في كتاب (هذه حياتي) للأديب المصري الراحل عبد الحميد جودة السحار (1913 - 1974م) استوقفتني جملة سطور يتحدث فيها عن زيارة قام بها وهو شاب صغير بصحبة والده إلى ضـريح البدوي بطنطا، وفيها يقول: «... ورأيت أناساً يسجدون ليقبِّلوا العتبات الرخام، وأناساً يتمسحون بالحديد الذي حول المقام، ولا يكتفون بالتمسح بل يقبِّلون في إيمانٍ عميق، ويطوفون بالمقام طوافهم بالكعبة... كانت وثنيـاتٍ تمارَس علـى مرأىً ومسمعٍ من وزارة الأوقاف ورجال الـدين. ولو طاوعت نفسي لأخذت أضرب ذات الشمال وذات اليمين، فقد بلغ بي الضيق غايته، فما كنت أراه كان بعيداً عن الدين النقي البسيط الذي جاء به ابن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه. وارتفعت أصواتٌ تسأل السيدَ البدويَّ الشفاءَ وقضاءَ الحاجات، فإذا بالدين الذي جاء ليقضي على الوسائط بين الله والناس جاء معتنقوه بشفعاءَ بينهم وبين ربهم، وكأنما قد نسوا قول الله: {وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].    

وغادرنا الجامع بعد الزيارة، ولم أكن في قرارة نفسي راضياً عن شيء مما رأيت، رأيت وثنياتٍ تُرتكَب باسم الإسلام، وضلالاتٍ ليست من الدين في شيء، وأناساً قد أتوا من كل مكان لبركة مزعومة، فما جاؤوا ليسجدوا لله، بل جاؤوا لقطب من الأقطاب، وكأنما قد غاب عنهم: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]».

وبعد: فإن كاتب السطور السابقة (الأستاذ السحار) هو - لمن لا يعلم - كاتب وأديب روائي مصري، له العديد من القصص التاريخية والاجتماعية، وقد تحولت كثير من رواياته إلى أفلام سينمائية، وهو نفسه قد عمل في مجال السينما منتجاً ومؤلفاً وكاتباً للسيناريو، وتولى منصب رئيس المؤسسة العامة للسينما عام 1968م، كما أسند إليه منصب رئيس تحرير مجلة السينما عام 1973م.

وإنما أردت بهذا التعريف السريع أن أشير إلى أن الكلام السابق لم يصدر عن واحد ممن يحلو للبعض أن ينعتهم بالوهابيين أو المتشددين المتزمتين؛ وإنما صدر عن رجل من رجال الثقافة والأدب، غير متخصص في الدراسات الشرعية، لكنه كان يملك - فيما يبدو - من الفطرة النقية والنشأة الطيبة والقراءات الصالحة ما جعله يدرك خطورةَ ما يفعلـه العامة عنـد قبور من يعتقدون فيهم الولاية والصلاح، من الانحرافات والشركيات، التي تحدث بكل أسف تحت سمع وبصر المنسوبين للعلم والدعوة في بلادنا.

إن من أعجب العجب أن تصدرَ هذه الكلمات التي تنم عن فهم عميق لصحيح الدين، وغيرة شديدة على حدوده عن كاتب وأديب قصصي، بينما نرى بعضاً من مشايخنا الرسميين يحاولون بشتى السبل إضفاء صفة الشرعية على انحرافات العامة ومخالفاتهم العقدية.

وخذ معي مثالاً هذه الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية والمنشورة بجريدة اللواء الإسلامي بتاريخ (23 محرم 1437هـ - 5/ 11/ 2015م ) تحت عنوان: حكم زيارة أضرحة آل البيت، التي يقول فيها المفتي: «زيارة مقـامات آل بيت النبوة من أقـرب القـربات وأرجى الطاعات قبولاً عند رب البـريات؛ فإن زيارة القبور على جهة العموم مندوب إليها شرعاً؛ حيث حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم  على زيارة القبور فقال: (زوروا القبور فإنها تذكر الموت)... وزيارة قبور آل البيت والأولياء مشروعة بالكتاب والسنة وعمل الأمة سلفاً وخلفاً بلا نكير: فمن الكتاب الكريم قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} [الكهف: ١٢]، فجعلت الآية بناء المسجد على قبور الصالحين التماساً لبـركتهم وآثار عبادتهم أمراً مشروعاً... وبناءً على ذلك: فزيارة قبور آل البيت والأولياء والصالحين هي من آكد القربات، والقول بأنها بدعة أو شرك قول مرذول، وهو كذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وطعن في الدين وحَمَلَتِه، وتجهيل لسلف الأمة وخلفها، وعلى المسلم أن ينأى بنفسه عن هذه الأقوال الفاسدة والمناهج الكاسدة».

