشرية، وللمنهجية العلمية الأصيلة، ولكن يمكن أن ننتقي منها ما يلي حيث قال: إننا لو قلَّبنا المسألة فإن هذا الأمر من صميم نقل الخبرات إلى الأجيال الصاعدة؛ إذ يُبرِز لها أهمية الرؤية العلمية؛ أي زاوية النظر التي ننظر من خلالها للأشياء والقضايا، وهي ما يمكن الاصطلاح عليه بالأطروحة أو الإشكال العلمي أو المنهجي، أقول: لو قلبنا المسألة لتغيرت نظرتنا إلى الأشياء، التي تركز على الآني، وتتجاهل الصيرورة والتطور بعيد المدى، فوقعنا أسرى ما يصطلح عليه بنظريات الحالة الراهنة؛ حيث انعدام الأفق النظري؛ خلافاً للرؤية القرآنية بعيدة المدى التي تجعل الإنسان يؤمن بالله الواحد الأحد، الأول والآخر، الظاهر والباطن، المطلق المتعالي عن الزمان والمكان، فتجعل الإنسان في حياته مشدوداً إلى المطلق في بُعدَيه (الجلال والجمال)، وهو ما يجعل رؤيته للعالم رؤية شمولية بعيدة المدى، تستحضر اللحظة الآنية وتؤطرها في صيرورة وتطور بعيد المدى. وصدق ربنا إذ يقول: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: ٤ - ٥] وكما يؤكده الدعاء المأثور: «اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء». كما يؤكده واقع الحياة والمشاهدات المتواترة.

ونحن إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد حقائق مذهلة عن الحضارات الإنسانية السابقة، وما تُلْمح إليه من تقدُّم علمي وتقني، كما نجد اليونانيين قد ابتكروا ما يمكن الاصطلاح عليه بمقدمات العلوم، ولا يخفى ما لمقدمات العلوم من دور كبير في التأهيل العلمي بالنسبة لطلبة العلم، ومن ثَمَّ احتلت دوراً بارزاً في التأليف لدى المسلمين.

وقد واصل الدكتور الضاوي حديثه الغيور والماتع جداً ذاكراً بعض الحضارات القديمة واستفادتها من الفهم والعلم من حضارات الأنبياء كما في تعلُّم آدم - عليه السلام - الأسماء كلها، وما في قصة داود وسليمان وقضية الخصومة في قصة الغنم، وكيف عَمَرَ الإنسان الأرض بالملاحظة والمحاكاة والتدريب والتطبيق، وكيف استفاد من اللغة في نقل خبراته وتجاربه، فلعل القارئ الكريم يرجع إلى موقع المجلة لقراءة ذلك الكلام الرصين والماتع بتمامه.

مهارات تراثنا الإسلامي:

وتدرجنا بعد ذلك في ذكر المهارات الموجودة في تاريخنا العربي والإسلامي، وكيف برع المؤلِّفون في تأليف كتبهم ووضعها بهذه الطرائق البارعة، منذ عصر تدوين السُّنة مروراً بأئمة الفقه والتفسير، ثم زمن شيخ الإسلام وطلابه ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي وابن رجب حتى القرون المتأخرة.

فجاءت إجابة د. الضاوي أيضاً متممة ومهمة في هذا المجال وتأصيلية بمعنى الكلمة؛ حيث واصل إفاضته البديعة في ابتكارات الحضارة الإسلامية ومنطلقات العلوم عند المسلمين لكن ننتقي منها قوله: (لعل رجوعنا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى من لم يسمعها؛ فربَّ حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»[2] تبيَّن كيف استفاد المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقومات العلم:

