يتواصل تفاعل التونسيين مع مفاهيم الدولة والثورة تقويماً ومراجعات وإثراءً وإعادةَ تأسيس من خلال المنـابر الحوارية والحجة بالحجة. وفي هذا السياق سجَّلت البيان ردود أفعال النخبة في تونس حول الدولة والثورة في الذكرى التاسعة لانطلاقتها يوم 17 ديسمبر 2010م

ما بعد الثورة

يقول الباحث عبد اللطيف العلوي لـ البيان: «سؤال الدولة طرح بشدة بعد ثورات الربيع العربي وما زلنا إلى اليوم نراوح في المكان نفسه حول مفهوم الدولة والخيارات الكبرى التي نريدها سياسيين ومثقفين وناشطين في المجتمع المدني... نحن في تونس فخورون بأن الدولة لم تسقط كما حدث في بعض البلدان العربية ولم يقع انقسام حاد؛ لكن السؤال الذي طرح بقوة هو طبيعة هذه الدولة التي لم تسقط هل هي دولة عادلة أم دولة ظالمة؟ وهل هي دولة مدنية أم دولة عسكرية؟ وهل هي دولة راعية أم دولة ليبرالية متوحشة أم دولة يؤمم فيها كل شيء حتى الحريات؟».

وأردف: «كل هذه الأسئلة من صميم الحَراك الديمقراطي الذي تعيشه تونس وهل يمكن أن تتحول الثورة إلى دولة بأقل ما يمكن من الخسائر؟ والإجابة: نعم».

وأوضح العلـوي بأن «الدولـة الظـالمة المبنيـة علــــى الفساد استخدمت كل الأساليب بما في ذلك الانقلابات العسكرية للحفاظ على مصالح أصحاب النفوذ في الداخل والخارج، وما حصل في تونس هو مساعٍ لإسقاط الفساد دون إسقاط الدولة».

واستطرد قائلاً: «ما نريده نحن هو الدولة العادلة التي تكون العائلةَ المترابطةَ المتضامنةَ لا سيما في الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وتختلف مهام الدولة في الأزمات عنها في الرخاء من تقـريب الفئات إلى بعضها بعضاً وتدخل الدولة للمساعدة في تسهيل الحياة وإدارة الشأن العام بمـا يديـم الرخـاء وفي كل الحالات يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات».

ودعا العلوي إلى «التفـريق بين الدولة والنظام فالذي سقط في ثورات الربيع العربي هو النظام وبقيت الدولة المرتبطة بالنظام الذي سقط وهي التي أعادته في بعض البلدان، وهي التي حاربت الثورة بعد سقوطه في بلدان أخرى، وهي التي نحاول إصلاحها في تونس من أجل تونس ومن أجل الدولة».

وبيَّن أن هناك فساداً مرتبطاً بالدولة قبل سقوط النظام ما يزال يعمـل وَفْقَ ثقافة الاستبداد وعقلية بوليس الاستبداد ومنظومة الفساد جميعاً، ولا سيما النظام الجهوي الإقليمي السائد وهو الذي يسيطر على مفاصل الدولة حتى اليوم لوجود منتفعين كثر من نظام الفساد ودولة الفساد». وخلص إلى القول: «لم تسقط الدولة ولكنها استمرت بأسوأ مما يمكن تخيله».

الثورة والتفكير

من جهة أخرى أكد القيادي في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي لـ البيان على «تأخر نقاش العرب والمسلمين حول موضوع الدولة، وأنهم لم يساهموا في النقاش الإنساني والفكري حول هذا الموضوع». وأشار إلى أن «المجتمعات العربية بقيت مرتبطة بالمجتمعات الزراعية والفلاحية إلى جـانب أن المنظومة الفكرية ارتكزت على جوانب الفقه الفردي في المعاملات وإدارة الشأن العام و (الحوكمة)، غير أن ذلك تغيـر قليلاً مع ظهور الاحتلال وما أوجده من فرز داخل النخبة العربية الإسلامية، وهو ما خلق - وَفْقَ الجلاصي - نوعاً من التصـادم بين الدولة الاشتراكية والدولـة الليبرالية والدولة الإسلامية؛ لكن واقع الثورات العربية أتاح فرصة التفكير حول الممكنات الجديدة للدولة؛ إذ أصبحت ممارسة السلطة ممكنة للكيانات المقاومة قبل الثورات وهو ما جعل الفكر ينفتح على ممكنات جديدة مرتبطة بالسياق التونسي والإقليمي وكذلك السياق الفكري العالمي».

وأشار الجلاصي إلى «وجود جملة من الأسئلة المطروحة حول الدولة تتعلق بالسلطة والفرد والالتزام والحرية ومجالات تدخُّل الدولة... وهو أمر مرتبط بـ (ماكينات) التبعية والاقتصاد والتكنولوجيا التي تصنعنا»، وفق تعبيره.

وتحدث الجلاصي عن وجود نقاشات قبل الثورة نظمها (حراك 18 أكتـوبر للحقوق والحريات) حول موضوع الهوية والديمقراطية وحول موقع الدين من الدولة وحرية الضمير. واعتبر أن «نقاش الدستور التونسي 2014م تضمن في عمقه نقاشات فكرية».

