الحمد لله  رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذا حديث عن عِبادَةٍ غفل عنها كثيرون، وأصبحت لا تُبذل إلا لمن يُرجى نفعه، عبادة يسيرة البذل، عظيمة الأجر، كثيرة النفع... وها أنا ذا أنثر بين يدي القارئ ما سيفتح له باباً إليها ليلجه، والسعادةُ في ولوجه، ولن أخوض في تعريفها كي لا أُلبسُها عباءة تشينها؛ فتعريف الواضحات من الفاضحات، وستُبنَى المقالة على عنوان وحديث أو أثر وشعر، فأقول مستعيناً بالله  تعالى:

الابتسامة أجرٌ وثوابٌ:

فباذل الابتسامة مع مكاسبه النفسية والبدنية لن يعدم أجرها متى احتسب في ذلك؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ»[1].

احتقار الابتسامة واستقلالها:

تعجب من حالنا ساعة نبخل ببذل الابتسامة متقالِّين أجرها وأثرها؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[2]، وفي رواية «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئاً، فَإنْ لَمْ تَجِدْ، فَلَايِنِ النَّاسَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِمْ مُنْبَسِطٌ»[3].

لَـــنْ تَسْـــتَتِمَّ جَميـــلاً أَنْتَ فاعِلُـهُ

إلا وأَنْتَ طَليـــقُ الْوَجْـــهِ بُهْلــولُ[4]

سعة الناس بالابتسامة:

فالابتسامة ثوانٍ معدودة ولكنها تشمل خَلقاً كثيراً، ومحبةُ الناس لها لا تقل عن محبة غيرها من الملذات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ»[5].

بشاشة وَجه المرْء خير من القِرى؛

 فَكيف بِمن يَأْتِي بِهِ وَهُوَ ضَاحِك[6]

تكرار التبسم عند كل لقاء:

فالابتسامة ليست مخصوصة باللقاء الأول؛ بل تثنَّى كلما تعددت اللقاءات، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم  منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي»[7] بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم  {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤].

أَخُو البِشْرِ مَحْبُوْبٌ عَلَى حُسْنِ بِشْرِهِ

 وَلَنْ يَعْدَمَ البَغْضَاءَ مَنْ كَانَ عَابِسَا[8]

مشاركة المتحدثين الابتسامة:

ومن هديه صلى الله عليه وسلم  مشاركة أصحابه الابتسامة متى رآهم يتحدثون ويضحكون؛ فلكل مقام مقال ولكل حادث حديث؛ فعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم كثيراً، «كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم»[9].

كثرة تبسمه صلى الله عليه وسلم :

فلم يأت مثله صلى الله عليه وسلم  في كثرة تبسمه ولن يأتيَ. وهو مما تواترت به الأحاديث، قال عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: «ما رأيت أحداً كان أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم »[10].

التبسم حال الغضب:

ومن عجيب حاله صلى الله عليه وسلم  في علاقته مع أصحابه ممن لهم سابقة في الإسلام ما رواه كعب بن مالك رضي الله عنه في حـادثة تخلفه: فجئته فلما سلمت عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: «تَعَال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟»[11].

التبسم حتى مع المسيء:

لم يخص نبينا صلى الله عليه وسلم  ابتسامته بالمقربين مـن أصحابه؛ بل عم ببذلها القريبَ والبعيدَ والمحسنَ والمسيءَ؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم  وعليه بُرْدٌ نجـراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صَفْحَةِ عاتق النبي صلى الله عليه وسلم  قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جَذْبَتِهِ، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم «أمر له بعطاء»[12].

ضمَّ المحاسنَ والإحسان نائله

 من كفِّ بدر منيرِ الوجهِ مبتسمِ[13]

الابتسامة سلاح بارد:

قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: «البشاشة مصيدة المودة»[14]

ثَارَ بِهِ الجَهلُ فَابتَسَمْتُ لَهُ

 وَرُبَّ جَانٍ عِقابُهُ الضَّحِكُ[15]

وَإِنِّي لأَلْقَى المَرْءَ أَعْلَمُ أَنَّهُ

 عَدُوٌّ وفي أَحْشَائِهِ الضِّغْنُ كَامِنُ

فَأَمْنَحُهُ بِشْرِي فَيَرْجع ودُّهُ

 سَلِيْماً وَقَدْ مَاتَتْ لَدَيْهِ الضَّغَائِنُ[16]

{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34 وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: ٣٤، ٣٥].