ومن ثَمَّ كان ذلكم الحرص على توثيق المعلومات توثيقاً علمياً دقيقاً فأنتجوا علم مصطلح الحديث، والحرص على فهم المعلومات فأنتجوا أصول الفقه وعلم التفسير وفقه الحديث، والحرص على معرفة المصادر فأفردوا كل باب من أبواب العلم بكتب خاصة، يتم الرجوع إليها حيث المعلومة الموثَّقة، والفهم السليم، والتصنيف البديع، وبذلك أصَّلوا قاعدة مهمة من قواعد البحث العلمي، ألا وهي: أصالة المصادر والمراجع؛ حيث تؤخذ المعلومات من مظانها. كما ابتكروا المعاجم اللغوية والاصطلاحية، ومعاجم البلدان، وكتب الأعلام والرجال، كما عملوا على نشر العلم بالكتابة والتدريس، والرحلة، فمكَّنهم حرصهم على سرعة تداول المعلومات على الإبداع و الابتكار.

وتعلَّم المسلمون من القرآن الكريم أن العلم هو القدرة على البرهان: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ١١١]، كما أخذوا بالدليلين القرآنيين: دليل الأنفس والبحث في الإنسان فأنتجوا العلوم الإنسانية، والبحث في الطبيعة فأنتجوا العلوم الطبيعية؛ وذلك حتى يكون إيمانهم مؤسَّساً على العلم والمعرفة.

وقبل سلوك الطريق سألنا كذلك عن طالب العلم وظروفه الشخصية، وكان في إجابة فضيلة الشيخ الدكتور محمد المختار المهدي (رئيس الجمعية الشرعية الرئيسية للعاملين بالكتاب والسنة) وَضْعُ اليد على الجرح؛ حيث جاء بلفتات أبوية طيبة رائعة، نترككم معها في موقع المجلة.

بين الجامعات والمساجد:

ومن تجاربهم التي لا تغفل أيضاً: التدريس في الجامعة وفي المساجد؛ وهما محوران مهمَّان في البناء والترسيخ العلمي؛ فكيف يرون هذه التجربة، وما الذي ينصحون به طلاب الجامعات الشرعية؛ لا سيما من كان في السنة الأُولَى من دراسته؟

أجاب هنا فضيلة د. عبد الله وكيل الشيخ (الأستاذ بكلية أصول الدين قسم السُّنة بجامعة الإمام)، فقال: يتميز التدريس في الجامعات ودور العلم الرسمية كالمعاهد بأنه بناء علمي تراكمي، يتعاون في غرسه مجموعة من الأساتذة متنوعي التخصصات، وفي التخصص الواحد هم متنوعو الطرائق متعددو المواهب. ولذا فإن من أعظم ما يُنصَح به طلاب الجامعات الشرعية أن يُقبِلُوا على مناهجهم الدراسية بجد ومثابرة، مع توسيع دائرة الاطلاع على كتب مماثلة أو شروح أخرى للكتاب المدروس وتعليق الفوائد، كذلك ألا يتركوا ما لم يتمكن الدكاترة من شرحه؛ حيث إنهم لا يستوعبون المنهج بكامله فيفوت الطالبَ قدرٌ كبير عليه دراسته في الصيف.

وأما التدريس في المساجد فمن أهم ميزاته أنه لا يرتاده إلا من كان جاداً في طلب العلم، وفيهم من النباهة والحرص والمثابرة ما ليس في طلبة الجامعات. ولكن من أعظم ما يؤخذ على هذه الدروس أنها متباعدة كدرس واحد في الأسبوع - غالباً - وهذا القدر من الزمن لا يتيح التقدم في دراسة العلوم؛ حيث تحتاج بعضُ الكتب المطولة لإنهائها إلى ما يصل إلى عشر سنوات أو تزيد.

