نجحت السلطة في الجزائر في تمرير الانتخابات الرئاسية، التي أسفرت عن رئيس جـديد للبلاد وهو (عبدالمجيد تبون) الذي سيتولى إدارة المرحلة القادمة بعد تنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أطاحت به وبآماله في فترة رئاسية خامسة انتفاضة شعبية سلمية مطلع نيسان/ أبريل الماضي.

وعلى الرغم من أن هذه الانتخابات كانت مرفوضة تماماً من قبل الحَراك الشعبي تحت شعار «لا للانتخابات مع العصابات» أي مع بقايا نظام بوتفليقة، فقد صوَّت حوالي ثمانية ملايين و 493 ألف شخص، من أصل قرابة 25 مليون ناخب، وبذلك يقدَّر عدد الممتنعين عن التصويت بأكثر من 15 مليون ناخب.

ولم تبالِ السلطة في الجزائر كثيراً لما شهدته منطقة القبائل من أحداث مؤسفة رافقت العملية الانتخابية وغلق مراكز التصويت واستعمال العنف وحرق الصناديق حيث تعاملت مع الوضع بحذر شديد ولم تدخل في صدامات مع المحتجين وطبقت خطة ذكية من أجل إنجاح الانتخابات الرئاسية بأقل الأضرار.

وفرض توقيت هـذه الاستحقاقات بعد إرجاءين متتاليين بسبب الرفض الشعبي لها وضمت خمسة مترشحين جلُّهم عملوا في عهد بوتفليقة، وتفرق الشارع الجزائري بشأنها بين مؤيد ومعارض لها، لتأتي بعد عشرة أشهر من احتجاجات شعبية لم يتراجع زخمها الناقم على النظام الحاكم وهو الآن معارض للانتخابات التي أرادت السلطة بقيادة الجيش أن تجريها مهما كلف الثمن.

ويعتقد متابعون للشأن السياسي في الجزائر، أن نسبة التصويت المتدنية لم تعد تشكِّل أي عقدة بالنسبة للسلطة، كما أنها لم تكن مفاجئة، وبأنها مقبولة إحصائياً وخاصَّة أن أغلب دول العالم تعيش المستوى نفسه، لتفاعل الناخبين مع العملية الانتخابية، كما أنها سياسياً كذلك معقولة ومقبولة «نظراً للوضع المتأزِّم سياسياً، والذي عرفته الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، منذ بدءِ الحَراك الشعبي ثم استقالة الرئيس بوتفليقة، وتصاعد الاحتجاجات طيلة أزيد من تسعة أشهر».

ولعل الظروف التي التي جاءت فيها هذه الانتخـابات هي التي زادت من حدَّة احتقان الشارع الرافض لها حسب ما يقـوله المعارضـون بأن شروط النزاهة غير متوفرة في الوقت الراهن وَفْقَ ما أرادها الحراك الشعبي الذي اشترط تغييراً جذرياً في منظومة الحكم بالجزائر وتنحي السلطة الحاكمة وأن يبتعد الجيش عن السياسة تماماً.

وتملَّكَت الحَراك الشعبي مخاوفُ كثيرة من هذه الانتخـابات خشية من أن تكون خطوة في سيناريو مفبرك لاستنساخ نظام جديد مشابه لنظام بوتفليقة باعتبار أن السلطة الحاكمة لم تتغير حسب مطالب الشارع التي تعتبر من أهم المطالب لقبول هذه الانتخابات.

وما أدخل الشك في قلوب الجـزائريين هـو أن من أعطوا الضوء الأخضر لخوض هذا السباق الرئاسي محسوبون على النظام السابق في مقدمتهم رئيس وزراء خدموا خلال حقبة بوتفليقة هما (علي بن فليس وعبد المجيد تبون) إلى جانب (عز الدين ميهوبي) الذي شغل سابقاً منصب وزير للثقافة و (عبد القادر بن قرينة) الذي تقلد مناصب عدة أهمها وزارة السياحة وشغل منصب نائب رئيس البرلمان أما خامسهم فهو (عبد العزيز بلعيد).