كما أكد على أن «الإسلاميين التونسيين منذ ثمانينيات القرن الماضي لديهم شهادات متميزة في العلاقة بالديمقراطية وطبيعتها في المنطقة». كما أن «مصطلح الدولة المدنية أصبح متداولاً في المجتمعات العربية بعد الثورات إلى جانب علاقة الإسلام بالشأن العام والسياسة وتدخله موجهاً؛ إذ إن الإسلام في جوهره هو رسالة وهدي وتصور عن الكون والمغزى من وجوده».

وشدد الجلاصي على ضرورة «عدم عزل الدين عن الشأن العام؛ ولكن لا يجب أيضاً أن ننظر إلى تدخل الدين في الشأن العام كتدخله في الطقوس والشعائر». واعتبر أن «منطقة الفراغ التشريعي والمقاصد والكليات هي التي تحدد ما معنى دولة إسلامية». واستدل الجلاصي بعدد من آيات القران الكريم التي «تسمح للدولة بأن تمتلك عمقها الفكري والثقافي، وتكون غير منبتة عن شعبها وحاجياته باعتبار الإنسان كائناً ثقافياً، وغير منبتة عن السياق التاريخي وحراكها الوجودي في الساحة الفكرية العالمية». وأكد الجلاصي أنه «من المهم أن يكون لدينا الجرأة والشجاعة لمساءلة قناعاتنا أو لمساءلة جملة من المسلَّمات الموجودة للمرور إلى ساحة الممارسة في إطار التسامح والتشارك والتعاون».

خدعة برجوازية

من جهة أخرى انتقد المحامي اليساري العياشي الهمامي الفكر الشيوعي «الذي يصف الديمقراطية بأنها خدعة برجوازية لضمان بقاء هيمنتها على الطبقة العاملة» وقال لـ البيان: «إن القـوميين يعتبـرون الديمقراطية نظاماً غربياً يهدف لتقسيم المجتمع ويلتقون بذلك مع بقية المستبدين الليبراليين الذين يرون بأن المجتمعـات العربية لم تنضج بعد للممارسة الديمقراطية ومن ثَمَّ تأبيد الديكتاتورية في دمائها». وأن «الديمقراطية مفروضة من الغرب الاستعماري للسيطرة على الشعوب والدول العربية كما لو كانت هذه الدولة مستقلة فعلاً فضلاً عن امتلاكها لإرادة سياسية حرة تماماً».

وتطرَّق العياشي لمفهوم الرئيس التونسي الأسبق بورقيبة «الذي لم يكن يرى في الشعب سوى مجرد ذرات رمل بتعبيره».

وأشار الهمامي إلى أن «الخطاب الديمقراطي بدأ يتبلور في تونس في تسعينيات القرن الماضي ويتطور بين مختلـف الأطـراف التي أدركت أن الديمقـراطية يمكن أن تكون حلاً في ظل التباينات القائمة في المجتمع، وأصبحنا نلاحظ في بيـانات الأحزاب التونسية تقاطعات مهمة في المسألة الديمقراطية». أما بعد الثورة فالديكتاتوريون الذين حكموا تونس قرابة 70 عاماً «أصبحوا يتحدثون كديمقراطيين ويطالبون لأنفسهم بالديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان».

ودعا العياشي الهمامي للتعايش بين مختلف الأطراف «وَفْقَ توافقات مرسومة ومعلومة للجميع يحتكم إليها عند الاختلاف كالدستور والقـانون والحريات والكرامة والآليات الانتخابية المعروفة على جميع المستويات».

المصالحة بين الدولة والثورة

قال الكاتب وعضو مجلس نواب الشعب التونسي محمد القوماني لـ البيان: «لا نحتاج للتعريفات التقليدية للدولة؛ بل نحن في حاجة إلى مصالحة بين الدولة والثورة فالدولة الوطنية هي التي تأسست بعد الاستقلال، دولة دستور 1959م التي قامت بالعديد من الإنجازات لكنها أخفقت في التنمية السياسية وقامت على الاستبداد والقمع والحكم الفردي وملاحقة المعارضين». وأن «الثورة التي قامت من أجل إعادة الاعتبار لقيم الحرية والتشاركية والديمقراطية والكرامة الفردية والجهوية وإنهاء التهميش. لذلك نحن أحوج ما نكون للمصالحة بين مكاسب الدولة وقيم الثورة».

وأوضح بأن أهـم ما يرمز للدولة هو الإدارة، وأحال إلى أحد مقالاته، لماذا يحب التونسيون بلادهم ويكرهون دولتهم، «لأن محبة البلاد مرتبطة بالأرض وبالميراث الثقافي وبالمشاعر لكن الدولة مرتبطة بالخدمات؛ فبقدر ما تقدم الدولة من خدمات إيجابية للشعب يحب الناس دولتهم. فإدا تراجعـت خدمات الدولة في الصحة والتعليم والنقل يكره الناس الدولة».