وجاءت إجابة الشيخ المختار المهدي مُوقظة ومنبهة لأمر مهم؛ حيث قال: كان للتدريس في المساجد أثر واضح في كيفية الوصول إلى عقول المستمعين على اختلاف ثقافاتهم ووعيهم؛ حيث إن مراعاة هذه الاختلافات تجبر الداعية على تبسيط المسائل والبعد عن المصطلحات الأكاديمية المعقدة، لتغيير أنماط حياته إلى ما يريده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وكان للشيخ فهد العيبان نصيحة طيبة، وعلى الرغم من قِصَرِها لا بد من ذكرها، وهي قوله: أنصح من كان في السنة الأولى أن يعقد العزم على إتقان العلوم التي يتعلمها في الجامعة، وأن يتفوق ويواصل دراسته ولا يستمع لمن يقول له: إن العلم في المساجد فقط. فالعلم في المساجد والجامعات أيضاً.

أحسب أننا كنا مع هذه الإجابات - على الرغم من اختصارها - في رحلة ماتعة مشوقة جداً للدخول في صلب موضوعنا وهو محور خطة البناء العلمي للطالب، وقد ذكر لنا الضيوف إجابات طيبة وإضاءات وهَّاجة للطلبة وابتدأنا بهذه النقطة:

يقال: إن من المنهجية عدم الإغراق في طلب المنهجية؛ حيث تتنوع الآراء حول المنهجيات في البناء؛ فقد ذكر أحد المشايخ الشناقطة أن هناك 45 فناً لا بد من حفظها وإتقانها للطالب حتى يؤهَّل لطلب العلم والتدريس، وهناك من المشايخ من حدد متون التأصيل 12 متناً ولن يكون الطالب طالب علم حتى يتقنها. ما تقولون حيال ذلك؟

قال د. آل سيف: الشناقطة يبالغون في دراسة العلوم؛ بحيث يضيفون بعض العلوم التي قد لا يحتاجها طالب العلم مثل علم الأنساب فيحفظون ألفية البدوي وغيرها، وهذه علوم يحتاجها المتخصص الدقيق والراغب في معرفة علم الأنساب؛ ولكن الصحيح أن العلم في عشرة إلى 12 علماً هي العلوم المهمة والأصيلة التي يحتاجها طالب علم، وهي مبسوطة في موضعها.

وبناء عليه أيضاً سألناه: ما الموقف حيال الكتب الكثيرة التي تعتني بالبناء العلمي للطالب، وإيضاح الصورة له في طريق طلب العلم؟ فقال: يحرص الطالب على الكتب التي خرجت من تجربة حقيقية ناجحة وعُرِف صاحبها بالتمكن العلمي، فالكتب كثيرة في هذا المجال لكنها تنظير بعيد عن الواقع، وليس لصاحبها تجربة تستحق الذكر.

لو أراد الشباب الذين يتابعون حوارنا أن ينطلقوا عملياً في بناء أنفسهم، فما قواعد الانطلاق التي تنصحونهم بها؟ وهل هناك فترة معينة يمكن أن نقول: إنها فترة كافية للبناء العلمي للطالب لو بذل جهده فيها؟

أجاب د. وكيِّل قائلاً: من أهم الفضائل اللازمة لطالب العلم تصحيح القصد في طلب العلم بأن يريد نفع نفسه ونفع الآخرين بإزالة صفة الجهل عنهم فهذه هي النية الخالصة التي يظهر أثرها في طلب العلم وتفهُّمه والعمل به وبَذْلِه للناس، وما تلبَّس أحد بنيَّة دنيوية خالصة في طلب العلم إلا حُرِم من هذه الثمرات بقدر ما نقص من علمه. وطالب العلم لا يتوقف عن التحصيل حتى يموت، والتوقف عن التحصيل مزلة وحرمان.

وجاءت إجابة الشيخ فهد العيبان (المدرس بمعهد القرآن الكريم بالحرس الوطني بالرياض) لمسة حانية، وخطة متقنة، وأرضية صلبة، وزبدة التحقيق أعطاها لإخوانه طلبة العلم، وهو القريب من الشباب والمتابع لهم في مشروع دروسه التأصيلية، فقال: هذا سؤال يتكرر كثيراً، ولعلِّي أذكر هنا أهم الضوابط من خلال عرض بعض الأمثلة التطبيقية:

1 - البدء بالمتون المختصرة في كل فن مثل: الأصول الثلاثة، كتاب التوحيد، الواسطية، الآجرومية، الورقات، نخبة الفكر، منهج السالكين أو عمدة الفقه، [الأربعين النووية] وبعض المقدمات الأولية في التفسير والقواعد الفقهية والتجويد والأدب[3]. وذلك بحفظها إن أمكن مع قراءتها وفهمها على الشيخ، أو السماع من شريط إن لم تتيسر القراءة على الشيخ.