أقول: يا سبحان الله! وهل اعترض أحد على زيارة القبور بالطريقة الشرعية التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إنما نعترض على ما يحدث عند تلك القبور من الشركيات التي أشار الأستاذ السحار إلى شيء منها، وإلا فقولوا لنا أيها العلماء: هل من الإسلام في شيء أن تُنذَرَ النذورُ لأصحاب تلك القبور وتُقدَّمَ القرابين لهم؟ وهل من القربات التي تتحـدثون عنهـا ما ترونه بأعينكم جهاراً نهاراً عند تلك الأضرحة من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وهل يستقيم في عقيدة التوحيد التي يقول قرآنها العظيم: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، أن يتوجه الناس بدعائهم إلى هؤلاء الموتى معتقدين فيهم النفع والضر؟

ألا فليعلم مَنْ لا يعلم أن مِن أصحاب الأقوال (التي تصفها دار الإفتاء بأنها أقوال فاسدة ومناهج كاسدة) علماء كباراً تولوا أعلى المناصب الدينية في مصر، منهم شيخ الأزهر السابق الشيخ (محمود شلتوت) رحمه الله المتوفى سنة 1963م، إذ قال في كتابه الفتاوى في الصفحة 169: «أمَّا وضع الشمع والقناديل على مقامات الأولياء وكسوتها، فينبغي أن يُعرَف أولاً أن الدين الحق لا يعرف شيئاً يقال له: مقامات الأولياء، سوى ما يكون للمؤمنين المتقين عند ربهم من درجات؛ وإنما يَعرف كما يعرف الناس أن لهم قبوراً، وأن قبورهم كقبور سائر موتى المسلمين يحرم تشييدها وزخرفتها، وإقامة المقاصير عليها، وتحرم الصلاة فيها وإليها وعندها، وبناء المساجد من أجلها، والطواف بها ومناجاة من فيها والتمسح بجدرانها وتقبيلها والتعلق بها، ويحرم وضع أستار وعمائم عليهـا، ويحرم إيقاد شموع أو ثريات حـولها. وكل ذلك مما نرى ويتهافت الناس عليه ويتسابقون في فعله على أنه قربة لله أو تكـريم للولي، خروجٌ عن حدود الدين، ورجوعٌ إلى ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى، وارتكـابٌ لما حرِّمه الله ورسوله في العقيدة والعمل، وإضاعةٌ للأموال في غير فائدة، بل في سبيل الشيطان، وسبيلٌ للتغرير بأرباب العقول الضعيفة، واحتيالٌ على سلب الأموال بالباطل».   

ومن قَبْله الشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية السابق المتوفى سنة 1905م؛ إذ ذكر أنه أنكـر على مَنْ أراد التوجه لزيارة ضريح السيدة زينب في أثناء مولدها، فلمَّا لمْ يستجب الرجل لنصحه، قال له ما نصه: «إن هذا العمل من أعمال الوثنيين، وإن الإسلام يأباه. كل آيات القـرآن في التوحـيد تنهـى عن هـذا وتذمه. إن الفاتحة التي تقرؤونها كل يوم في صلاتكم مراراً تنهـاكم عن هذا العمل، تخاطبون الله تعالى فيها بقوله: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥] كذباً؛ فإنكم تستعينون بغيره وتعبدون غيره...»[1]. وغير ذلك كثير من أقوال علماء أجلاء: كالشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ سيد سابق وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين.

أما الاستدلال بقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} [الكهف: 21]، على مشروعية بناء المسجد على قبور الصالحين، فإنه يكفي في رد هذا الاستدلال ما ورد من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم  في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ومنها ما ورد عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصـور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيـامة»[2]. وعن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم  طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهـود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يُحذِّرُ ما صنعوا»[3]. وعن جابر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه»[4]. وعن أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألَّا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»[5].

وأما قول الذين غلبوا على أمرهم: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}، فغاية ما فيه أن يكـون مِن شرع مَن قبلنا، وما دام قد جاء شرعنا بتحريم ذلك كما في الأحاديث السابقة، فإنَّ شرعَ مَن قبلنا لا يكون شرعاً لنا، كما هو إجماع أهل العلم. ثم إننا لا ندري مَنْ هؤلاء الذين قالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}؟ هل هم من أهل الكفر؟ أم من أهل الإيمان؟ وعلى التسليم بأنهم كانوا مؤمنين فليس في الآية إشارة إلى أنهم كانوا صالحين متبعين لشرعة نبيٍ مرسل، ولذا قال الحافظ ابن كثير: «... والظاهر أنَّ الذين قالوا ذلك هم أصحابُ الكلمةِ والنفوذ، ولكنْ هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظرٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يُحَذِّرُ مَا فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه أنه لَمَّا وُجِدَ قبرُ دانيال في زمانه بالعراق؛ أَمَرَ أَنْ يُخْفى عن الناس، وأَنْ تُدْفَنَ تلك الرقعةُ التي وَجَدُوها عنده، فيها شيءٌ من الملاحم وغيرِها»[6]. وقال ابنُ رجب الحنبلي رحمه الله: «فجعل اتِّخاذَ القبور على المساجدِ مِنْ فعْلِ أهل الغَلبة على الأمور، وذلك يُشْعر بأن مُسْتَنَدَه القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنه ليس مِنْ فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتَّبِعين لِـمَا أنزل اللهُ على رُسُله مِن الهدى»[7]. وكذا ردَّ الآلوسي في تفسيره الاستدلال بهذه الآية على جواز البناء على قبور الصُّلَحاء واتخاذِ المساجد عليها، وقال: «... وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد»[8]. ثم ذكر بعض الأحاديث المتقدمة.