وما دفع الكثير من الجزائريين للامتناع عن التصويت والمشاركة في هذه الانتخابات هو انعدام النية لدى السلطة في إحداث التغيير الذي يأمل أن يصل إليه الحَراك الشعبي بعد تسعة أشهر من الاحتجاجات السلمية في وقت تعتبر فيه هذه الانتخابات الرئاسية حتمية للخروج من الأزمة التي عاشتها الجزائر منذ تفجر الحراك الشعبي في الثاني والعشرين من فبراير/ شباط الماضي.

واعتبرت بعض القوى السياسية المعارضة بالجزائر أن هذه الانتخابات الرئاسية كانت مفروضة على الشعب الجزائري رغم معارضتهم لها، في حين خضعت للأمر الواقع بعد إعلان نتائجها وانتخاب رئيس جديد وذهبت للمطالبة ببعث حوار وطني شامل لأجل بناء دولة جديدة وإصلاحات من أجل حماية الإرادة الشعبية.

وانتقد الحزب المعارض (التجمُّع من أجل الثقافة والديمقراطية)، بشدَّة القيادة العسكرية في البلاد واتهمها بتحدِّي الشعب عبر التمسُّك بانتخابات صورية رفضها الجزائريون إلى آخر يوم من التصويت.

وأصدر الحزب بياناً شديد اللهجة استلمت مجلة ^ نسخة منه، قال فيه: إن قيادة الجيش تزيد من إضعاف موقفها في البحث عن توافق لإخراج البلاد من حالة الانسداد التي توجد فيها، وذلك عبر تورُّطها المفضوح، على جميع المستويات، في تركيب سيناريو التزوير الذي أفقدها كل مصداقية في نظر الغالبية الساحقة من الشعب.

ويعتقد هذا الحزب المعارض (الأرسيدي) أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات التي وصفها بالمهزلة الانتخابية، لم تتجاوز نسبة 8 في المائة، عبر جميع أنحاء التراب الوطني وعلى مستوى المهجر.

وهاجم الحزب بشدة السلطة المشرفة على تنظيم الانتخـابات، واعتبر أنها «ظهرت بوجه أكثر بؤساً من وزارة الداخلية في ترتيباتها السابقة». واعتبر أن رئيس الدولة، المعيَّن في هذه العملية، سيكون فاقداً لأي مصداقية على الصعيدين الوطني والدولي.

وفي نظرته لحلحلة الأزمة الراهنة، قال الأرسيدي: «لم تعد المطالبة بتنظيم انتقال توافقي لإنجاح مسار تأسيسي خياراً من بين خيارات أخرى، بل أصبحت السبيل الوحيد الذي يمنع العنف والفوضى ويتصدَّى لهما».

ويضيف: «أمام سخافة البعض وراديكالية آخرين، اختار الأرسيدي، وهذا منذ زمن طويل، وحدة الأمَّة وإعادة تأسيس الدولة وترقية القيم الديمقراطية والمواطنة والتناوب الديمقراطي على السلطة».

وفور الفوز بهذه الانتخابات الرئاسية، سارع الرئيس الجديد (عبد المجيد تبون) إلى مغازلة الحَراك الشعبي والأحزاب السياسية ببعث حوار وطني شامل، انقسمت بشأنه الطبقة السياسية بين رافض ومؤيد بشروط في رد مباشر على على دعوة تبون، من أحزاب سياسية ومنظمات، اشترطت توفير مناخ ملائم للحوار، يبدأ بإطلاق سراح السجناء السياسيين.

وحذَّرت جبهة القوى الاشتراكية السلطة، من محـاولة تنظيم حوار مزيَّف تحت رعايتها في مؤتمر غير سيادي، يهدف إلى المصادقة على خريطة الطريق المحدَّدة سلفاً.

وعلقت جبهة القوى الاشتراكية، في بيان لها اطلعت عليه مجلة ^، بأن لها نظرة خاصة لحلِّ الأزمة الراهنة التي تعيشها الجزائر، وذكرت بأنها كانت دائماً تقوم على ضرورة المرور إلى الجمهورية الثانية عبر انتقال ديمقراطي حقيقي، وحوار وطني جادٍّ وشفاف مع جميع الفاعلين السياسيين، والممثلين للمجتمع المدني الذين تم حشدهم في الحركة الشعبية والنقابية.