2 - العناية بالضبط والإتقان لهذه المتون حفظاً وشرحاً، ولا ينتقل منها إلى غيرها إلا بعد الاطمئنان إلى ضبطها[4].

3 - يخصص لكل متن من هذه المتون شرحاً من الشروح المطبوعة ويكون التعليق عليه والقراءة منه، ولا يكثر على نفسه الشروح؛ لأنها متشابهة في الجملة (يمكن الجمع بين شرحين بتعليق أحدهما على الآخر).

4 - لا بد أن يعتني الطالب بأصوله التي يقرأ منها ويعلق عليها؛ بحيث تكون مرجعاً له عند المذاكرة.

5 - الحذر من الاستعجال في أخذ هذه المتون، فلا بد من التأني والترسُّل، مع الفهم والتصور الصحيح للمسائل، ويحذر كذلك من الإطالة والتشعب في بداية الطلب.

6 - بعد الانتهاء من المختصرات، ينتقل إلى المتون المطولة مثل: بلوغ المرام، زاد المستقنع، ألفية ابن مالك في النحو وغيرها.

7 - ينبغي في هذه المرحلة الاطلاع على بعض الشروح المطوَّلة: كالمغني، والمجموع، وفتح الباري، ونيل الأوطار، ونحو ذلك، مع العناية بشيء من البحث لبعض المسائل.

8 - بعد الانتهاء من المطولات حفظاً وفهماً يكون الطالب قد حصَّل الآلة التي تمكِّنه من الانتقال إلى الشروح والمطولات من كتب العلم بحسب كل فن؛ وذلك بجردها وانتقاء الفوائد منها وبحث المسائل والتوسع في الطلب.

9 - الحرص على الضبط في تحصيل العلم: فالضبط يختصر الوقت؛ لأن الطالب إذا ضبط لن يحتاج إلى كثير وقت في التأهل، وكثير من طلبة العلم المبتدئين مَن يفتقدون الضبط للعلم حفظاً وفهماً؛ ولذا تجدهم لا يتجاوزون أماكنهم، بينما أقرانهم ممن حرصوا على الضبط فاقوهم بمراحل في أقصر وقت، وأكاد أجزم أن التأهل العلمي وضبط أصول العلم لا يحتاج إلى أكثر من خمس سنين مع الضبط والإتقان[5].

ومن وسائل ضبط وإتقان العلم:

1 - التكرار قال الإمام البخاري: (لم أرَ أنفع في العلم من نهمة الرجل ومداومة النظر).

2 - مدارسة العلم ومذاكرته وخصوصاً في المناسبات.

3 - اتخاذ الصاحب النبيه للمدارسة.

وهنا يؤكد الشيخ على الجانب المعنوي الذي ذكره وقد أدرجناه في الموقع ولكن نأخذ منه لفتة مهمة حيث قال: حتى لا تصاب باليأس، من المهم أن تعلم أن أصول العلم التي لا بد من ضبطها - حيث تكون أساساً لفقه الشريعة وأساساً لما بعدها، وبها يحصل التأصيل العلمي - إنما هي: (قليلة مختصرة محصورة). أما التفريعات والفوائد والتعليقات والحواشي على أصول العلم، فهي بحرٌ لا ساحل له. ثم يواصل - حفظه الله - لمساته التأصيلية:

10 - حب القراءة طريق التعلم: الذي لا يحب القراءة لا يمكن أن يتعلم؛ ولذا يجب تعويد النفس على القراءة، ويكون ذلك بإطلاق العنان لها بأن تقرأ في كل شيء نافع حتى تتعود وتصبح القراءة ألذ شيء إلى نفسك.