وبعد: فإنه إذا كان الشيء بالشيء يذكر فيمكن الإشارة إلى أن الأستاذ السحار رغم كونه - كما ذكرنا - لم يكن متخصصاً في علوم الشريعة، إلا أن له إسهاماتٍ كثيرةً في مجال الكتابات الإسلامية، وإن كانت تلك الإسهامات قد جاءت في صـورة قصصية روائية. ومن أشهر تلك الأعمال مجموعته المطوَّلة في السيرة (محمد رسول الله والذين معه)، في عشرين جزءاً، وقد لاحظت من خلال قراءتي لبعض أجزاء تلك المجموعة أن الحبكة الفنية القصصية عنده لم تكن تطغى على الحقـائق التاريخية، بل كان يرجع إلى الكتب المعتمدة في السيرة والتواريخ، ويمحص الروايات، ويرجح منها ما يترجح لديه، كما أشار هو نفسه إلى ذلك في نهـاية الجزء الأول من تلك المجموعة (1/ 262). ونحن وإن كنا قد لا نوافقه على بعض ترجيحـاته، لكنه على الأقل لم يكن يطلق لخياله العنان في اختلاق المواقف والأحداث، كما كان يفعل كثير من معاصريه، بل ما مِنْ رواية ذكرها إلا ولها أصل في كتب السنة والسيرة.

ومما يذكر له أيضاً أنه ناقش ما يردده بعض المشتغلين بتـاريخ الأديان، من القول بتطور العقائد والـديانات، وأن البشـرية ترقـت في الـديانات كمـا ترقت في العلوم والصناعات، ويبنون على ذلك أن البشرية بدأت بتعدد الآلهة ثم مرت بمرحلة التمييـز والترجيح بين تلك الآلهة، ثم انتهت إلى طور الوحدانية أي الاعتقاد بوجود إله واحد. هذه النظرية التي كان يتبناها بعض المفكرين المعاصرين للسحار، ومنهم الأستاذ العقاد كما صرح بذلك في كتابه (الله)، وقد رد الأستاذ السحار هذه النظرية الباطلة في نهاية الجزء الأول من مجموعته المشار إليها (1/ 263)؛ إذ استند إلى الأدلة القرآنية الصريحة الدالة على أن آدم عليه السلام نزل إلى الأرض وهو على التوحيد الذي تلقَّاه من ربه سبحانه، وأن بنيه قد تلقَّوا ذلك منـه، وبقيت البشرية على ذلك زمناً، فلما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم وأشركوا بربهم، بعث لهم - سبحانه - رسله يدعونهم إلى التوحيد. ولا شك أن هذا الذي ذكره السحار هو الحق الذي تؤيده الأدلة الشرعية القطعية.

وأخيراً: أحب أن أشير إلى موقف نبيلٍ للأستاذ السحار، يتعلق بالأستاذ (سيد قطب) رحمه الله، ذكره الدكتور صلاح الخالدي في كتـابه: مدخل إلى ظلال القرآن (ص: 9)، وكذا في كتابه: سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد (ص: 535) نقلاً عن الأستاذ محمد قطب، وخلاصة ذلك الموقف: أن السحار كان قد كتب بالاشتراك مع سيد قطب سلسلة قصصية في قصص الأنبياء للأطفال، فلما نفدت نسخ تلك السلسة أراد الأستاذ السحار أن يعيد طبعها، وكان سيد في ذلك الوقت مسجوناً في محنة 1965م، فتوجه السحار إلى شمس بدران مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر ليأخذ منه إذناً بإعادة الطبع، فوافق شمس بدران، لكن بشرط أن يسقط اسم سيد قطب من كتب السلسلة، فاستغرب السحار ذلك الشرط، وحمَلَه وفاؤه لزميله على رفض الاستجابة لمطلب شمس بدران.

قلت: ولكني اطلعت على بعض قصص تلك المجموعة، وهي صادرة عن مكتبة مصر بالفجالة، بلا تاريخ، ومكتوب عليها اسم السحار وحده، لكن على الغلاف الأخير لكل قصة منها يوجد بيان بأسماء قصص تلك السلسلة، وقد كتب أمام ذلك البيان عبارة: (بالاشتراك مع سيد قطب). فربما كان السحار قد وافق على شرط شمس بدران، لكنه تحايل على هذا الشرط، بأن ذكر اسم سيد على الغلاف الأخير منها، والله أعلم.

 

 


 


[1] الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده بتحقيق الدكتور محمد عمارة: (3/ 557).

[2] أخرجه البخاري (427)، ومسلم (528).

[3] أخرجه البخاري (435) ومسلم (531).

[4] أخرجه مسلم (970).

[5] أخرجه مسلم (969).

[6] تفسير ابن كثير: (3/ 78).

[7] فتح الباري في شرح صحيح البخاري: (2/ 397).

[8] روح المعاني: (5/ 237).