واعتبر أقدم حزب في المعارضة السياسية بالجزائر، أنَّ هؤلاء الفاعلين يمكنهم الاتفاق على برنامج إجماع على كيفية إنهاء الأزمة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي مع جدول زمني وآليات للرقابة والتنفيذ، يكون في إطار انتخاب مجلس وطني.

واشترطت الجبهة لنجاح الحوار، احترامَ القواعد العالمية التي تحكم الحوارات الجادَّة بين المسؤولين، المتمثلة في «تهيئة جوٍّ من التهدئة مواتياً للتشاور والحوار، لا سيما إطلاق سراح معتقلي وسجناء الرأي واحترام حرِّيات التعبير والتظاهر والاجتماع، والتبنِّي المشترك لجدول الأعمال واختيار المشاركين. والطبيعة السيادية والشفافة للحوار، واعتماد برنامج للخروج من الأزمة بالإجماع، والتزام الأطراف فيه بتنفيذه في المواعيد المحدَّدة».

ودعت جبهة القوى الاشتراكية، بعد وضعها هذه الشروط الخمسة، الجزائريين إلى زيادة حشدهم لإقامة دولة مدنية وغير عسكرية مع الحرص على الحفاظ على طابعها السلمي والمُوَّحد، والأخذ بعين الاعتبار أن العنف قد خدم الأنظمة دائماً.

وفضلت أحزاب (البديل الديمقراطي) مواصلة المقاومة السلمية ضدَّ ما وصفته بـ (الدكتاتورية)، بإفشال حيل التقسيم وكل المناورات، في إشارة لما تضمنته دعوة الرئيس الجديد عبد المجيد تبون ممثِّلي الحراك للجلوس على طاولة الحوار.

ودعت قوى البديل الديمقراطي في بيان لها اطلعت عليه مجلة ^، الجزائريين إلى اعتمـاد التنظيم الذاتي في أماكن إقامتهم وعملهم ودراستهم، من أجل إحباط محاولات الاحتواء واختطاف الثورة، وهو دليل على أنها ترفض مسألة تمثيل الحراك.

واعتبرت أحزاب البديل الديمقراطي، أن «الانتقال الديمقراطي يمر عبر مسار تأسيسي سيد، هو الطريق الوحيد الذي يمكن مناقشته في إطار ندوة وطنية مستقلَّة عن النظام الحالي، تتشكَّل من الفاعلين في الحراك الثوري، وتكون نتائجها الانتهاء مع النظام القائم وإيجاد الوسائل التي تمكِّن الشعب الجزائري من استعادة سيادته الكاملة».

واستهجنت هذه القوى الأمر الواقع الذي فرضته السلطة، بتمرير انتخابات رئاسية وصفتها بـ «المهزلة»، ولن يغيَّر في الوضع شيئاً من إنكار السلطة للسيادة الشعبية وسلوكاتها، المتمثلة في «إعادة ترميم النظام الأحادي وتوسيع قائمة المعتقلين والتضييق على الحريات الذي يشبه وضع حالة الطوارئ وغلق المجال الإعلامي على كلِّ الأصوات المخالفة».

وألحت قوى البديل الديمقراطي في بيانها على «الوقف الفوري لكلِّ أشكال القمع، وإطلاق سراح كلِّ المعتقلين السياسيين ووقف كل ما يعيق الحرِّيات الديمقراطية والنشاط السياسي».

ويعتقد مراقبون للشأن السياسي في الجزائر بأن تسرُّع بعض الأحزاب السياسية في إطلاق موافقتها على مقترح الحوار الذي تحدث عنه الرئيس الجديد في ندوته الصحفية واعتبرته مجرد كلام فقط لا يمكن أخذه على محمل الجد ما دام الرئيس لم يطلق المبادرة رسمياً.

ويرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي (ناصر جابي) أن الحوار بات أمراً ضرورياً لإحاث التوافق بين الجزائريين مهما كانت ظروف الأزمة الحالية، لكنه لم يغفل عن دعوة تبون له، معتبراً الأمر «إستراتيجية تثير الشكوك، بأن الهدف المرجو منها هو منح صفة التمثيل لمجموعة أشخاص من أجل اختراق الحراك وتكسيره».

واعتبر جابي أن شروط نجاح الحوار تبقى ناقصة، إن لم يتم إبداء النية الصادقة في ذلك بدءاً بإطلاق سراح معتقلي الرأي، مستهجناً استمرار النظام في إغلاق الساحة السياسية والإعلامية، في وقت يدعو فيه الرئيس للحوار.

ومن جهة أخرى قال المحلل السياسي (محمد هناد) في هذا الشأن: «لا نرى السبب الذي جعل أطرافاً من المعارضة (بما فيها الأفافاس) تسارع إلى وضع شروط للحوار المرتقب والرئيس الجديد لم يتم تنصيبه بعد! والله! الأمر يدل على سذاجة سياسية موصوفة».

ويضيف المحلل السياسي قائلاً: «كان من المفروض أن تنتظر هذه الأطراف ريثما يتم تنصيب الرئيـس الجديد وإطلاق مبادرة الحوار التي تحدث عنها في ندوته الصحفية. مثل هذا الانتظار هو الذي يسمح لهذه الأطراف بسبر نوايا الرئيس الجديد ومنظومة حكمه حتى تكون على بيِّنة من أمرها في صياغة شروط انخراطها في الحوار.

ووصف (محمد هناد) رد فعل الطبقة السياسية تجاه مبادرة الرئيس الجديد بالتسرع الذي يمكن وصفه - على حد قوله - بـ «الخطأ الإستراتيجي» وقال: «إن من شأنه أن يجعل الأطراف المذكورة في وضع من يطلب عوضاً ممن يُطلب منه. كما أن من شأنه أن يجعله في عين الملاحظ أقرب إلى عرض خدمات، صاحبه راضٍ بالأمر الواقع الجديد ويسعى لإيجاد موطئ قدم له فيه!»

 واعتبر (علي غبار) أن دعوة تبون للحوار هي إقرار منه بأنه غير شرعي ولم ينتخب من طرف الشعب، وإقرار من طرف النظام بأن الحوار الذي سبق العملية الانتخابية الذي تزعمه كريم يونس لم يكن حواراً حقيقياً.

وتخوف البروفيسور (رضا دغبار) المتخصص في القانون الدستوري من أن تكون هذه الدعوة للحوار من قبل الرئيس الجديد هي مجرد مناورة لتفكيك وتفجير الحراك الشعبي. وبحسبه فإن الدعوة للحوار مع الحراك تتضمن مطلباً للحوار مع ممثلين والكل يعلم - على حد قوله - بأن الحـوار فيه مجموعة من الأيديولوجيات والتوجهات؛ وتحقيق التوافق حول الممثلين سيكون مسألة صعبة.

وتساءل في الوقت نفسه البروفيسور: هل بإمكان الحوار أن يتجاوز هذه الفتنة مثل ما تجاوز الدعوة إلى التفرقة التي أطلقتها السلطة أم أنه سيكون أذكى ويضع شخصيات يعبِّرون عن الأفكار ولا يعبرون عن الأيديولوجيات ويعبِّرون عن المطالب الأساسية التي هي محل إجماع من قبل كل الجزائريين؟

ويعتقد البروفيسور (دغبار) أنه لا يكون الحوار ناجحاً إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون الحوار حقيقياً ينصبُّ حول آليات تحقيق الانتقال الديمقراطي.

وثانياً: يجب أن يكون حواراً مع الشعب الحقيقي الموجود في الشارع وليس الحوار مع شعب مصطنع كما جرى في الحوار الذي أداره كريم يونس من قبل.

وثالثاً: أن تكون مخرجات الحوار تلبي فعلاً مطالب الشعب الرامية لإحداث التغيير.

ولكن الضمانات الأساسية لإحداث الحوار الحقيقي - بحسبه - وتنفيذ مخرجات هذا الحوار هي بقاء الحراك الشعبي مستمراً إلى غاية تنفيذ هذه المخرجات.