11 - التوازن والتكامل في تحصيل العلم: من ضوابط المنهجية في تحصيل العلم التوازن في أخذ العلوم بحيث يحصِّل الأصول من كل فن، وأما التخصص لمن رغب فيه، فيأتي بعد التأصيل والشمولية في التحصيل، ويقبح بطالب العلم أن يكون فقيهاً لا يُحسِن تخريج حديث، أو محدثاً لا يحسن أصول الفقه أو طالب علم يلحن في قراءته.

وهنا أمر مهم سألنا عنه مما يعايشه طلبة العلم، وهو: ما بين حضور الدروس وطلب العلم من الشبكة والصوتيات؟

قال د. عبد الله وكيِّل: الوسائط الأخرى مثرية لما تعلَّمه الطالب أولاً؛ لأن ما يقرؤه الطالب ويسمعه في الدروس لا يتعدى في تقديري نسبة 20% من العلم الذي يحصله طالب العلم، ودروس العلم المباشرة إنما تفتح مغاليق الفكر وتوجد مهارات التحصيل وتستثير همم الطالب؛ ولذا تجد العالم الكبير الذي أغنى المكتبة بمؤلَّفات إذا تُرجِم له وعُدَّت الكتب التي حصلها في العلم وجدتها قليلة، ولكنها تحتوي أصول العلم ومفاتيحه.

وبنهاية هذا الجزء نحسب أننا أنهينا البناء المرجو الذي نطمح إليه في تكوين طالب العلم وأرضيته الصلبة، ولكنَّ اللمساتِ الباقية للبيت لا بد منها ولا يمكن أن يسكن فيه إلا بعد حذقها.

الجزء الثاني: مهارات متفرقة في طريق البناء:

1 - تأصيل المهارات:

هناك مهارات متعددة في طريق طالب العلم، هل ينبغي أن يحيط طالب العلم بها، أم يقتصر على أحدها ويتخصص فيها؟

أجاب باري القوس د. عبد الله وكيِّل فقال:

يمكن أن نقسم المهارات إلى قسمين:

1 - مهارات لا بد منها لطالب العلم: وهي مهارات التفكير التي تضبط الاستدلال وتصحح النظر، وتورث القدرة على النقاش، وتصحح التطبيق من الأدلة على الوقائع، وتورث الاطراد الإيجابي لدى الطالب[6].

2 - مهارات البحث العلمي: وهذه لا تلزمه بتمامها وكمالها، بل قد يعتمد على أهلها المتخصصين فيها، لكن هذه المهارات يلزم طالبَ العلم أن يعلم مصادرَها التي يعود إليها عند الحاجة ويعلم منازل تلك المصادر من حيث القبولُ، وهذا ما أصبح مسطَّراً في عصرنا بما يسمى بالمداخل.

ومن المهارات المتفرقة التي ذكرناها مما يهم طالب العلم: مهارة التدوين، والورد العلمي الخاص في عدد محدد من الكتب لتثبيت العلم، والرؤية الواضحة التي ينبغي أن تكون في ذهن طالب العلم، وكيف يتقن المهارات اللغوية: من إعراب وأدب... وغيرها كلها جعلناها في الموقع.