التبسم لم يفارق نبينا صلى الله عليه وسلم  حتى في مرض الموت:

فقد ختم صلى الله عليه وسلم  حياته في آخر لقاء له بأصحابه متبسماً، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم  الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم  ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم  خارج إلى الصلاة «فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم  أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر فتوفي من يومه»[17].

تَجافَى النَّومُ بَعدَكَ عَن جُفُونِي

 ولكِنْ ليسَ يَجفُوها الدُّموعُ

يُذَكِّرُني تَبَسُّمُكَ الأَقاحي

 ويَحكي لي تَوَرُّدَكَ الرَّبيعُ

يطيرُ إليكَ مِن شَوْقٍ فُؤادِي

 ولكنْ ليسَ تَترُكُهُ الضُّلوعُ

كأَنَّ الشَّمسَ لمَّا غِبْتَ غابَتْ

 فليسَ لها على الدُّنيا طُلوعُ[18]

ضحك المؤمنين في عرصات يوم القيامة:

وللمؤمنين موقف مشهود في ساعة الموقف العظيم ذكره ربنا سبحانه وتعالى بقوله:  {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ 38 ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} [عبس: 38، 39] «مِن ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم»[19]. أما في علاقتهم مع مَن أساء إليهم في الدنيا فقد قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34].

وأختم بما رواه أبو رزين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عَبْدِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ» قال: قلت: يا رسول الله، أوَيضحك الرب عز وجل؟ قال: «نَعَم» قال: لن نَعْدَمَ من رب يضحك خيراً[20]. وعن نعيم بن هَمَّارٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «إِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ»[21].

اللهم أكرمنا ووالدينا بذلك بفضل منك ورحمة.


 


[1] رواه البخاري في الأدب (891)، والترمذي (1956) وحسنه. وصححه ابن حبان (474).

[2] رواه مسلم (2626)، وروي (طلق) على ثلاثة أوجه: بإسكان اللام وكسرها وطليق، ومعناه: سهل منبسط.

[3] رواه ابن حبان (468).

[4] لمنصور الكريزي. كما في روضة العقلاء/76 وقيل: لأبي العتاهية رحمه الله تعالى. مجموعة القصائد الزهديات 2/259.

[5] رواه أبو يعلى (6550)، والبزار (9319)، وصححه الحاكم (428)، قال الحافظ: «وللبزار بسند حسن» الفتح 10/459.

[6] غذاء الألباب 2/150، موارد الظمآن لدروس الزمان 3/510.

[7] البخاري (3035)، ومسلم (2475).

[8] للأبرش. روضة العقلاء/75، الدر الفريد 2/238.

[9] رواه مسلم (670).

[10] رواه أحمد (17704)، والترمذي (3641)، وصححه الألباني في مختصر الشمائل (194).

[11] رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769).

[12] رواه البخاري (3149)، ومسلم (1057).

[13] نفح الأزهار في منتخبات الأشعار، ص124.

[14] بريقة محمودية 3/254.

[15] الدر الفريد 5/463.

[16] التذكرة الحمدونية 2/188، الدر الفريد 10/189، المستطرف/127.

[17] رواه البخاري (680)، ومسلم (419).

[18] لابن عبد ربه، العقد الفريد 6/298.

[19] تفسير السعدي، ص911.

[20] رواه أحمد (16187)، وابن ماجه (181)، والطبراني 19/207 رقم (469)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2810)، وانظر في بيان معناه مجموع الفتاوى لابن تيمية 5/51 و 6/121.

[21] رواه أحمد (22476)، وسعيد بن منصور (2566)، والطبراني في مسند الشاميين (1167)، قال المنذري: «رواه أحمد وأبو يعلى ورواتهما ثقات» الترغيب والترهيب 2/319، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1371). ورواه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال المنذري: «رواه الطبراني بإسناد حسن» الترغيب والترهيب 2/319 وقال الألباني: «حسن صحيح» صحيح الترغيب (1372).