العلم والتبحر فيه والقراءة الحرة:

يقال: العالم من عرف شيئاً عن كل شيء، وعرف كل شيء عن شيء، بين التخصص والثقافة العامة في جميع الفنون، كيف يسير طالب العلم في فلك هذه المقولة، وبين الفكر والعلم هناك خيط رفيع ربما؛ فمن يحتاج إلى الآخر؟ وهل يلزم طالب العلم أن يكون مفكراً؛ بمعنى أن يعتني بكتب الفكر والسياسة والاجتماع والجغرافيا والتاريخ الغربي وغيرها؟

في هذا الأمر الواسع حلق بنا الضيوف في تحريرات رصينة فعلاً فيها من الغيرة على الأمة وحُسْن الإدراك وسعته ما يثلج الصدر، فلعلنا نبدأ بإجابة عَلَم في الأمة وهو د. زغلول النجار (رئيس هيئة الإعجاز العلمي بالقاهرة) وقد طار بنا في سماء تحرير بديع صافية، يشابه فعلاً ما سطره د. أحمد الضاوي: من غيرة وسعة إدراك لحال الأمة وعلومها ونختصر ما ذكره - حفظه الله -: من مآسي عصرنا أن قيادة المعارف العلمية المكتسبة قد انتقلت من أيدي المسلمين إلى أيدي طائفة من الكفار والمشركين، وحين تقدمت المعارف العلمية والتقنية بأيدي هؤلاء صاغوها صياغة منكرة للدين، ومتنكرة لرب العالمين. لذلك أنصح القائمين على مناهج التعليم بضرورة التأصيل الإسلامي لجميع المعارف المكتسبة بوضع منتجاتها الكلية في الإطار الإسلامي الصحيح؛ انتصاراً للحق العلمي وللحق الديني الصحيح في آن واحد، وإبراز إسهامات المسلمين في كل مجال من مجالات المعرفة الإنسانية.

وأنصح الشباب في عالمنا الإسلامي بضرورة الإقبال على دراسة العلوم في أطرها التي ذكرت آنفاً[7].

وسألناه كذلك عن كتب الإعجاز العلمي وأثرها على طالب العلم فأجاب إجابة موسعة يمكن الرجوع إليها في موقع المجلة.

وفي توجيه طيب من د. عبد الله آل سيف قال: طالب العلم ينبغي له التركيز على طلب العلم؛ وأن يحترم تخصصه وأن لا يدخل على الناس في تخصصاتهم، وليس من الضرورة أن يكون العالم مفكراً، لكن ينبغي له الإلمام بالحد الأدنى من الكتب الفكرية والسياسية ونحوها حتى يعي واقعه ومجتمعه ولا يكون عرضة للاستغفال.

وفي إجابة الشيخ فهد العيبان إضاءة جميلة جامعة مانعة يستأنس بها طالب العلم؛ حيث قال: ينبغي لطالب العلم في هذا العصر أن يكون عنده اطلاع لا بأس به على هذه العلوم؛ ولا يعني ذلك التفرغ لها ولا التخصص فيها؛ لكنَّ طالب العلم إذا أراد أن يكون إماماً فلا بد أن لا يكون جاهلاً في هذه العلوم، بل يأخذ منها القدر الذي يمكن أن ينفع به الناس ولا يضر نفسه، ويكون ذلك بالقراءة في بعض هذه الكتب ويقتصر على المهم منها، وكذا الاطلاع على المجلات الإسلامية التي لها عناية بشيء من ذلك[8].

أما الدكتور عبد الله وكيِّل آل الشيخ فقد أعطانا إجابة عصرية مهمة جداً، وهي رسالة منه إلى طلبة العلم وعلماء الأمة أيضاً لا ينبغي إغفالها، أترككم معها متدبرين واعين. قال - حفظه الله -: الأديب والمفكر لديه حصيلة علمية من فنون متعددة، وتتجاوز ميدان العلوم الشرعية إلى ميدان السياسة والاجتماع وعلم النفس ونحوها من العلوم البشرية، بل تتجاوز المنجز الإسلامي إلى ما أنجزه البشر الآخرون على اختلاف عقائدهم ومللهم. وإذا كان الأمر على هذا التحديد فالمفكر اليوم والأديب بالأمس ميدانه المنطلقات الكبرى للعلوم وقضاياها، ولكنه لا يصلح أن يكون مفتياً أو مفسراً حينما يكون النقاش في مسألة جزئية تحتاج من العمق والدراية ما ليس عنده.

وأما العالِم فهو الذي يفقه منطلقات علمٍ بعينه وقضاياه الكلية، كما يُحكِم في الوقت ذاته مسائله الجزئية؛ ولكنه قد يفتقد المعرفة ببقية العلوم؛ وخاصة ما كان خارج ميدان العلوم الشرعية، وهذا الاقتصاد في المعرفة قد يعوقه عن الحديث المؤثر في الدوائر العالمية التي تتداخل فيها العلوم؛ ولذا فمن كمال العالم الذي تخصص في علم بعينه أن يلم بقدر مناسب من العلوم الأخرى؛ شأن كثير من العلماء الأقدمين: كالغزالي وابن تيمية وابن خلدون وابن حزم وغيرهم، وأما طالب العلم الذي لا يزال في مدارج التحصيل الأُولَى فلا ينبغي له أن يتشتت اهتمامه بتعدُّد القراءة إلا بعد زمن يُحكِم فيه مداخل العلوم الأساسية، فإن أبى إلا القراءة فَلْتكن مساحتها من الوقت صغيرة جداً. وبهذه المناسبة فإني أدعو العلماء إلى صياغة حديثة في الـتأليف يظهر فيها الترابط بين أجزاء العلم الواحد على سنن ما كتبه الأولون في القواعد الفقهية وكذا الفروق الفقهية؛ بحيث يتكون لدى الدارس هيكل العلم متكاملاً ثم يخوض في تفاصيله.

على طريق المستقبل:

يتساءل كثيرون: لماذا كليات أصول الدين وعلوم الشريعة ليست بذات مستقبل يبني الطالب المتخرج ويجعله متقناً تخصصه مثل كليات الطب والهندسة التي يتخرج الطالب فيها مُحكِماً تخصصه ناهيك عن مكانة يتلقاها في مجتمعه؟

في إجابة متألمة وأسيفة على الواقع فعلاً يجيب د. عبد الله آل سيف[9]: لو كانت العلوم على طريقة السلف في التلقي والحفظ والمدارسة ووَفْقَ المناهج التي مشوا عليها وأضيف عليها الوسائل الحديثة لرأيتها تخرِّج طلبة علم متميزين؛ لكن إذا كانت (كلية أصول الدين – قسم السُّنة) لا تلزم الطلب بالحد الأدنى من التأصيل كاستظهار بلوغ المرام وحفظ ألفية السيوطي في المصطلح واستظهار أحاديث الكتب الستة بكثرة المراجعة، وقسم علوم القرآن لا يلزم الطالب بحفظ القرآن ولا بشيء من المنظومات في التجويد وعلوم القرآن مع شرح هذه المنظومات، ولا يلزمون الطالب ببرامج قراءة ولا جرد، فلا نستغرب حينها النتيجة[10].




[1] من المهم أن نلفت القارئ الكريم إلى أن التحقيق سينشر بكامله في موقع المجلة على جزأين، وقد نبهنا عند كل موضع اختصرناه أو لم نذكره هنا في العدد إلى أهمية الرجوع إليه هناك، فهو مكمل ومهم. (معد التحقيق).

[2] المعجم الكبير، الطبراني.

[3] بهذا الصدد يسرني أن أضيف على هذه النقطة مستأذناً شيخي الفاضل إضافة نافعة إن شاء الله: هناك جهود شخصية طيبة لعدد من المشايخ في كل فن منها: كيف تكون فقيهاً للدكتور عبد الله الزاحم، ومادة أخرى بعنوان: كيف تكون مفسراً للدكتور مساعد الطيار، وهناك منظومة الزمزمي في علوم القرآن، كما أن مقدمات الشيخ السعدي - رحمه الله - في التفسير والقواعد الفقهية والفروق والتقاسيم مهمة جداً، وللدكتور وصفي عاشور أبو زيد مقالات مهمة في تكوين ثقافة الفقيه موجودة على الشبكة، ومن لطائف الكتب التي ينبغي ألا يغفلها طالب العلم: كتاب روضة العقلاء لابن حبان، ومنظومة الآداب المعروفة بـ (دالية ابن عبد القوي)، وكتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصحيح السيرة النبوية للشيخ محمد العلي وكتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم. (معد التحقيق)

[4] يراجع كلام ابن بدران في الموقع عن أهمية هذه المرحلة.

[5] سألنا الشيخ عن الدورات العلمية الصيفية؟ فقال: هذه الدورات العلمية فيها خير كثير، ولكن ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن يكتفى بها في باب التحصيل والبناء العلمي؛ وإنما هي وسيلة من وسائل التعلم ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم: إما في مراجعة ما سبق أن تعلَّمه، أو أن تكون مفتاحاً لما سيتعلمه، ولا ينبغي أن يكتفي بها عن الدروس الطويلة التي تكون أكثر تفصيلاً وتأنياً في البناء العلمي.

[6] أوضح الشيخ - حفظه الله - هذا الاطراد الإيجابي بكلام ماتع صادر عن حاذق، سينشر في الموقع.(معد التحقيق)

[7] للاستزادة راجع مقالاً للدكتور على هذا الرابط:http://www.islamstory.com بعنوان: (الجيل القرآني وبناؤه العلمي).

[8] الكتب الفكرية المأمونة تفتِّق ذهن طالب العلم وتوسع مداركه، وهي فعلاً تزيد فهمه للأحداث من خلال اطلاعه على تعدد الآراء، والوصول بعد ذلك إلى نتيجة تحليلية مفيدة وناضجة تدربه على حسن التحليل والإدراك، ومن الأمثلة على الكتب المفيدة في ذلك ما يصدره مركز الدراسات والبحوث في مجلة البيان من تقارير إستراتيجية وكتب مفيدة ذات خلاصات رائعة مبحوثة بعناية مثل: مجوعة الإسلام لعصرنا للدكتور (جعفر شيخ إدريس)، وكتاب الإسلام والعولمة للدكتور (سامي الدلال)، وكتاب آخر بعنوان قواعد شرعية لإدارة الصراع الحضاري، ونقد الليبرالية... وغيرها، وهناك مؤلفات لكتاب معيَّنين ينبغي ألا يُغفلَهم طالب العلم من جدوله العلمي مثل كتب مالك بن نبي (مستقبل الأفكار في العالم الإسلامي)، وأبي الحسن الندوي ولا سيما كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ربانية لا رهبانية)، ومحمد قطب في (واقعنا المعاصر)، وهناك كتاب (حاضر العالم الإسلامي) لجميل المصري، وكتابات عماد الدين خليل (تهافت العَلمانية، وإسلامية المعرفة)، ومحمد العبدة (قيام الدول وسقوطها)، وكتب أنور الجندي، وللدكتور صالح الحصين كتابات عن الإسلام والغرب وغيرهم كثير. (معد التحقيق)

[9] للشيخ - حفظه الله - محاضرة بعنوان الإبداع في طلب العلم فيها طرائق شيقة جداً يحسُن بطالب العلم الرجوع إليها على هذا الرابط:

http://liveislam.net/browsearchive

كما له لقاء شيق على موقع الإسلام اليوم على هذا الرابط عن التأصيل الفقهي: http://islamtoday.net/nawafeth/

[10] لعل هذا التحقيق يُجمَع وينشر بكامل مادته في كتاب بإذن الله، ويُزوَّد بملاحق مختلفة ومفيدة لبناء طالب العلم؛ لذا نرجو من الإخوة تزويدنا بآرائهم حول هذا الكتاب وإفاداتهم ومقترحاتهم على بريدي المذكور، وستسجل الفكرة باسم صاحبها، وهم شركاء في الأجر والمثوبة، ولعل الله ينفع به طلبة العلم في مشارق الأرض ومغاربها، ويكون دليلاً ومرجعاً لهم. ( أخوكم معد التحقيق )